منبر المستقبل الغامض..

السيد يسين..الحياة

نشرت الصحف ووكالات الأنباء في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر الماضي خبراً بالغ الأهمية، جاء كما يلى: "يعقد وزراء خارجية دول مجموعة الثماني، ووزراء خارجية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم، اجتماعاً على هامش أعمال الدورة التاسعة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة، برئاسة كولن باول وزير خارجية أميركا، لبحث موضوع الإصلاحات في المنطقة. وانعقد أمس في نيويورك اجتماع تحضيري للقاء اليوم، شارك فيه كبار الموظفين والخبراء في وزارات خارجية الدول المعنية".
وقالت مصادر دبلوماسية في الأمم المتحدة لجريدة "الشرق الأوسط":إن اجتماع وزراء مجموعة الثماني ووزراء خارجية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيبحث تطبيق الآليات التي قررتها مجموعة الثماني قبل بضعة أشهر في "سي إيلاند" بخصوص الإصلاحات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". انتهى الخبر الهام ونبدأ في عملية تأويله.
يتضمن الخبر مجموعة متكاملة من الحقائق، ويبدد في نفس الوقت طائفة من الأوهام التي ذهبت في الفترة الماضية إلى أن دولاً عربية متعددة رفضت مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي صاغته الولايات المتحدة الأميركية، وسعت من ورائه إلى فرض الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي على دول منطقة الشرق الأوسط. وقد قام هذا الرفض في حينه على حجتين رئيسيتين: حجة الخصوصية الثقافية التي تبرر عدم تطبيق خطة واحدة للإصلاح على الجميع، في تجاهل لخصوصية الأنظمة السياسية والثقافات في بعض هذه الدول، وحجة التدرج، على أساس أن الإصلاح الشامل الفوري قد يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي في بعض البلاد.

ومن سياق الخبر يتضح أن الدول المعترضة خضعت للمخطط الأميركي المرسوم بعناية، واضطرت إلى أن تبتلع تحفظاتها الشهيرة! وأيا ما كان الأمر دعونا أولاً أن نركز على مجموعة الحقائق الخطيرة التي تضمنها هذا الخبر، الذي لم يلق ما يستحقه من تحليل دقيق في الصحافة العربية.

الحقيقة الأولى أن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت نجاحاً فائقاً في فرض مشروعها للإصلاح بعد أن استجابت للانتقادات الأوروبية المبررة، والتي كان مبناها أن لأوروبا سابق تجربة في التعامل مع دول الشرق الوسط وفي مقدمتها الدول العربية من خلال "عملية برشلونة". التي تضمنت اتفاقيات شراكة اقتصادية وتعاوناً سياسياً وأمنياً وثقافياً على مستويات متعددة.

ومن هنا أعادت الولايات المتحدة الأميركية صياغة مشروعها وقدمته في اجتماع الدول الثماني في "سي آيلاند" التي وافقت عليه وقررت -بعد توزيع مسؤوليات المتابعة على عاتق كل دولة- الشروع فوراً في تنفيذه. وكانت البداية هي المؤتمر التحضيري الذي حضره خبراء دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي أعقبه الاجتماع الهام الذي عقد على هامش اجتماعات الأمم المتحدة الأخيرة ورأسه كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، وحضره وزراء خارجية دول الشرق الأوسط وأفريقيا. وناقش هذا الاجتماع تشكيل منبر أطلق عليه "منبر المستقبل" ويحضره وزراء الدول المعنية لمناقشة وتنفيذ خطط الإصلاح. ومعنى ذلك ببساطة أنه بدأ بالفعل تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير أو الموسع، لأن الدول جميعاً وفي مقدمتها الدول العربية وافقت على عقد اجتماع قادم ليكون أول اجتماع لمنبر المستقبل، وعرضت المغرب استضافة هذا اللقاء.

ما الذي يعنيه هذا الخبر؟ يعني أن كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الذي رأس الاجتماع هو الذي سيدير باسم بلاده حركة منبر المستقبل من زاوية وضع أجندة اللقاء، وتحديد الموضوعات المتعلقة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي الذي سبق للمبادرة الأميركية أن حددت معالمها البارزة. أليس في هذه التطورات تسليم فعلي بقبول الدول المتعددة التي شاركت في الاجتماع، وخصوصا الدول العربية، لنظام مبتدع في الوصاية الدولية، تتحكم فيه أساسا الولايات المتحدة الأميركية؟

نحن نعرف أنه في الماضي، في عصر عصبة الأمم ومن بعدها في عصر الأمم المتحدة، فرضت الوصاية على شعوب رؤي إنها لم تنضج بعد لحكم نفسها، أو نظم الانتداب التي أوكلت إدارة شؤون بعض البلاد لبعض الدول الكبرى. غير أن فرض الوصاية على الدول العربية التي نالت استقلالها الوطني في الخمسينات، ومارست أدوارها الدولية والإقليمية باعتبارها دولا مستقلة تماماً، ونحن في بداية القرن العشرين، مسألة ينبغي أن نتوقف أمامها طويلاً.
أولا هذه المبادرة التي أخذت طريقها بالفعل إلى التنفيذ تجري خارج نطاق الأمم المتحدة، وهي تنفذ الآن بمنطق القوة وليس بمنطق القانون. ونعني بذلك على وجه التحديد أن قوة الإمبراطورية الأمريكية بعد 11 سبتمبر هي التي فرضتها، واستطاعت أن تجر وراءها الدول الثماني لتشاركها في التخطيط والتنفيذ. وهذه سابقة في العلاقات الدولية بالغة الخطورة، لأن معناها ببساطة أن هذه الدول الثماني عينت نفسها -بغير قرار من الأمم المتحدة- باعتبارها "مجلس إدارة العالم" الذي من حقه أن يخطط ويقرر وينفذ ويتابع، بل من حقه فرض العقوبات المتنوعة السياسية والاقتصادية، وقد تكون العسكرية على الدول المخالفة!

والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا: لماذا قبلت الدول العربية التي سبق لها أن تحفظت أو رفضت بوضوح المخطط الأميركي في مبادرة الشرق الأوسط الكبير أن تخضع لأوامر الولايات المتحدة الأميركية ودول الثماني، وتدخل طائعة وخاضعة في مجال التنفيذ؟

الإجابة ببساطة أن هذه الدول جميعا تفتقر إلي عناصر قوة الدول المتقدمة المعاصرة. ولم تعد معايير قوة الدول تقاس كما كان الحال في الماضي بالقوة العسكرية وحدها، بل إن معايير القوة قد انقلبت لتصبح القوة المعرفية في مقدمتها، ونعني بذلك قدرة الدولة على إنتاج المعرفة الإنسانية في كل الميادين العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية والفكرية. بالإضافة إلى القوة الاقتصادية المتطورة، وقوة الدول السياسية، ونعني على وجه التحديد متانة شرعيتها السياسية.التي تجعلها أقدر على المناورة في المحيط الدولي. ولابد في هذا المجال من التركيز على القوة العسكرية المتقدمة التي تأخذ في اعتبارها "الثورة في الشؤون العسكرية" كما يطلق عليها، ويعنون بذلك العقائد العسكرية، والأسلحة الحديثة على السواء.

إن لم يكن هذا التوصيف صحيحا فلماذا خضعت الدول العربية إذن للمخطط الأميركي؟ وهناك سؤال هام آخر: هل شاركت إسرائيل بوزير خارجيتها في هذا الاجتماع؟ وهل ستلتزم إسرائيل -إن كان ذلك قد حدث -بخطط الإصلاح الأمريكية المفروضة؟ وهل ستقوم فعلا بالإصلاح الديموقراطي -بالرغم من المزاعم الأمريكية إنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة -وتتوقف عن حرب الإبادة التي تشنها كل يوم ضد الشعب الفلسطيني وتقبل قيام الدولة الفلسطينية، وتعطي حقوق المواطنة الكاملة -عملا بمبادئ الديموقراطية- لي المواطنين العرب الإسرائيليين الذين يقيمون فيها؟ وهل ستتخلي عن أسلحة الدمار الشامل التي تحتكر امتلاكها في المنطقة؟ أم أن إسرائيل ستصبح هي الاستثناء الكبير في هذه العملية الكبرى، خضوعاً أمريكياً فاضحاً للسيطرة الصهيونية على البيت الأبيض، واستسلاماً من الدول الثماني الكبرى للابتزاز الإسرائيلي على النطاق الدولي؟

ولابد لنا أن نتساءل عن مدى تشبث الدول العربية بشعارها الشهير "نعم للإصلاح من الداخل، لا للإصلاح المفروض من الخارج". أليس في خضوع هذه الدول ودخولها في دائرة التنفيذ للمخطط الأميركي استسلام كامل للإصلاح المفروض من الخارج وفق الصياغات الأميركية لمبادئ الديموقراطية، ولقواعد الإصلاح الاقتصادي، ولنظرياتها في الإصلاح الثقافي بما في ذلك تجديد الخطاب الديني؟

وألا يعد ذلك قبولا مطلقا للتبعية الأميركية وللتبعية للدول الثماني؟ وكيف تقبل هذه الدول العربية الانخراط في تنفيذ المخطط الأميركي بغير استشارة شعوبها، عبر مجالسها النيابية المنتخبة أو من خلال مجالس الشورى التي تعددت في الحقبة الماضية؟ وهل يجوز نشر الوعي الزائف من خلال الإعلام الرسمي الموجه والذي يؤكد حفاظ هذه الدول على حرية واستقلال قرارها السياسي، في الوقت الذي تتنازل فيه بالفعل عن حقوق سيادة الدولة؟

هذه كلها أسئلة أولى نثيرها تعقيبا على هذه التطورات الخطيرة، والتي هي مقدمة تشير بتحول خطير في النظام الدولي يتمثل في توسيع إطار حق التدخل السياسي الذي تمارسه الدول الكبرى خارج نطاق الأمم المتحدة، بل والذي بدأت الأمم المتحدة ذاتها ممارسته، والذي يتمثل في القرار الخاص بسوريا ولبنان الذي أصدره مجلس الأمن مؤخراً.

نحن على مشارف نظام دولي جديد يقوم على تقنين التدخل المفروض، والدول العربية أبدت الخضوع الكامل، أما الشعوب العربية فهي غارقة -للأسف الشديد- في متاهات الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة!