الإنسحاب العسكري السوري..'المنطق التهويلي' و'المنطق التبسيطي...

 جهاد الزين...السفير

في مرحلة التحضير الدولي للانسحاب العسكري السوري النهائي من لبنان... المرحلة التي اعلن افتتاحها رسمياً القرار 1559... يتواجه منطقان، يمكن تسمية الأول بـ المنطق التهويلي وتسمية الثاني بـ المنطق التبسيطي .

المنطق التهويلي يلف أطرافاً واسعة من داخل التركيبة السياسية اللبنانية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظام السوري في لبنان. دعاة هذا المنطق دأبوا على اخبار اللبنانيين ان الانسحاب العسكري السوري النهائي من لبنان يعني بلا ريب بنظرهم انهياراً امنياً في لبنان او بكلام اصرح لدى بعضهم: العودة الى الحرب الاهلية.والمثير ان هذا المنطق يرتكز على معطيات، كأنما أبقيت على حالها لخدمة فكرة استحالة الانسحاب وهي متعددة متفاوتة يعرفها الجميع: البنية الطائفية التعبوية  اي المستنفرة دائماً للقوى الرئيسية الممسكة بالنظام السياسي. المخيمات الفلسطينية الشهيرة بـ الجزر الأمنية وصولاً الى او انطلاقاً من الوضعية الخاصة لـ حزب الله في الضاحية وجنوب لبنان بعد الانسحاب الاسرائيلي.

قوة هذا المنطق التهويلي انه جزء لا يتجزأ من الصيغة السياسية التي نشأت بعد 1990. فلبنان حُكم بعد هذا التاريخ حتى هذا اليوم تحت شعار: نحن او الانهيار. وهو بالتالي منطق عضوي في التكوين السياسي القائم، مرتبط بالتركيبة النافذة نفسها.

اما المنطق التبسيطي فيلف أطرافاً ذات وزن في المعارضة الحالية. ويقوم على خطاب ان اللبنانيين قادرون على تدبير أمورهم بأنفسهم والمطلوب فقط (فقط) ان يخرج الجيش السوري.

النقاش مع هذا المنطق لكي لا يكون في موقع المنطق المضاد اي التهويلي يستلزم اولاً الدعوة الى التسليم بأنه لا بد من الخروج العسكري للجيش السوري من لبنان. وبالتالي فإن هذه النقطة ليست موضع خلاف (ولا مناورة سجالية). وان النقاش يبدأ مما بعدها لا مما قبلها. وبهذا يكون الكلام على مشاكل التركيبة الداخلية اللبنانية هادفاً الى التفكير فيها ليس للحؤول دون الانسحاب العسكري السوري وانما باعتباره معطى متجاوزاً على مستوى القناعات.على ضوء ذلك... يمكن ان نبدأ :

لا تستطيع التبسيطية مهما حملت من النوايا الوفاقية الحسنة (وانا هنا اتحدث عن التبسيطيين حسني النية لا سيئيها) ان تكون مقنعة حين تعتبر ان لا مشكلة بين اللبنانيين . فالسنوات الطويلة وحتى رغم باطنيات الخطاب السياسي المتبادلة كشفت لنا عدداً من المعضلات العميقة التي على المرحلة الجديدة ان تواجهها بعدما أصبحت مسألة خروج الجيش السوري على المستوى الدولي مسألة وقت لا اكثر... حتى لو طال هذا الوقت بتدرجه.

اول المشكلات ولا اضع ترتيباً الزامياً بالضرورة للاهميات هو غلبة قوى القطع لا قوى الوصل في الحياة السياسية اللبنانية. هنا القطع بمعنى تبلور مصالح فئوية تجعل الفكرة الوفاقية لدى هذه القوى مختلفة اذا لم تكن متناقضة مع آلية الدولة . بهذا المعنى والمسألة هنا تتعلق بالتوصيف لا بالاحكام القيمية الكيان هو المهم لا الدولة. اي ما يحفظ علاقات الطائفيات ببعضها البعض في مرحلة الوئام هي الاولوية وليس ما يثبت الدولة كبنية قائمة بذاتها.

هذه معضلة عميقة... في النظام الطائفي اللبناني الذي هو الآن متبلور طائفياً كما لم يكن في اي وقت سابق منذ انشاء الكيان الدولة. صحيح ان الامر ليس جديداً، لكن الفارق الآن هو ما إذا كان وجود قوة داخلية او تحالف قوى داخلية قادرة او قادرا على الإمساك بالوضع اللبناني...

لا شك ان المجتمع الدولي بمعنى القوى الدولية النافذة من المفترض ان تكون مسؤولة عن وضع لبنان تحت نوع من الاشراف بعد الخروج العسكري السوري، لفترة تعيد فيها تأهيل المركز الداخلي لادارة شؤونه. خصوصاً ان هناك جيلاً بكامله من السياسيين لم تعد لديه خبرة ادارة الدولة بدون مرجعية خارجية.ليست المهمة سهلة. الا انه بدون شك في ظل سياق ايجابي للانسحاب العسكري السوري، اي في ظل انسحاب سوري بالتوافق مع المجتمع الدولي اي مع قواه الاساسية، فإن قابلية لبنان على التكيف السلمي الثابت مع فراغ ما بعد الانسحاب ستكون اقوى.

لا ينفع التبسيطيين انكار المعضلة... بكل اشكالها بعد سنوات التراكم البنيوي التي تتجاوز مجرد المستوى الامني (كأوضاع المخيمات). وقد يكون توصيف الفراغ الذي نقدمه هنا غير صحيح وارجو ذلك إلا أن التفكير (وربما كلمة التفكر افضل) في مرحلة ما بعد الانسحاب من الآن على مستوى النخبة الثقافية الفكرية السياسية اللبنانية، عدا عن كونه واجباً، يستطيع ان يساهم في ايجاد او انضاج الكثير من الحلول . التفكير بكل حرية طالما ان الهدف ليس منع تغيير الوضع القائم الذي بدأ تغييره اصلاً على المستوى الدولي وانما المساعدة على تعزيز هذا المسار التغييري بعيداً عن المنطق التهويلي .

من هي القوى الداخلية اذن المؤتمنة من جهة والقادرة من جهة اخرى؟...

هذا السؤال بل اسئلة الاولوية الاولى لمرحلة ما بعد الانسحاب العسكري السوري:

اولوية التماسك الوطني التي هي الامتحان الرئيسي في امكان خروجنا من ابتزاز معادلة عدم قدرة اللبنانيين على حكم انفسهم بأنفسهم .

هناك الكثير من شواهد الرصد على مدى الثلاثين عاما الاخيرة من التقاتل الاهلي ثم السلم الاهلي لكيفية تعايش عناصر القطع و الوصل معاً في البنية الطائفية الواحدة. وكتب اكثر من عالم اجتماع لبناني (اخص بالذكر محاولة قديمة لفردريك معتوق) كيف ان ظروفاً خارجية وداخلية في مرحلة يمكن ان تعزز غلبة آليات التفتت فيما ظروف اخرى يمكن ان تعزز غلبة آليات التوحيد.

نملك... بالتقاليد المدينية (الخاضعة نفسها لجدل الوصل والقطع) الدوافع العميقة الثقافية الاقتصادية الاجتماعية... التربوية للتواصل الذي تستطيع ظروف دولية ان تعززها، حتى في الوضع الراهن الذي تتجذر فيه بشكل مخيف احياناً ثقافة القطع.الا ان من المهم ان نبتعد عن التبسيطية خصوصاً امام الاولويات الثلاث للتماسك الوطني والديموقراطية والاصلاح التي تجعل حملها معاً مهمة ذهنية شديدة التعقيد في الوضع اللبناني... فكيف بتحقيقها؟...

وكيف عندما أجد نفسي ككثيرين اكتب هذه التأملات في يوم مشهود من الصراع الكهربائي الذي يغيب فيه الفارق بين المافيا الاقتصادية و المافيا السياسية... المافيات التي تملأ حياتنا العامة وتجعل احياناً السؤال عبثياً عما اذا كان ممكناً الاختيار بين غير سياديين فاسدين وسياديين فاسدين؟

وهو سؤال في عالم اليوم المعولم... اقرب الى حق سياسي منه الى مجرد سؤال انتقائي...

جهاد الزين