الصراع ضد إسرائيل: واقع الاحصاءات ومزايدة الشعارات...

ماجد كيالي ...الحياة

غالباً ما ينبذ اصحاب الشعارات والايديولوجيات والمشاريع الصراعية الابدية تحليل المعطيات وتفحص الوقائع ودراسة الاحصائيات. فهي عمليات تتناقض مع توهماتهم وشطحاتهم الفكرية ووصايتهم الابوية، على التاريخ والهوية والأمة. والانكى ان هكذا عمليات، بالنسبة لهم، ربما تفتح الباب على تساؤلات وشكاليات يحرصون على النأي بأنفسهم عنها، للدفاع عن رتابة مصفوفاتهم التنظيرية، وللحفاظ على نقاوة صورتهم كمخلصين، وطهوريتهم كثوريين.

السمة الاساسية لهؤلاء انهم يحلون عالمهم المتخيل محل العالم الواقعي، ويضخمون ذواتهم للتعويض عن التآكل في موضوعاتهم، ويجعلون للغة ميدانا مفتوحا للصراع، بعد ان اغلقت او استعصت الميادين الأخرى، فهنا يمكن الانتصار بلغة الشعارات، مثلما يمكن، ايضاً، انكار الهزيمة او مقاومتها!

ابرز ما يستدل به، على ما قدمنا، يكمن في مجل الصراع العربي ــ الاسرائيلي. فلطالما جرى الحديث عن قومية المعركة، ونظر الى الصراع ضد المشروع الصهيوني باعتباره صراعا على الوجود. وطالما اعتبرت قضية فلسطين، بمثابة القضية المركزية للامة العربية. وقبل اربعة اعوام ذهب البعض الى حد اعتبار الانتفاضة بداية لمعركة لتحرير فلسطين، وبمثابة تمهيد لنهضة عربية جديدة، وثمة من اعتبرها انتفاضة ضد العولمة!

ولعل مشكلة هذه الأفكار والمقولات والشعارات، لا تتعلق بجماليتها ونبل مقاصدها، وانما تتعلق بشكل او بمدى تمثلاتها في الواقع المعاش وحتى الممكن.

معلوم ان الصراع ضد المشروع الصهيوني، كما تجسد في اسرائيل، استهلك اكثر من نصف قرن من عمر الناس في العالم العربي، ورصدت له مئات مليارات الدولارات، وذهب ضحيته مئات الالوف من العرب، من الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين والسوريين والاردنيين والعراقيين وغيرهم، شهداء وجرحى واسرى ومنكوبين. وهذا الصراع أعاق التطور السياسي والاقتصادي والثقافي في العالم العربي، بشكل مباشر وغير مباشر، كما انه ساهم في تسهيل مصادرة الحياة السياسية وتقييد الديموقراطية، وترسيخ السلطات القطرية.

في المقابل ثمة مفارقة تتبدى في ان اسرائيل ازدهرت وتطورت رغم صراعها مع العرب، وتفوقت عليهم في ميادين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم، رغم الميزات التي يتمتعون بها، من ناحية عددهم وثروتهم ونفطهم وروابطهم التاريخية، وانتمائهم الى قومية معينة، في حين ان الاسرائيليين، هم مجرد امة مصطنعة، تنتمي الى عشرات الامم والثقافات والهويات.

المفارقة الاخرى، انه وبدلا من ان يحفز الوجود الاسرائيلي العرب على التطوير، باتوا يجدون فيه مبرراً للحفاظ على تكلس اوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هكذا بدت احكام الطوارىء هي الأنسب للحفاظ على الاستقرار في مواجهة العدو الخارجي! وبات تقييد الديموقراطية مصلحة وطنية عليا، وتغييب المجتماعات بات ضرورة لاظهار قوة الحكومات! كما اصبح الحديث عن اطلاق الحريات واصلاح القوانين ومكافحة الفساد وبناء المؤسسات نوعا من الاستعارات او الخروقات الخارجية! اما على الصعيد العربي، فقد اصبح الامن القومي العربي يلخص باجتماعات وزراء الداخلية العرب، في حين ان التكامل الاقتصادي او مشاريع التعاون العلمي او توحيد تأشيرات الدخول، باتت حلما، يستعصي على المنال، بعد ان اصبحت كل دولة عربية امبراطورية قائمة بذاتها، لا يحق لأحد من جيرانها التدخل بشؤونها، في حين تستبيح الدول الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة، حرمات هذه الدول، جهارا نهارا!

