الديمقراطية أيضا في أزمة...

د. محمد السيد سعيد .... الاتحاد

 

بعد سنوات قليلة من انتصار الغرب في الحرب الباردة وإعلان انتصار الديموقراطية والاحتفال بالموجة الثالثة من التحول الديموقراطي دخلت الديموقراطية في أزمة حقيقية. فهي لم تنتصر بعد في الصين ولم تعمل في روسيا وتصطلي بنار الحركات العرقية والدينية في أفريقيا وآسيا. ولكن كل ذلك لا يقارن بالأزمة غير الظاهرة التي تعيشها الديموقراطية في البلد الذي ولدت فيه لأول مرة في العصر الحديث وهي الولايات المتحدة! أعتقد أنه لو هزمت الديموقراطية في أميركا فإن العالم سينجرف إلى محنة طويلة ورهيبة تعكس النبوءات الشائعة والمخيفة في روايات وأفلام الخيال العلمي وأيضا في الخطاب ما بعد الحداثي حول مستقبل البشرية السياسي. ولذلك يبدو لي أن الدفاع عن الديموقراطية الأميركية يجب أن يبدأ بتثمينها وتقدير ما أضافته للبشرية من معاني حكم القانون والاعتراف بالآخر وبالتالي التعددية السياسية وتداول السلطة وفقا لدستور دقيق يضمن الحريات والحقوق العامة للمواطنين ويحدد بدقة علاقات الأجهزة التي تتصرف بالسلطات العامة وبقية المعاني الثورية العظيمة في الفكرة الديموقراطية.

هذه المعاني هي بالفعل عميقة الجذور في المجتمع الأميركي. بل تبدو الحالة الديموقراطية في أميركا وفي هذه اللحظة بالذات في أبهى حالاتها من الناحية الشكلية. فقد انتهت للتو ثالث المناظرات بين المرشحين الرئاسيين. وكانت العادة جرت على عقد مناظرة واحدة. وتنطلق عمليات السياسية الديموقراطية بقوة ونشاط هائلين من مفاوضات وعقد تحالفات وتجييش المتطوعين لنشر الدعايات والمواقف وتنظيم الإدلاء بالأصوات وغير ذلك من العمليات المعروفة في الانتخابات الأميركية.

ولكن فيما وراء السطح تبدو علامات الأزمة واضحة. وأول علامات تلك الأزمة أن الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة لا يبدو وكأنه تأثر كثيرا بالمناظرات السياسية بين المرشحين لمنصب الرئيس ونائب الرئيس. فهناك كتلة هائلة من المصوتين هي الأكثر التزاما بالتصويت والأقوى ماليا وثقافيا وسياسيا وهي التي تقف وراء الرئيس بوش تعرف ذاتها بأنها من "المسيحيين المولودين من جديد" وهو تعبير ينصرف إلى هؤلاء الذين تحركهم المعتقدات الدينية ويشعرون أن واجبهم الأول في المعترك السياسي هو الدفاع عما يعتبرونه القيم المسيحية والرقابة الدقيقة على السلطة العامة انطلاقا من نفس القناعات. وهذا القطاع الذي يطلق عليه "الأصولية "المسيحية هو مصدر الخوف على الديموقراطية الأميركية. فرغم أن زعماءها يتحدثون عن الديموقراطية بصورة عارضة فإنهم لا يضعونها في خرائطهم الفكرية بل العكس تماما. إذ يبدو الأمر وكأن الديموقراطية ليست في ذهنهم إطلاقا وأن الرؤيا التي تحركهم قد تقودهم إلى انقلاب على الديموقراطية الأميركية. وقد طورت هذه الكتلة الأصولية تقنيات للممارسة السياسية لا زالت بعيدة عن عيون المراقبين السياسيين وحتى مراكز الاستطلاع. فوفقا لاستطلاع مركز جالوب تشكل هذه الكتلة نحو 46% من الأمريكيين. وعندما تذهب للانتخابات لا تكون قد تأثرت بالمناظرات أو بحالة التنشيط الذهني الجبارة التي تثيرها الانتخابات العامة وإنما هي تذهب بفكرة أحادية ومحددة لا سبيل لهزها أو مراجعتها. وبالمقابل فإن الكتلة الليبرالية ممزقة بين مئات وعشرات من الفرق والجماعات السياسية التي لا تثق في بعضها البعض. كما أن الكتلة البراجماتية التي كانت تشكل التيار الرئيسي للحياة السياسية والاجتماعية ضعفت كثيرا وتحولت كثيرا نحو اليمين وهو ما يجبر معظم المرشحين للمناصب العليا على التحرك في اتجاه اليمين بدورهم فتصبح الساحة السياسية بدون اختيارات حقيقية. أن اليمين المسيحي صار هو المحرك الحقيقي للسياسة حتى عندما يخسر الانتخابات العامة. فحتى الليبرالي كلينتون كان قد اضطر للتحرك نحو اليمين خضوعا لها الاتجاه العام. وبذلك فقدت التعددية وظيفتها وهي إتاحة اختيارات متعددة للمجتمع وإتاحة فرصة حقيقية له للتعرف على هذه الاختيارات من خلال آليات الثقافة والإعلام.

