أين نقف بالضبط....

فهمي هويدي...السفير

منذ وعينا على الصراع العربي الإسرائيلي الذي كتب على الفلسطينيين أن يخوضوه نيابة عنا، لم يخطر لأحد منا أن يسأل أين يقف العرب، باعتبار أن جانب الاصطفاف هنا من البديهيات التي لا تحتاج إلى سؤال. لكن بعدما أصبحت بديهيات كثيرة بحاجة إلى إثبات وبعدما لاحت في أفق <<الصراع>> بوادر عدة مقلقة ومحيرة، فقد وجدت أن الحاجة باتت ملحة لطرح لسؤال: أين حقاً يقف العرب؟
لم أصدق عينيّ في ذلك الصباح (28/9) حين قرأت تصريحاً أدلى به أحد وزراء الخارجية الخليجيين في نيويورك قال فيه إن لقاءاته مع وزير الخارجية الإسرائيلي <<أمر طبيعي>>. وقعت على الكلام في عنوان الخبر وظننت لأول وهلة أن ثمة خطأ مطبعياً، فسارعت إلى قراءة التفصيلات الواردة تحته، لكني وجدت أن مضمونها مطابق للعنوان. أعدت القراءة حتى أتثبت من انطباعي، فتأكد لدي أن العبارة صحيحة. لم تبارحني الدهشة، فاحتفظت بالقصاصة وانتظرت أربعة أيام، ممنياً نفسي بقراءة تكذيب للتصريح أو حتى تخفيف أو تصويب لصياغته، ولكنني كنت أشعر بالخيبة في كل يوم!
ظللت غير مصدق لبعض الوقت وأنا أتمتم: منذ متى في دنيا العرب كانت مصافحة وزير خارجية إسرائيل واللقاء معه أمراً عادياً وطبيعياً. وتذكرت خطبة الشيخ يوسف القرضاوي التي ألقاها في صلاة الجمعة ذات يوم في أعقاب مصافحة تمت بين شمعون بيريز ووزير خارجية خليجي، وقال فيها إن اليد التي صافحت بيريز يجب أن تغتسل سبع مرات إحداهن بالتراب! (باعتبار أن مثل هذه المصافحة من قبيل النجاسة السياسية).
وأنا أفتش في صحف اليوم التالي 29/9 وقعت على خبر آخر هيج مشاعري. فقد بث تليفزيون <<بي. بي. سي>> مشهد مصافحة وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، لرئيس زيمبابوي روبرت موغابي، أثناء حفل استقبال أقيم في الأمم المتحدة على شرف رئيس جنوب أفريقيا. ولأن الحكومة البريطانية لديها تحفظاتها على سياسة الرئيس موغابي الداخلية، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي إلى حظر دخول أعضاء حكومته إلى دول الاتحاد، فإن واقعة المصافحة أحدثت لغطاً واحتجاجاً داخل بريطانيا. وإزاء ذلك اضطر جاك سترو لأن يشرح لمواطنيه ملابسات المصافحة، قائلاً إنه لم يتوقع وجود الرئيس موغابي في الحفل، ولكن الذي حدث أنه كان يقف في مكان معتم تماماً، ووجد نفسه يصافح شخصاً ما من قبيل الكياسة، ثم اتضح أن هذا الشخص هو الرئيس موغابي!
لم أستطع أن أمنع نفسي من المقارنة بين المشهدين. إذ في حين يفصل بين العرب وبين إسرائيل بحر من الدم مليء بجثث الفلسطينيين الذين يذبحون وتهدم بيوتهم كل يوم، فإن المسؤول الخليجي الذي لا علاقة مباشرة لبلده بالصراع، اعتبر مصافحته لوزير الخارجية الإسرائيلي ولقاءاته معه شيئاً <<عادياً>>. في المقابل فإن ما بين بريطانيا وزيمبابوي مجرد خلاف سياسي حول مصالح ملاك الأراضي من البيض فضلاً عن بعض الانتقادات لسجل الرئيس موغابي في مجال حقوق الإنسان والفساد السياسي، ومع ذلك فإن وزير خارجية بريطانيا اعتبر المصافحة شيئاً غير عادي، واضطر لتبريرها بعنصر المفاجأة، والعتمة التي لم تمكنه من التعرف على حقيقة الشخص الذي صادفه.
أشعرتني المقارنة بخليط من الإحباط والحزن، تضاعف حين تتبعت شواهد أخرى في أفق العلاقات العربية الإسرائيلية.