واذا تجاوزنا المعطيات والتحليلات، التي ربما تشي بنوع من اللبس، فإن الاحصاءات قد تكون اكثر مباشرة وشفافية، لحقائق الصراع العربي ــ الاسرائيلي.

من قبيل المقارنة، فإن مجموع ما تكبده الاسرائيليون، منذ بداية المشروع الصهيوني، حتى اوائل ايار (مايو) الماضي، بلغ حوالي 21.540 قتيلا، وفقط فإن 20196، من بين القتلى الاسرائيليين، لقوا مصرعهم بعد قيام اسرائيل، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1947. (يديعوت احرونوت 12/4/4002). وهذا عدد ضئيل جدا، قياسا بالحروب والمعارك والصراعات التي واجهتها اسرائيل، مع العرب وضمنهم الفلسطينيون، وقياسا بخسائر العرب والفلسطينيين، البشرية والمادية والسياسية، اذ ان المعدل النسوي للقتلى من الاسرائيليين، بلغ حوالي 345 شخصاً، وهو عدد بامكان اية دولة او مجتمع، في حالة حرب، تحمله، وللعلم فإن اسرائيل تخسر في حوادث الطرق سنوياً ضعف هذا العدد!

وبحسب زئيف شيف، إذا استثنينا حرب 48 وحرب اكتوبر 1973 فإن الانتفاضة جبت من الاسرائيليين ثمنا كبيرا على صعيد الخسائر البشرية 1017 قتيل، اكثر من أي حرب خاضتها اسرائيل، اي اكثر مما كلفتها حرب 1967 803 قتلى، وحرب الاستنزاف 738 قتيلا في الحدود مع مصر وسورية والاردن. (هآرتس 42/8/4002)، واكثر مما كلفتها المقاومة اللبنانية، ابان احتلالها جنوبي لبنان، 18 عاماً، حيث لقي 058 جنديا اسرائيليا مصرعهم.

لكن هذه الاحصائيات تثير العديد من التساؤلات، من مثل: ابهذا الثمن يمكن لاسرائيل ان تتراجع امام العرب؟ وكيف ذهب عشرات الالوف من العرب، ضحايا الحروب مع اسرائيل؟ ثم ما هي حقيقة هذه الحروب؟ وما هي جدواها؟

ايضاً، ثمة احصائية تتحدث عن خسارة اسرائيل ازاء الفلسطينيين: فبحسب افي ديختر، رئيس جهاز الامن العام الاسرائيلي،اصيب جراء الارهاب من الاسرائيليين (قتلى وجرحى) في السنوات الاربع الاخيرة 11.356 شخصاً مقابل 4.319 شخصاً اصيبوا بين 1947 و 2000 (هآرتس 9/8/4002) ويستنتج من ذلك ان مواجهات اربعة اعوام كلفت اسرائيل اكثر، بمقدار ثلاثة اضعاف، مما كلفتها تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني، طوال الاعوام 1965 ــ 2000! مع علمنا ان ثمة عشرات الالوف من الفلسطينيين سقطوا شهداء في سبيل هذا الكفاح، ضد اسرائيل، وفي احداث ايلول (سبتمبر) في الاردن 1970، وابان الحرب الاهلية اللبنانية، وثمة اكثر من مئة الف جريح ومصاب، وحوالى 500 الف فلسطيني دخل السجون الاسرائيلية، لفترات متفاوتة، منذ احتلال الضفة والقطاع في 1967. والانكى ان ثمة اطنانا من البيانات، الصادرة عن مختلف المنظمات، حول العمليات التي تكبد فيها العدو الاسرائيلي خسائر فادحة بالارواح والمعدات!

