الإصلاح تبيئة المفاهيم: "العلمانية" نموذجاً...

محمد عابد الجابري...الحياة

الفكر العربي الحديث والمعاصر": بأي معنى هو حديث ومعاصر؟ لا نظن أن أحدا يمكن أن يجادل بجد في الجواب التالي: هو "حديث ومعاصر" فقط لأنه يستعمل في خطابه مفاهيم الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر. وبالتالي فهو "حديث ومعاصر" على مستوى الخطاب فقط، ذلك لأن مضمون المفاهيم التي يستعملها، أعني الواقع الاجتماعي السياسي الاقتصادي الثقافي الذي تعبر عنه هذه المفاهيم، لا يرتبط في الغالب بما يجعله يشير أو يعكس أو يعبر، لا فرق، عن الواقع العربي، لا الحاضر منه ولا الماضي، وإنما يعبر في أحسن الأحوال عن "الواقع المثال"، الواقع الذي يتطلع مستعملو تلك المفاهيم من العرب إلى أن يتجسد في المستقبل.
وإذا نحن أردنا أن نقدم دليلا يرفع الشك عن هذا الذي نصف به الفكر العربي الحديث والمعاصر فما علينا إلا فحص تلك المفاهيم التي تمنحه صفة "الحديث والمعاصر" فحصا لغويا، نقصد التساؤل بشأنها: هل هي من الموروث اللغوي العربي أم أنها من الوافد المنقول أو المترجم؟ ذلك أن غياب أسماء لأشياء معينة أو لمعانٍ أو تصورات خاصة، في لغة ما، دليل على غيابها في المجال الحضاري الثقافي الخاص بأهل تلك اللغة.
واللافت للنظر فعلا هو أن جميع المفاهيم التي يستعملها الفكر العربي الحديث والمعاصر، مثلها في ذلك مثل أسماء جل الأدوات الحديثة من أدوات منزلية إلى أجزاء الطائرة إلى أسماء دقائق أجزاء جسم الإنسان التي ما زلنا ننطق باسمها "الأعجمي"، لا تجد ما يؤسسها في اللغة العربية على صعيد اللغة، دع عنك صعيد المضمون! وبما أن موضوعنا هنا هو "الإصلاح" في الفكر العربي الحديث والمعاصر فسنقتصر على المفاهيم المرتبطة بهذا المجال، والتي تجد مرجعيتها في ما عرضنا له في المقالات السابقة من تاريخ النهضة والإصلاح في أوربا القرن الثاني عشر والسادس عشر.

من ذلك مثلا ما يعبِّر عنه الخطاب العربي المعاصر بـ"العلمانية". فهذا لفظ ليس فيه من اللغة العربية إلا الصياغة، أعني القالب المسمى بـ"المصدر الصناعي"، مثل "الحرية" و"الإنسانية" و"الأرضية" الخ. أما على مستوى الاشتقاق فـمخترعو هذا اللفظ، الذي يجري مجرى الاصطلاح، يلحون على أنه ليس مشتقا من العِلم (بكسر العين)، وإنما من "العَلْم" (بفتح العين وسكون اللام)، وهو عندهم مرادف للفظ "العالَم" وبذلك تكون "العَلمانية" نسبة إلى العالم. و"العالم" الذي يقصدون هو "الدنيا". وهذا تكلف مضاعف: فـ "العَلم" (بفتح العين وسكون اللام) نادر الاستعمال في اللغة، وغير شائع في المعاجم المعتمدة، فكيف يمكن تعريف مفهوم بربطه بلفظ نادر الاستعمال هو في حكم المجهول. هذا من جهة ومن جهة أخرى فحتى إذا سلمنا بكون "العلم" (بفتح العين وسكون اللام) لفظ مرادف لـ "العالم" فلا شيء هنا يخصص معناه بـ "عالم الدنيا" دون غيره من العوالم، كعالم الملائكة وعالم الروح و"عالم الجن" الخ، إلى غير ذلك من "العوالم" التي يتردد ذكرها في اللغة العربية. وفضلا عن ذلك فلفظ "العلمانية"، حتى إذا قصرنا معناه على "العالم الدنيوي"، لا يفيد شيئا محددا في المجال التداولي العربي. وكل ما في الأمر هو أننا إزاء تحايل لغوي لتحميل هذا اللفظ معنى لا مرجعية له في اللغة العربية، هو المعنى الذي تفيده كلمة لائكية
Laïcité باللغة الفرنسية (أما في اللغات الأوروبية الأخرى فالسائد هو الكلمة الإنجليزية secularization ولا يتطابق معناه بالكامل مع مضمون اللائكية بالفرنسية، كما سنرى بعد).

واللائكية -كصياغة عربية- مشتقة من لفظ أجنبي لاتيني هو "
laicus" وهو بدوره مأخوذ من اللفظ اليوناني "laos" ومعناه "الشعب". غير أن استعماله اللاتيني قد تخصص في قسم من "الشعب" وبالتالي لا يدل على الشعب بإطلاق، وإنما يدل على "الشعب" بالمعنى الوطيء للكلمة، وذلك في مقابل "الكاهن" clerc، وهو رجل المعرفة "العالِم" (من اللفظ اليوناني clêros بمعنى الحظ، الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي.

وقد ظهر هذا الاستعمال أول مرة في أوروبا في نهاية القرن الأول الميلادي ثم شاع في القرون الوسطى عندما أضفت الكنيسة على نفسها صبغة القداسة. فالأفراد الذين يطلق عليهم لفظ لائكي "
laic" كانوا يعتبرون مسيحيين بالتمام والكمال أي أنهم أعضاء كاملي العضوية في "شعب الله"، يؤمنون بالمسيح وهم أتباع خُلَّص له. وكل ما في الأمر أنهم ليسوا أعضاء في التنظيم الكهنوتي الذي تتشكل منه الإمبراطورية البابوية. وإذن فاللائكية في الأصل لا تعني اللادينية وإنما تعني عدم الانتظام في سلك الكهنوت الكنسي. وإذا قلنا إن رجال الكنيسة -وقد كانوا أكثرية في القرون الوسطى- هم "الخاصة" فإن اللائكيين كانوا هم "العامة". وهذا صحيح بمعنيين: بمعنى أنهم ليسوا من رجال العلم (الديني) من جهة، وأنهم من جهة أخرى ليسوا من رجال السلطة (الدينية) بل هم موضوع لكل سلطة، الدينية منها والسياسية، هم محكومون أجساما وأرواحا.

ولابد من الإشارة هنا إلى حقيقة أنه ليس كل رجل دين كان يعتبر "كاهنا"
clerc، فقد كان هناك رجال دين ضمن صنف اللائكيين، ولكنهم لم يكونوا منتظمين في سلك الكهنوت الكنسي. فكل من لم يكن ينتمي إلى نظام الكنيسة وموظفا في "دولتها" كان يحسب ضمن فئة اللائكيين حتى ولو كان متدينا تدين الراهب. لم يكن معيار التصنيف هو التدين أو عدم التدين بل كان المعيار هو الانتظام في سلك موظفي الكنيسة أو البقاء خارجه.

ونظرا لما عرفته القرون الوسطى الأوربية من صراعات بين الكنيسة وجماعة "الإنسانيين" –وكانوا محسوبين لائكيين مع أنه كان فيهم علماء في الدين والعلم والفلسفة- ثم بين الكنيسة والأمراء الإقطاعيين، ثم بين الكنيسة والدولة (الإمبراطورية الرومانية)، ثم بين الكنيسة ورجال الإصلاح الديني بزعامة "لوثر" و"كالفن" وآخرين، فقد تطورت الأمور إلى ظهور نوع من الفصل الحاد بين ما هو روحي (ديني) و بين ما هو "زمني" (دنيوي). وكان الهدف من ذلك سحب السلطة الزمنية سلطة الدولة من الكنيسة. وبعبارة أخرى استقلال الشأن الدنيوي عن الشأن الكنسي.