وعلى الرغم من أن الحاصل في العراق لا يفاجئنا، إلا أن ما يتسرب منه وعنه يصدمنا بين الحين والآخر. لا يفاجئنا لأن الطبقة السياسية العراقية التي جاءت على الدبابات والطائرات الأميركية، مرت بالبوابة الإسرائيلية بمجرد عبورها البوابة الأميركية. وهو ما ينطبق على جميع السياسيين والمثقفين العرب الذين التحقوا بالمركبة الأميركية و<<ذابوا>> في سياستها. وهم الذين أصبح يطلق عليهم في مصر وصف <<المارينز>> العرب.
إخواننا هؤلاء حين تسلموا مقاليد الأمور في بغداد كانوا قد رتبوا أمورهم سلفاً مع الإسرائيليين، ولم يعد ينقص <<الفيلم>> سوى الإخراج فقط. مثلا، نشرت <<الواشنطن بوست>> بعد أسابيع قليلة من سقوط النظام البعثي أن أحمد جلبي زعيم حزب المؤتمر الوطني على علاقة مع الإسرائيليين منذ العام 1992، وأنه زار تل أبيب مرات عدة تحت اسم مستعار، والتقى هناك إلى جانب المسؤولين الحكوميين ممثلين عن اليهود العراقيين. ولكن حين زار إسرائيل أحد قياديي حزبه (مثال الألوسي مدير هيئة اجتثاث البعث) في الشهر الماضي، فإن ذلك اعتبر إرباكاً لعملية الإخراج وإحراجاً لقيادته، ولذلك فإن الحزب علق عضويته وطرده من منصبه. وهو يبرر زيارته لإسرائيل قال ان المصلحة <<الوطنية>> تقتضي فتح حوار معها، باعتبار أنها دولة استراتيجية على الحدود العربية للعراق، مثلها مثل إيران وتركيا، ثم انها حليفة أميركا التي هي حليفة للعراق. لم يشر صاحبنا إلى فلسطين بكلمة (وهو الأمر الذي لم يعد أحد من قادة العراق الجديد يأتي عليه بذلك).
قال الرجل ما هو أخطر، حيث ذكر أنه لم يكن أول من زار إسرائيل، لكنه فعلها علناً بينما الآخرون فعلوها سراً. ثم حث الحكومة العراقية أن توضح طبيعة علاقاتها مع إسرائيل. وشدد على أن اياد علاوي زار الدولة العبرية بصحبة وفد عراقي (لم يذكر متى) والتقى وزير الخارجية هناك، مضيفاً أن ذلك يعني <<أن العلاقات بين الجانبين لا تشوبها شائبة>> ( الحياة 928).
لكن كل ما سبق في كفة، وما يتردد عن التعاون الأمني الإسرائيلي مع بعض الأنظمة العربية في كفة أخرى. لفت نظري إلى هذا البعد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة <<حماس>>، حين سمعت منه أثناء زيارته الأخيرة للقاهرة أن تعاون بعض الدول العربية مع الموساد الإسرائيلي أصبح أوثق مما يتصور كثيرون. لمست الحركة ذلك حين لاحظت أن الشبان الذين يخضعون للتحقيق من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية في الداخل، تنقل أقوالهم إلى بعض العواصم العربية بسرعة، لكي يتم التثبت منها، حين يمر أولئك الفلسطينيون بتلك العواصم، الأمر الذي يوحي بأن محضر التحقيق يفتح في تل أبيب ثم يستكمل في عواصم أخرى بالمنطقة.
في 24/9 نشرت صحيفة >>الحياة>> خبراً على صدر صفحتها الأولى ذكر أن إسرائيل تسلمت ملفاً عربياً عن قيادة >>حماس>> في الخارج، وأن رئيس الموساد طلب ذلك الملف من إحدى العواصم العربية في أعقاب العملية الاستشهادية التي وقعت في بئر سبع وقتل فيها 16 إسرائيلياً، وإن الاستجابة العربية تمت بسرعة (خلال ثلاثة أيام) حيث تم تزويد الموساد بالملف الذي تضمن، حسب النص المنشور، معلومات مفصلة عن قيادات <<حماس>> <<تحركاتهم وأماكن إقامتهم وصفاتهم الشخصية والمسلكية، إضافة إلى معلومات تتعلق بطعامهم وشرابهم، وغسيل ملابسهم وكيها وطبيعة كل منهم ودوره>>. أضاف التقرير المنشور أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الذي فشل في اختراق حركة <<حماس>>، أراد أن يكون صورة واقعية عن قيادات الحركة، تمهيداً للقيام بعمليات اغتيال وتصفية لتلك القيادات، بهدف إضعاف وشل الحركة التي أصبحت تسبب وجعاً حقيقياً لإسرائيل.
