مستقبل الديمقراطية في بلادنا لا يبشر بالخير ...

فهمي هويدي.... الشرق الاوسط

مستقبل الديمقراطية في العالم العربي والاسلامي لا يبشر بالخير. ذلك ان مختلف الشواهد تدل على أن كل ما يقال عن الاصلاح السياسي، لا تكاد ترى له ترجمة حقيقية على أرض الواقع، وانما هو في احسن احواله تعبير عن مسايرة الريح السائدة والتجاوب الانشائي مع شعارات المرحلة. وهو تجاوب لا يتجاوز حدود الخطاب الاعلامي والسياسي، ولا يغير شيئا من ركائز البنيان القائم، خاصة مسألة احتكار السلطة.
في الاسبوع الماضي مررنا بمشهدين انتخابيين يعبران عن هذا الذي أدعيه، في تونس أطلقت حملة الانتخابات الرئاسية والاشتراعية التي يفترض اجراؤها في الرابع والعشرين من الشهر الجاري. وكان ترتيب أمر هذه الحملة قد تم في العام 2002، بتعديل للدستور ألغى النص على تحديده فترة تولي الرئيس للسلطة بمدتين فقط، بحيث فتح الباب لشغل هذا المنصب الى ما شاء الله، وبمقتضى ذلك التعديل فإن الرئيس بن علي صار من حقه ان يرشح نفسه لولاية ثالثة ورابعة وخامسة.. الخ.
وقد لفت الانتباه في الحملة الانتخابية التي بدأت يوم السبت الماضي أمران، اولهما، ان احزاب المعارضة دعت الى مقاطعتها، لافتقادها الحياد والشفافية. وثانيهما، ان الذين شاركوا في المنافسة على رئاسة الجمهورية تعرضوا لصور متفاوته من التضييق، حتى ان احدهم قال في حوار أجرته معه قناة «الجزيرة» في (10/10)، ان قرارا صدر بمنعه من توزيع بيانه الانتخابي، كما ان معاونيه منعوا بدورهم من توزيع صوره على الناس، الامر الذي يعني ان الناخبين لن يسمعوا له صوتا ولا صورة، وما حدث معه تكرر مع غيره من المرشحين، ويعني ايضا ان المشهد الانتخابي الذي تم في العام 1999 سوف يتكرر هذه المرة، وهو المشهد الذي حصل فيه منافسو الرئيس الثلاثة مجتمعين على نسبة للاصوات لم تتجاوز واحداً في المائة!
في الاسبوع نفسه أجريت الانتخابات الرئاسية الافغانية، التي ترشح لها الرئيس الحالي حامد كرزاي و17 منافسا آخرون، لكن كرزاي خاضها وحيدا لأن اثنين من المرشحين انسحبا لصالحه، في حين انسحب الـ 15 الآخرون احتجاجا على اساليب التزوير والتلفيق التي رتبت لضمان فوز الرئيس الحالي، وكان هذا الترتيب معلوما للكافة منذ عام تقريبا، ليس فقط لأنه يمثل طموحا لكرزاي، ولكن ايضا لأنه كان مطلبا اميركيا قدر لي ان اكون قريبا منه وتلك قصة تستحق ان تروى.
ذلك انني كنت في زيارة لكابول في شهر سبتمبر (ايلول) العام الماضي، وتصادف ان زار العاصمة الافغانية في ذلك الوقت وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد، وتداولت الاوساط السياسية والدبلوماسية معلومات مفادها ان رامسفيلد جاء ليشدد على امرين، اولهما ضرورة اجراء الانتخابات الرئاسية في شهر اكتوبر (تشرين الاول). والثاني ضمان نجاح الرئيس حامد كرزاي في تلك الانتخابات، لأن نجاحه يعني استمرار الولاء للولايات المتحدة (التي أتت به الى السلطة)، باعتبار ان ذلك من شأنه ان يوفر ورقة مهمة للرئيس الاميركي جورج بوش في انتخابات التجديد له، تعزز ادعاءه بأنه حقق نجاحات في مكافحة الارهاب وإشاعة الديمقراطية في المنطقة، وقد اشرت الى ذلك في مقال كتبته وقتذاك، وقلت فيه ان اضطراب الاوضاع في العراق لن يمكن الرئيس بوش من الحديث عن «انجاز» حققه هناك، ولذلك فإن واشنطن شديدة الحرص على ان تبرز ذلك الانجاز في افغانستان.
من المفارقات ذات الدلالة في هذا الصدد، ان الرئيس كرزاي كان موقفه ضعيفا للغاية في العملية الانتخابية، لأنه لم يكن يحظى بتأييد البشتون الذين ينتمي اليهم، باعتبار انه جاء على ظهر الدبابات الاميركية، ولأنهم اكثر ميلاً الى «طالبان»، وفي الوقت ذاته فإن حلفاءه الطاجيك تخلوا عنه، وتحولوا الى مساندة منافسه القوي يونس قانوني الذي هو من ابنائهم، وهو ما يعني ان كرزاي خاض الانتخابات معتمدا على الدعم الاميركي المستمر له، بأكثر من اعتماده على ارادة الشعب الافغاني.
