الولايات المتحدة وإسرائيل و..الفيتو...

ماجد كيالي...البيان

 

 

لم يكن ثمة مفاجأة في استخدام الولايات المتحدة لحق النقض «الفيتو»، في مجلس الأمن الدولي، للحؤول دون استصدار قرار يطالب إسرائيل، بوقف حملتها العسكرية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. معلوم أن الولايات المتحدة اعتادت التفرّد باتخاذ مثل هذه الخطوة، للتغطية على الممارسات الإسرائيلية العنصرية والعدوانية، والتي تتناقض مع المواثيق والأعراف الدولية، ولحماية إسرائيل من الأغلبية في مجلس الأمن الدولي.

 

لكن في هذه المرة ثمة سببين إضافيين يفسّران موقف الولايات المتحدة، الرافض لاتخاذ ولو مجرد قرار يدعو إلى وقف أعمال إسرائيل العسكرية، أولهما، يتمثل في حقيقة أنه من غير المعقول أن تقف الإدارة الأميركية موقفا رافضا للعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، فيما هي تقوم بذات الأعمال، وعلى نطاق أوسع، في العراق. فهذه الإدارة، التي باتت تصم مقاومة الاحتلال بالإرهاب.

 

تعتقد بأن مسئولية أعمال العنف إنما تقع على عاتق الفلسطينيين، متجاهلة في ذلك جذر المشكلة المتمثلة بالاحتلال، والممارسات الإسرائيلية التعسفية؛ من استيطان وسلب أراضٍ وحصاراتٍ واعتداءاتٍ ومصادرة حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإنكار وجودهم كشعب؛ وهي الأسباب التي أدت إلى اندلاع الانتفاضة والمقاومة.

 

أما السبب الثاني فيتمثل باقتراب موعد الانتخابات الأميركية (في مطلع نوفمبر المقبل)، وفي هذه الفترة يصعب على الإدارة الأميركية تمرير قرار يمكن أن يستشفّ منه ولو إدانة شكلية لإسرائيل؛ لاسيما أن الرئيس جورج بوش بحاجة ماسة، في معركته الحامية مع منافسه جون كيري، إلى أصوات اليهود في الولايات المتحدة، الذين يؤيدون إسرائيل، كما هو بحاجة إلى أصوات المتعاطفين مع إسرائيل في المجتمع الأميركي.

 

وكما قدمنا فإن السياسة الأميركية التي درجت على طمس التمييز بين المقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال والإرهاب الإجرامي، لاسيما بعد حدث 11 سبتمبر(2001)، درجت أيضا على إضفاء المشروعية على إرهاب الدولة المنظّم، الذي تقوم به هي (في العراق أو في غيره)، والذي تقوم به حليفتها إسرائيل، ضد الفلسطينيين وبعض البلدان العربية؛ لاسيما في لبنان وسورية.

 

وبينما يبقى الإرهاب إرهابا في القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، إذا طاول المدنيين الأبرياء واستخدمت فيه وسائل قتل جماعية ومحرّمة دوليا، وبغض النظر عمن قام به سواء كان دولة أو مجموعة أو شخص، فإن الإدارة الأميركية يحلو لها تفسير هذا التمييز التعسفي، اللامنطقي، بفلسفة مفادها أنه يحق للدول الديمقراطية ما لا يحق لغيرها!

 

وفي إطار هذه الفلسفة، الاستعمارية الاستعلائية، شرّعت الإدارة الأميركية لنفسها حق استخدام مبدأ «الحرب الوقائية»، والوصاية على الدول الأخرى (حكومات وشعوب)، واحتكار أسلحة الدمار الشامل، ومنحها لمن تشاء ومنعها عمن تشاء، وحق المضي بالحرب على الإرهاب، بغض النظر عن صدقية مبرراتها وأشكالها ونتائجها! بديهي هنا أن الحق الذي تدّعيه الولايات المتحدة لنفسها، تمنحه لحليفتها إسرائيل.

 

وهذا ما يفسر أن إسرائيل تستخدم، أيضا، مبدأ «الحرب الوقائية»، وتحتكر التسلح النووي في المنطقة، وتعتبر نفسها وصية على الفلسطينيين وتريد تأهيلهم، أو بالأحرى «تربيتهم»، وتدعي أنها تخوض حربا دفاعية ضد «إرهابهم». فوق كل ما تقدم فإن الولايات المتحدة التي باتت تعتبر نفسها ضحية لعمليات الإرهاب، ونصّبت نفسها كشرطي عالمي لمكافحته، باتت تنظر إلى إسرائيل باعتبارها، هي أيضا.

 

ضحية لعنف الفلسطينيين (أو لإرهابهم بمصطلحاتها)، في تبنٍّ واضح للمواقف الإسرائيلية، وفي محاولة لعكس الصورة، حيث يصبح الفلسطيني، وهو الضحية، مجرما ومتهماً! في حين تصبح إسرائيل، وهي المحتلة والمعتدية، ضحيةً! والمهم في هذا وذاك ما تقوله الولايات المتحدة وإسرائيل، وليس ما يعتقده وما يراه العالم، بأم عينه، يوميا.