كان للخبر وقع الصاعقة علي. وظللت غير قادر على استيعاب مضمونه. وتبين أن ذلك لم يكن شعوري وحدي، لأن صحيفة >>الوفد>> القاهرية أبرزته على صفحتها الأولى في اليوم التالي، واعتبرته خبراً مدسوساً استهدف إحداث وقيعة بين <<حماس>> والدول العربية. أراحني التعامل مع الخبر على ذلك النحو وأعاد إلي بعض السكينة، فقلت: أولاد الأبالسة لا يكفون عن تعكير حياتنا بدسائسهم كل يوم.
لم يكتب لذلك الارتياح أن يستمر، لأن صحيفة <<معاريف>> نشرت بعد ذلك بأيام قليلة (في 28/9) الخبر ذاته منسوباً إلى صحيفة <<الحياة>> تحت العنوان التالي: دولة عربية تساعد إسرائيل ضد <<حماس>>. ولم تكتف بإعادة نشر مضمونه، وإنما أضافت إليه معلومات مذهلة نسبتها إلى مصدر استخباري غربي، خلاصتها أن هذه الخطوة جزء من سيناريو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. وبمقتضى السيناريو فإن سوريا يفترض أن تقطع علاقاتها بمنظمات المقاومة الفلسطينية وتوقف دعمها للمقاومة العراقية، ثم تنخرط في مسيرة التطبيع مع إسرائيل، وتبدأ معها مباحثات لحل مشكلة احتلال الجولان. ومن شأن هذا التحول أن يخرج قيادات منظمات المقاومة من سوريا بحيث لا يصبح لهم ملاذ سوى طهران. وإذ يفترض في هذه الحالة أن سوريا ستفك ارتباطها بإيران، فإن هذه الأخيرة سوف تعزل في المنطقة، الأمر الذي سيؤدي إلى إضعاف موقفها في العراق.
ويفترض لذلك السيناريو أن ينتهي بتهدئة الأوضاع وإضعاف المقاومة العراقية. الأمر الذي يراد له أن يتم قبل التصويت على انتخابات الرئاسة الأميركية، لكي يصب <<الإنجاز>> في هذه الحالة لصالح الرئيس بوش وفرصته في الفوز. وإذا سألت ما هو المكسب الذي يجنيه الطرف العربي من وراء القيام بهذا الدور، فإن الرد حسب تقرير <<معاريف>> هو أن وراء العملية صفقة تعزز المكانة في واشنطن، وتؤمن المستقبل على الجانب الآخر.
ظللت عند شكي في ما يصدر عن أولاد <<الأبالسة>>، وتمسكت برفضي لتصديق الكلام، فدفعت بالتقرير إلى أحد مراجعنا في المهنة وفي السياسة وقلت: هل هذا معقول؟ فجاءني صوته مشحوناً بالحسرة والمرارة وهو يقول: الأمر أفدح مما تتصور!
أصابني الرد بالغم والاكتئاب!
ما زلت عند تصوري البسيط في انه حين يخوض الفلسطينيون صراع الأمة ضد مشروع الهيمنة الإسرائيلية والأميركية بالتالي، وحين يصبح أمننا القومي في خطر إذا ما حدث الانكسار الفلسطيني في ذلك الصراع، فإن الموقف العربي ينبغي أن يظل محسوماً وبلا تردد إلى جانب مصالح الأمة العليا ومن ثم إلى جانب الصف الفلسطيني. وقد تعلمنا أن للانحياز المفترض في هذه الحالة درجات، أدناها وأضعفها شأناً هو ما تعبر عنه القاعدة الأصولية التي تقول: انك إذا لم تكن قادراً على إحقاق الحق. فلا تكن عوناً للباطل. وإذا كان ذلك واجباً في الأمور العادية التي تتعدد فيها الخيارات، فإنه يصبح أوجب حين يتعلق الأمر بالمصير والوجود.
هل من بصير يبدد حيرة المرء وهو يرى كل ذلك ويسمعه ويجيب على السؤال: أين يقف العرب الآن، وهل يسيرون في طريق السلامة أم في طريق الندامة؟
وأنا أنتظر الإجابة، ترن في أذني كلمات ابن الأثير وقد استهول اجتياح التتار لديار الإسلام منذ ثمانية قرون، إذ بعد أن سجل الكارثة قال: يا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً.
(
) كاتب مصري

السفير