فمن علامات الأزمة التي تعيشها الديموقراطية الأميركية أن المرشحين الحاليين للرئاسة الأميركية لا يختلفان كثيرا عن بعضهما البعض. وبذلك صارت الانتخابات وكأنها عملية إرغام الليبراليين واليساريين وتيار الوسط على التصويت لسياسي يميني بدون مبادئ ومحروم من الكاريزما وخائن للثقة الشعبية لمجرد أنه المنافس لبوش. وكان كثيرون قد قالوا لأنفسهم أن الأمر غير جدير بالاهتمام. فإذا كان كيري لا يختلف كثيرا عن بوش فربما يكون من الحكمة ترك بوش يحكم لفترة إضافية بما يؤدى إلى إنضاج التناقضات وليس التمويه عليها. ويعنى ذلك أن الديموقراطية لا تعمل وأن الوضع الاستقطابي الراهن قد يدفع كثيرين حتى من خصوم اليمين الديني والعلماني والجديد إلى نفض يده من الديموقراطية والبحث عن نموذج جديد للسياسية وهو ما يحدث منذ فترة في الولايات المتحدة.

وعلى أي حال فإن هذا النظام الذي يعجز عن توفير مرشحين يعكسون ألوان الطيف واللوحة السياسية الحقيقية بتعدديتها الغنية ويجبر المجتمع على الاختيار بين مرشحين سيئين مثلما يعتقد غالبية الأميركيين هو نظام يعاني أزمة حقيقية. ويعود جانب من تلك الأزمة إلى صعوبة أو شبه استحالة نجاح مرشح ثالث وبالتالي كسر احتكار الحزبين السياسيين الكبيرين للانتخابات. وبذلك تضيق الاختيارات ويصاب المجتمع بالجمود. وكأن الجمود والتقادم الدستوري يفضي الى أزمة عميقة قد تصيب الديموقراطية الأمريكية في مقتل.

فإذا استمر الاستقطاب الثنائي المتزايد في المجتمع الأميركي قد يصل هذا المجتمع الى طريق مسدود حيث لا تحل الديموقراطية المشكلة عن طريق تداول السلطة ومن ثم قد تقود الأحداث هذا المجتمع الى شفا الحرب الأهلية. وهناك شكوك عميقة حول الطريقة التي تم بها تسوية الأزمة الانتخابية عم 2000. ولو لجأ أنصار بوش هذه المرة أيضا إلى أساليب ملتوية لحسم الانتخابات لصالحهم قد تنطلق صفارات الانذار لأولى مراحل تلك الحرب السياسية الداخلية.

إن هذه الأزمة الداخلية لا تنفصل عن الأزمة الخارجية التي يعيشها المجتمع الأميركي. فالحرب الشاملة وغير المحددة بنهاية واضحة في الخارج تنضج الأزمة الداخلية. وقد فضل اليمين المتطرف ممثلا في الرئيس بوش أن ينفق ما لا يقل عن 200 مليار دولار في الحرب ضد العراق وهو مبلغ كان يكفى لمواجهة أزمة النظام التعليمي الأميركي الذي يعانى من مجاعة مالية، كما أن هذا المبلغ كان يمكن أن يحسن وضع البنية الأساسية وخاصة شبكات الكهرباء المتقادمة.

أن العلامة الأساسية لأزمة الديموقراطية الأميركية تتمثل في تمكن رجل مثل الرئيس بوش من الإفلات من الحساب العسير حول سياسات لا يمكن الدفاع عنها ونتائج فاشلة حتى لتلك السياسيات وخاصة فيما يتعلق بالعراق. وعندما يتوقف المجتمع لأسباب ايديولوجية مثل انتشار الأصولية عن محاسبة المسؤولين عن أخطاء كبيرة وأكاذيب أكبر كما حدث في الحرب ضد العراق لابد أن تعيش الديموقراطية أزمة كبيرة من الداخل والخارج معا. فما بالنا لو أن الانتخابات كافأت بوش على أخطائه وتعصبه وفشله على جميع الأصعدة؟