 

وعودة إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، فقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو»، في هذا المجلس حوالي 80 مرة، 50 بالمئة منها للحؤول دون صدور قرارات تتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، برغم من توفر غالبية للمجلس في هذا الإطار.

 

اللافت أن القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي بشأن القضية الفلسطينية، هي قرارات عمومية وغير ملزمة، كونها تأتي ضمن أحكام الباب السادس من ميثاق الأمم المتحدة، وليس ضمن أحكام الباب السابع الإلزامية، كما حصل في حال العراق أو في حال نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، سابقا؛ وحتى هذه القرارات رفضت إسرائيل الالتزام بها.

 

بتشجيع من الولايات المتحدة أيضا. ولهذا باتت إسرائيل تعرف بأنها دولة خارج القانون الدولي، وأنها أكثر دولة تعارض الإرادة الدولية؛ ولعل هذا الوضع دفع أكثر من 60 بالمئة من الرأي العام الأوروبي لاعتبار إسرائيل أكثر دولة تهدد الأمن والسلم العالميين.

 

وكانت الولايات المتحدة استخدمت حق الفيتو لأول مرة عام 1967م للحيلولة دون إصدار قرار يتعلق بوقف إطلاق النار أثناء حرب يونيو وانسحاب القوات المتحاربة إلى خطوط الهدنة السابقة. كما صوتت الولايات المتحدة ضد 10 قرارات تنتقد جنوب أفريقيا (سابقا)، وضد ثمانية قرارات تتعلق بناميبيا، وسبعة قرارات حول نيكاراغوا، وخمسة حول فيتنام، كما أنها الدولة الوحيدة التي أعاقت صدور 53 قرارا.

 

وللعلم فإنه منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 حتى أواخر العام 2003، استخدم الاتحاد السوفييتي، ثم روسيا، حق الفيتو «النقض» 120 مرة، والولايات المتحدة 77 مرة وبريطانيا 32 مرة وفرنسا 18 مرة، بينما استخدمته الصين خمس مرات.

 

جدير بالذكر أن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض، في مارس 2001.

 

ضد قرار يتيح تشكيل قوة مراقبين دوليين لحماية الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهي حالت دون جهود مجلس الأمن للتحقيق في مجزرة مخيم جنين التي ارتكبتها إسرائيل فيه، في أبريل 2002.

 

وفي ديسمبر 2002، استخدمت الإدارة الأميركية حق النقض لمنع مجلس الأمن من اتخاذ موقف يدين قيام القوات الإسرائيلية بقتل عدة موظفين من موظفي الأمم المتحدة، فضلا عن تدميرها المتعمد لمستودع تابع لبرنامج الأغذية العالمي في الأرض الفلسطينية المحتلة في نهاية نوفمبر(2002).

 

وفي 16/9/ 2003 استخدمت الولايات المتحدة الأميركية حق نقض «الفيتو»، لمنع مجلس الأمن الدولي من تمرير مشروع القرار العربي الذي يطالب إسرائيل بالامتناع عن التعرض للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بطرده أو قتله.

 

وفي هذه المرة استخدمت الولايات المتحدة حق «الفيتو» للحؤول دون تمرير قرار عادي جدا، في حيثياته ومضامينه، فهو قرار لا يدين إسرائيل، ولا يحملها أية مسئولية، فقط، فهو يطالبها بوقف أعمالها الحربية ضد الفلسطينيين؛ وكان أيد القرار 11 دولة بينها فرنسا وروسيا والصين.

 

في حين عارضته أربعة دول هي: الولايات المتحدة، وألمانيا وبريطانيا، ورومانيا. مع العلم أن محصلة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي تم شنه بدعوى مقتل طفلين في بلدة سديروت الإسرائيلية أواخر سبتمبر الماضي، بلغ أكثر من 80 شهيدا (بينهم 20 طفلا)، وثمة حوالي400 جريح ومصاب، هذا عدا عن تدمير عشرات المنازل.

 

على أية حال فإن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى مجرد قرارات دولية ولا إلى معايير العدالة والقيم الأخلاقية، فقط، لإثبات نفسه، وإنما هو يحتاج أيضا إلى المزيد من المثابرة والصمود والوعي بالتعقيدات الدولية التي تحيط بقضيته، وبمداخلاتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

 

مثلما يحتاج معها إلى تغيّر في المعطيات السياسية وموازين القوى على الصعيدين الدولي والإقليمي، لأن حصول هذا التغير هو الذي يمكن أن يكبح جماح إسرائيل ويضع حداً لغيها ولتلاعبها بقيم الحرية والعدالة والسلام ولاستهتارها بإرادة الشرعية الدولية.

 

ـ كاتب فلسطيني

البيان