ويمكن تبين حجم الخسائر الفادحة، اذا احتسبنا عينة من الخسائر البشرية الفلسطينية، في بعض المراحل. ففي الفترة 1936 ــ 1939، قدرت خسائر الفلسطينيين بحوالى سبعة آلاف شهيد وعشرين الف جريح وخمسين الف معتقل، بمجموع قدره 77 آلفا من سكان لا يتجاوز عددهم المليون. وفي الانتفاضة الاولى 1987 ــ 1993، استشهد 1600 من الفلسطينيين، واصيب 135 الفا بجروح، ودخل الى المعتقلات حوالى 112 الفا، لفترات متفاوتة، بمجموع يقارب ربع مليون. وفي اربعة اعوام من الانتفاضة، استشهد 3600 من الفلسطينيين، واصيب 42 الفا بجروح، واعتقل حوالى 28 الفا، وتم تخريب 66 الف منزل.

هكذا يتبين ان المعضلة لا تكمن في استعداد الشعب الفلسطيني للتضحية وتحمل المعاناة، وانما في معنى هذا الكفاح وطريقة ادارته، والقدرة على استثماره والمراكمة عليه، وايضاً في الثمن الباهظ جدا، الذي يجري دفعه من دون تحقيق اية انجازات ملموسة.

وعلى رغم معرفتنا بتعقيدات الصراع، وتفوق اسرائيل، لا سيما في المجالين العسكري والاقتصادي، والقوة المضافة التي تتمتع بها بنتيجة انتمائها للغرب وعلاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة، فإن كفاح الفلسطينيين كان يمكن له، ربما، ان يكون اكثر جدوى، لو أدار الفلسطينيون كفاحهم بنوع من العقلانية والواقعية، لكن ما يمكن تأكيده ان خسائر الفلسطينيين كان يمكن ان تكون اقل بكثير، في هذه الحال.

اللافت ان الفلسطينيين، في كفاحهم الطويل، لم يحظوا بهذه الميزة، حيث اتسم كفاحهم الذي انبنى على الامنيات والشعارات، على الاغلب، بنوع من التقديس للتضحيات والبطولات، بحد ذاتها، في صراع تحكمت به العواطف والغرائز والرموز والروح القبلية. وهذا ما يفسر ان الشعب الفلسطيني لم يُسأل طول تاريخ صراعه ضد المشروع الصهيوني، عن النجاحات او الانجازات.

طبعاً ليس المقصود هنا تحميل الفلسطينيين، وحدهم، مسؤولية الاخفاق في هذه المعركة الممتدة، فثمة قسط كبير من المسؤولية يقع على عاتق الظروف الموضوعية الدولية والاقليمية التي ساعدت اسرائيل على النشوء والاستقرار والتفوق اضافة الى تمتعها بضمانة الدول الكبرى بريطانيا ثم الولايات المتحدة لامنها وتفوقها العسكري والاقتصادي والعلمي على ذلك يتضح بأن الفلسطينيين، بعد كل التجارب التي مروا بها، لم يعودوا بحاجة للاثبات بانهم شعب شجاع ومضحي وصاحب كرامة، بقدر حاجتهم، ايضاً، الى الاثبات لانفسهم ولغيرهم، بانهم شعب قادر على تحويل بطولاته وتضحياته ومعاناته، الى انجازات سياسية، أي الى وقائع على الارض، سواء في مواجهة عدوهم او في اطار بناء المجتمع الفلسطيني. يستنتج من ذلك ان القيادات الفلسطينية معنية بترشيد كفاح شعبها وادارته بانجع واقوم ما يمكن، لوضعه على سكة تقلل من خسائره، وتزيد من خسائر عدوه، سكة تؤدي الى تحقيق الانجازات وتراكم النجاحات، في صراع يفترض انه طويل وممتد، في الزمان والاشكال. وهذا هو جوهر العمل القيادي والسياسي الذي يرتبط بموازين القوى والتفاعلات والمعطيات السياسية.

* كاتب فلسطيني.