خارج هذه الدائرة يلاحظ المرء ما يلي:
* تم تعديل الدستور في لبنان للتمديد للرئيس الحالي اميل لحود بعد انتهاء ولايته.
* ان ثمة حديثا متواترا في الجزائر عن ادخال تعديلات على الدستور لتمكين الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقه من الاستمرار في السلطة، بعد انقضاء مدته (في عام 2006). وقد تعززت تلك الفكرة حين قال بوتفليقه في احد تصريحاته الاخيرة انه يعتبر النظام السياسي المتبع في تونس مثله الاعلى.
ان احتكار السلطة اصبح مسلكا شائعا لدى اغلب قيادات الانظمة الجمهورية، بحيث بات مستقرا ان أي اصلاح سياسي يراد تطبيقه ينبغي ان يتم من خلال المؤسسات السياسية القائمة، التي أثبتت قدرة عالية على التكييف مع مختلف النظم الثورية والاشتراكية والاستبدادية والديمقراطية. حيث يبدو أنه لم يعد مهما كثيرا طبيعة النظام السياسي أو هويته، وانما صار الاهم ان يظل القاعدون على الكراسي في اماكنهم، لا يتزحزحون عنها، وطالما انها مسألة لافتات ترفع ومواسم تتغير بين الحين والاخر، فلا بأس من تغيير اللافتات لتتماشى مع أحدث صيحات عالم السياسة.
لا يخلو الأمر من مفارقة، لأن هذه الممارسات تقع وسط اجواء يشيع فيها الادعاء بأهمية الاصلاح السياسي، وضرورة اعادة النظر في خرائط المنطقة، وهو الادعاء الذي روجت له الابواق الاميركية، بزعم ان الاوضاع غير الديمقراطية تشكل التربة الحقيقية لنمو الارهاب، واستئصال جذور ذلك الارهاب يتطلب اشاعة قيم الديمقراطية أولاً لبث قيم المشاركة والتسامح والتداول وغير ذلك، وهو كلام جميل لا ريب، لكن كثيرين ينسون ان المصالح الاميركية تقف قبل كل ذلك، ولذلك فإنها تحتل الاولوية القصوى في التعامل مع أي نظام، وهو ما يعني ان واشنطن تضع تلك المصالح نصب اعينها، فحينما تحققت في ظل نظام ديمقراطي أو غير ديمقراطي فهي معه، راعية وداعمة ومباركة.
لا تثريب عليهم بطبيعة الحال، حيث الدفاع عن مصالحهم امر بديهي، ولم يقل أحد انهم مسؤولون عن اصلاح اوضاعنا السياسية وان زعموا ذلك، وواهم ومغفل من يصدق ذلك الزعم، اذ الاصل ان نغير نحن ما بأنفسنا اولا، حتى تتغير احوالنا وتتحسن.
اننا اذا اردنا ان نعيش في اجواء ديمقراطية حقيقية فينبغي ألا نتوقعها هبة من احد، لا في الخارج ولا في الداخل، فالديمقراطية الموهوبة هي مولود هش وفاقد المناعة، يمكن العصف به بمنتهى السهولة، فضلا عن ان من يهبها بوسعه ان يمنعها، اما الديمقراطية الحقيقية فلا تتوافر الا اذا تم تحصيلها من خلال نضال يتصدى له اهل الغيرة والحمية، الذين يكونون مستعدين لدفع ثمن نضالهم. الشرط الثاني الواجب توفره هو ألا تختزل الديمقراطية في اجراءات وهياكل، حيث ثبت ان أيسر وسيلة لتزوير الديمقراطية هي اتخاذ اجراءاتها واقامة مؤسساتها وهياكلها، ثم تفريغ ذلك كله من مضمونه، ولا سبيل لتجنب ذلك المصير البائس، ولا بالدخول الى الديمقراطية من باب اطلاق الحريات العامة، التي تمكن المجتمع من أن يرفع صوته عاليا، ممارسا لحقه في المشاركة والنقد والمساءلة، وحين يستعيد المجتمع عافيته على ذلك النحو فإن حركته وأنشطته تنمو نموها الطبيعي، فتترجم الى مؤسسات أهلية أو تجمعات سياسية، تصبح قادرة على تثبيت قوائم الحرية وقطع الطريق على أي محاولة للعبث بمقدراته، سواء بالعدوان على القانون أو تزوير ارادة الشعب في أية انتخابات. وحين يتحقق ذلك، أو تلوح بوادر تحقيقه، عندئذ فقط سيكون بوسعنا ان نتفاءل بمستقبل الديمقراطية في بلادنا.