معنى النصر والهزيمة في تقييمات إسرائيلية...

 ماجد كيالي

 

 

أثار دخول الانتفاضة عامها الخامس، بعد أربعة أعوام من الصراع الدامي والمدمر بين الإسرائيليين والفلسطينيين، التساؤلات حول مغزى هذه المواجهات وتأثيراتها ومآلاتها، على هذين الطرفين. ولعل التساؤل الأبرز الذي تم تداوله، بهذه المناسبة، إنما يتعلق بتحديد الطرف المنتصر أو المنهزم في هذه المواجهة.

 

في الواقع توجد ثمة صعوبة كبيرة في تحديد معنى النصر والهزيمة في صراع ممتد ومعقّد، كالصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبشكل أدق فثمة ما يؤكد استحالة الوصول إلى مثل هذه النتيجة المطلقة، في إطار المعطيات الراهنة. مثلا،

 

إذا أخذنا المعطى المتعلق بالوضع الأمني والخسائر البشرية، فبرغم خسائر الفلسطينيين الكبيرة والفادحة (حوالي 75 ألف شهيد وجريح ومعتقل)، إلا أنهم استطاعوا أن يكبّدوا إسرائيل خسائر فادحة، بلغت 1017 قتيلا، وهو يفوق عدد الإسرائيليين الذين لقوا مصرعهم في حروب إسرائيل السابقة: 1956 و 1967 وحرب الاستنزاف (1968-1969).

 

واجتياح لبنان (1982)؛ كما أنه يزيد على الخسائر البشرية التي تكبدتها إسرائيل في الانتفاضة الأولى، وجرّاء عمليات المقاومة اللبنانية (1982-2000)، بل وخلال مسيرة الكفاح المسلح الفلسطيني كلها، خلال الأعوام 1965-2000؛ وذلك رغم ظروف الحصار والأوضاع الصعبة التي يتعرضون لها، ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي عليهم.

 

من الناحية السياسية، أيضا، لاشك أن إسرائيل استطاعت أن تضعف الكيان الفلسطيني، وأن تحاصر القيادة الفلسطينية، وأن تتملص من استحقاقات عملية التسوية، ولكنها، رغم كل ما فعلته، لم تستطع فرض املاءاتها السياسية على الفلسطينيين، ولا انتزاع الشرعية للمستوطنات أو للجدار الفاصل، وحتى مجلس الأمن في قراره رقم 1397 (2002) .

 

اعترف للفلسطينيين، وللمرة الأولى بتاريخه، بحقهم في إقامة دولة لهم. وفوق ذلك فقد استطاع الفلسطينيون بمعاناتهم وتضحياتهم إظهار إسرائيل على حقيقتها، كدولة استيطانية ـ استعمارية ـ عنصرية، تمارس القوة والقهر لفرض سيطرتها على شعب أخر، ما أدى إلى تآكل مكانتها وصورتها على الصعيد الدولي، على صعيد الحكومات والرأي العام.

 

بالمقابل فإن إخفاق إسرائيل في فرض أجندتها السياسية والأمنية على الفلسطينيين، لا يعني أنها هزمت، وأن الفلسطينيين نجحوا في الانتصار عليها. فقد استطاعت إسرائيل أن تمعن قتلا وتدميرا بالشعب الفلسطيني، وأعاقت حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته (بحسب تفاهمات التسوية كان من المفترض أن تعلن في مايو 1999). كما استطاعت أن تشوه شرعية مقاومته، بوصمها بالإرهاب، وأن تعزل قيادته، وتحاصرها.

 

خلاصة الأمر أنه في هكذا صراع، متداخل ومعقد وعميق، لا يوجد رابحون بالمعنى الخالص أو المطلق للكلمة، ولكن ثمة خاسرين بالتأكيد. فالفلسطينيون، في ظل موازين القوى والمعطيات السائدة عربيا ودوليا، لا يستطيعون أن يفرضوا أجندتهم على إسرائيل، فمهما فعلوا تبقى قدراتهم محدودة بازاء الإمكانيات وردات الفعل الإسرائيلية. ومن جهتها فإن إسرائيل، التي تستطيع أن تقتل وتدمر، بفضل جبروتها العسكري، عاجزة عن فرض املاءاتها على الفلسطينيين، الذين اثبتوا قدرة مذهلة على الصمود والتحمل، رغم معاناتهم وضعف إمكانياتهم.

 

وهكذا فإن النتيجة الواضحة، اليوم، تتلخص في أن الطرفين المتصارعين هما أبعد ما يكونا عن النصر، بمعناه الناجز أو الخالص، وهما كذلك بالنسبة لمعنى الهزيمة، أيضا؛ ما يعني أنه ثمة خسارة متحققة، بشكل أو بأخر، للطرفين المعنيين، بغض النظر عن تأثيراتها على كل منهما.

 

ومن متابعة تقييمات المحللين الإسرائيليين، لأربعة أعوام من الانتفاضة، يمكن ملاحظة مدى التردد والالتباس، في تعيين مفاهيم الانتصار والهزيمة، برغم كل ما تدعيه إسرائيل من نجاحها في وضع حد لانتفاضة الفلسطينيين.

 

مثلا يقول روني شيكد: «مرت أربع سنوات منذ اندلعت انتفاضة الأقصى. أربع سنوات من الإرهاب، الخوف، الدم والدموع. أربع سنوات من العمليات، نار الصواريخ، الاعتقالات والتصفيات. آلاف الأشخاص قتلوا. آلاف جُرحوا. سور أُقيم بيننا وبينهم. أربع سنوات، ولا نرى النهاية».(يديعوت أحرونوت 28/9) من جهته فإن زئيف شيف لا يرى أمامه إلا مجرد إنجازات تكتيكية تحققها إسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين.

 

ولكن من دون أن تحقق نصرا استراتيجيا عليهم. وهو يرى أن «إسرائيل تلقت في المجال السياسي هزيمة شديدة. المفاوضات توقفت، ولا احد يعرف إلى أين تقود المواجهة. وعليه، فإن هتافات النصر مضللة..المواجهة العسكرية هزت أيضا المجتمع الإسرائيلي..لا يوجد ما يبرر الاحتفالات..الحرب في ذروتها.

 

توجد إنجازات وتوجد إخفاقات، وتوجد أيضا مفاجآت..الفشل الفلسطيني لا يجد تعبيره تلقائيا في نصر إسرائيلي على الإرهاب، بل قبل كل شيء في أن الفلسطينيين، بقيادتهم الحالية، لم يحققوا حتى الآن ايّاً من أهدافهم الكبرى..هذا فشل عمق الاحتلال الإسرائيلي والسيطرة على شعب آخر وزاد سفك الدماء في الطرفين» والنتيجة برأيه أنه «ليس مجديا توزيع الدعوات للاحتفال بالنصر الحاسم على الإرهاب».

 

(هآرتس 1/10)أما تحديد عناصر الإخفاق الإسرائيلية، فهي تتجلى في الجانب السياسي، ولذلك فإن بن كاسبيت ينتقد الأداء السياسي للحكومة الإسرائيلية في مواجهة الانتفاضة، بقوله: «أربع سنوات من الحرب، لم نعرف مثيلاً لها..نحن لم نتعلم بناء الجدار في الوقت المناسب، ولم نعرف تحديد أهداف سياسية، وإجراء مفاوضات وإعطاء الأمل للطرف الثاني. الآن يتجادلون من المنتصر.

 

«كيف انتصرنا ولماذا خسرنا الحرب؟».. انتصرنا لأننا لم نهرب. وقفنا في هذا الجحيم بشجاعة. سكتنا، وقاتلنا. انتصرنا لأننا نجحنا بالخروج من الصدمة، أعدنا تنظيم الوضع، والعودة إلى الحياة الطبيعية النسبية، إلى المقاهي، والمراكز التجارية، نستمع بخوف إلى كل نشرة أخبار، ننتظر ظهور ملحق إخباري بشكل مفاجئ..

 

وخسرنا أيضاً، لأنه لا يوجد لنا ضوء في آخر النفق، لأننا قريبون من حرب أهلية، ولأن حوافزهم لقتلنا لم تتراجع، ولأنهم الآن يرسلون لنا أولاد، نساء، وصواريخ قسام، والى الآن لا يوجد مخرج. خسرنا لأننا لم نترجم قوتنا إلى اتفاق سياسي، لأنهم لم يعطوهم سبباً لتصديقنا، («معاريف» 29/9) ويفسر سيفر بلوتسكر هذا التخبط، أو اللا معنى، لكلمة انتصار.

 

في الصراع الدائر ضد الفلسطينيين، بالتالي: «في الحرب ضد الإرهاب لا يوجد «يوم انتصار» واحد.. مخطيء من يدعي إن من الممكن دحر الإرهاب بالوسائل العسكرية فقط مهما بلغت تقدما ورقيا». (يديعوت أحرونوت 12/8) وكان اليكس فيشمان وصل إلى هذه النتيجة، في وقت مبكر.

 

بقوله: «إذا لم تعرف القيادة السياسية كيف تستخدم على نحو سليم الإنجازات التي يعطيها الجيش والمخابرات الإسرائيليين، إذا لم تعرف كيف تحول الإنجاز التكتيكي إلى إنجاز استراتيجي ـ سياسي، إلى تسوية مع الفلسطينيين، فان كل هذه الفرحة في التآكل في قدرة الإرهاب هي آنية.

 

فهذه الإنجازات ببساطة ستشطب..ضابط كبير لاحظ مؤخرا بمرارة فقال: «تمكنا من تصفية كل خلايا الإرهاب ولم تبق إلا مع خلية واحدة فيها 5,3 ملايين فلسطيني!. إذا لم تتمكن القيادة السياسية من عمل شيء بالإنجاز العسكري، فان من شأن هذا القول ان يحقق نفسه».

 

(يديعوت أحرونوت 9/1)هكذا، وكما قدمنا، فثمة صعوبة في تحديد الهزيمة والانتصار في هذا الصراع الضاري والمفتوح، على الدم والدمار، وعلى معنى الوجود والهوية والتاريخ، بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

 

وفي مثل هذه المعادلة الصراعية فإن إسرائيل هي التي تتحمل المسؤولية عن هذا التدهور الحاصل، فهي الطرف الذي يحتل أرض الفلسطينيين ويغتصب حقوقهم، وهي الطرف التي يمتلك أوراق القوة والتفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي والعلاقات الدولية، وهي الطرف الذي يدعى الانتماء لمنظومة عالم الحداثة والديمقراطية.

 

والحقيقة فإن إسرائيل تسخّر كل هذه الامتيازات لتعزيز احتلالها، وللتملص من عملية التسوية، والإمعان في استفراد الفلسطينيين والبطش بهم. وتفسير ذلك يكمن في طبيعة إسرائيل كدولة يهودية استيطانية وعنصرية، تحارب الفلسطينيين بدعاوى قبلية ودينية، تنتمي إلى عهود الحروب الوجودية والإستئصالية وشريعة الغاب.

 

وعلى الأرجح فإن دوامة القتل والتدمير هذه، يمكن أن تستمر طالما أن إسرائيل ترفض الخروج من دائرة الحل العسكري إلى دائرة الحل السياسي وطالما لم تتوفر المعطيات الدولية والإقليمية التي تجبرها على ذلك.

 

ـ كاتب فلسطيني