.. ومن أين للجهل أن يصنع قوة؟

بول كروغمان*

الشرق الاوسط
أشرت في مقال في أكتوبر (تشرين الثاني) عام 2000 الى أن فريق الرئيس جورج بوش يتبع النهج الذي أطلق عليه الكاتب جورج أورويل «السيطرة على الواقع». فحتى في ذلك الوقت المبكر اتضح أن بوش كان يحيط نفسه بجماعة تصر على أن الأعلى أسفل وأن الجهل قوة. إلا أن بات الآن ثمن إنكاره للواقع واضحا تماما.
بوش ونائبه ديك تشيني يقودان حزبا يسيطر على أجهزة الحكومة الثلاثة ويواجهان وسائل إعلام مؤيدة حزبيا في بعض الحالات، وفي حالات أخرى تحجم عن التصريح بصورة مباشرة بأن المسؤولين لا يقولون الحقيقية.
أدى ذلك في مجمله الى تكريس ما وصفه الكاتب جورج أورويل بـ«السيطرة على الواقع». فإدارة بوش لديها اعتقاد بأن قادتنا معصومون عن الخطأ، وأن سياساتهم دائما ناجحة. أما إذا لم تدعم الحقائق هذه الافتراضات، فإن إدارة بوش تنكر الحقائق.
السيطرة على الواقع حققت نجاحا بارزا كاستراتيجية سياسية، لكنها أسفرت عن كارثة متوقعة كاستراتيجية حكم. عندما تعيش القاعدة في واقع مختلق فإن الأداء سيكون سيئا فيما يتعلق بالتعامل مع الواقع الحقيقي.
والى ذلك شاهدنا في الأيام القليلة السابقة عرضا عمليا لمنهج السيطرة على الواقع. فخلال المناظرة التي جرت يوم الخميس أصر ديك تشيني على انه لم يشر الى وجود علاقة بين العراق وهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. عقب نشر تقرير ديلفر، الذي اثبت أن قدرات نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين على إنتاج أسلحة الدمار الشامل كانت في تدهور مستمر وليس العكس عند غزو العراق مارس (آذار) من العام الماضي. وأعلن تشيني في نفس المناظرة أن التقرير أثبت أن «التأخير والإرجاء والانتظار لم يكن خيارا».
من وجهة النظر السياسية، حققت ممارسة الإنكار على هذا النحو نجاحا بارزا. فعلى سبيل المثال نجحت إدارة بوش في إقناع كثيرين بأن خفضها للضرائب، التي تذهب في واقع الأمر الى أقلية ثرية، يعد إجراء لا بد منه يصب في مصلحة الأسر التي تنتمي الى الطبقة الوسطى وأصحاب الأعمال التجارية الصغيرة. وتمكنت إدارة بوش أيضا من إقناع بعض الناس على الأقل بأن سجلها الاقتصادي، الذي يتضمن أسوأ أداء في مجال العمل وتوفير الوظائف لأول مرة منذ 70 عام تقريبا، يعتبر نجاحا عظيما، وأن اقتصاد البلاد «قوي ويزداد قوة»، علما بأن المعلومات التي نشرت حول هذا الشأن في الأيام القليلة الماضية، وهي معلومات كان من المتوقع أن تضفي تحسنا على الأرقام، لم تغير الصورة الأساسية للسنوات الأربع الكئيبة، فيما نجح المسؤولون في إقناع كثيرين بأنهم يمضون قدما فيما يتعلق بسياسة البيئة، كما ظلوا يتباهون بخلو الجو من أي تلوث، رغم أن المفتش العام لوكالة البيئة أعلن أن تطبيق القواعد الحالية ذات الصلة بنوعية الهواء فشلت تماما.
ترى، كيف انتهى احتلال العراق الى هذا الإخفاق؟ (تدهور الوضع الأمني الى درجة أنه لم تعد هناك مناطق مأمونة. فقد عثر يوم الثلاثاء على قنبلة أمام مطعم يؤمه الكثير من الناس داخل المنطقة الخضراء).
من هنا، يمثل انعزال المسؤولين عن الواقع لب المسألة. فهؤلاء كانوا يريدون أن يصدقوا وعود أحمد الجلبي بأن الأميركيين سيستقبلون بالزهور. إلا انه لم يكن هناك من يمكن أن يقول لهم خلاف ذلك. إنهم يريدون أن يصدقوا أن المتمردين حفنة من الإرهابيين الأجانب وبقايا البعثيين. مرة أخرى، إنهم يريدون أن يصدقوا ذلك رغم أن الكل خارج الإدارة الأميركية أدرك أننا نواجه تمردا كبيرا وخطرا يتطلب عددا أكبر من القوات.
ولنتساءل: لماذا فشلت حملات وعمليات تعقب الإرهابيين؟ فمن الواضح وخلال سنوات أن جون آشكروفت لا يشعر بالخوف فحسب، بل انه يفتقر أيضا الى الكفاءة، لكنه داخل دوائر الإدارة يعتبر الشخص المناسب للموقع الذي يشغله والمهام المناط به تنفيذها. مرة أخرى، لم يكن هناك من يمكن أن يقول لهم خلال ذلك.
النقطة المهمة هنا هي أن الجهل لا يعتبر قوة في العالم الحقيقي (مقابل العالم السياسي)، فالزعيم الذي يملك قوة سياسية تجعله قادرا على التظاهر بأنه معصوم عن الخطأ، ويستخدم هذه القوة لتجنب الاعتراف بالأخطاء، سيرتكب في نهاية الأمر أخطاء فادحة وأكبر حجما الى درجة لا يمكن التغطية عليها وإخفاؤها. وهذا على وجه التحديد ما يحدث لإدارة بوش الآن.