في هذا الإطار وباستحضار هذه المعطيات يمكن أن ندرك مضمون مفهوم "اللائكية" ومضامين مفاهيم أخرى لها صلة بها مثل
sécularisation (والفعل منه séculariser بمعنى إعادة الكهان إلى الحياة المدنية، أي إلى الحياة خارج نظام الكنيسة، وأيضا بمعنى "تحرير" ممتلكات الكنيسة وجعلها جزءا من الشأن الدنيوي). ومن هذا المعنى تتفرع مفاهيم أخرى مثل مفهوم La cité séculière "المدينة الدنيوية" في مقابل "المدينة الروحية" مدينة الكنيسة، ومفهوم la société religieuse "المجتمع الديني"، ومعنى sécularisation de la société (إضفاء الطابع الدنيوي على المجتمع)، وsécularisation des religions (إضفاء الطابع الدنيوي على الديانات: وذلك بإلغاء وظيفة الكنيسة والرجوع إلى ما كان عليه الحال قبل قيامها حينما كان الدين المسيحي شأنا فرديا وكانت العلاقة بين الله والإنسان علاقة مباشرة بدون توسط الكنيسة)، ومفهوم " religion civile " (الدين المدني عند روسو وغيره)، وأخيرا وليس آخرا مفهوم "la société civile" : المجتمع المدني، الذي وضع أول الأمر كمقابل للمجتمع الديني أي الكنسي.

أما مفهوم "اللائكية"
Laïcité (ونحن نستعمل لفظ اللائكية لأن لفظ "العلمانية" لا أصل له ولا فصل في هذا المجال)، فهو يتسم كما سبقت الإشارة إلى ذلك بخصوصية التجربة الفرنسية ذات الكنيسة الكاثوليكية؛ ومعناه القاموسي في هذا السياق هو: "النظام الذي يبعد الكنيسة من ممارسة السلطة السياسية أو الإدارية وبالخصوص إبعادها من تنظيم التعليم". أما التنصيص هنا على "إبعاد الكنيسة من تنظيم التعليم" فيعود بنا إلى ظروف النهضة في فرنسا ما بين القرن الثاني عشر والسادس عشر، حينما أخذ أساتذة الجامعات في باريس وغيرها -وكانت كلها تحت إشراف الكنيسة وميدانا تابعا لها- في النضال من أجل استقلال الجامعات عن السلطة الدينية وهو النضال الذي بدأ مع حركة "الإنسانيين" التي تحدثنا عنها في مقال سابق. ومن هنا ارتباط مفهوم اللائكية بفرنسا بفصل التعليم عن الكنيسة وبالتالي تحريره من التبعية لدين معين، وجعله مستقلا عن تأثير أي دين. هذا مع ترك الحرية للكنيسة لتنشئ مدارس دينية خاصة بها...

وأما مفهوم "السيكولارية" الذي نضعه في مقابل
sécularisation لتعذر وضع مقابل عربي له، فهو أكثر تعبيرا عن العلاقة بين الشأن الديني والشأن الدنيوي في التجربة الألمانية والإنجلوسكسونية (إنجلترا وأميركا) حيث سادت البروتستانتية. ومع أنه معناه لا يختلف اختلافا جوهريا عن معنى اللائكية، فهو أكثر مرونة منه. وهكذا فإذا كان المفهوم "الفرنسي" (اللائكية) ينص -كما رأينا- على إقصاء أية سلطة للكنيسة سواء في المجال السياسي والاجتماعي أو في المجال التعليمي، فإن مقابله الألماني/ الإنجلوسكسوني ("السيكولارية") يعني ابتداء ضعف الروح الدينية في مجتمع من المجتمعات. وهكذا "فعندما تتراجع مكانة الاهتمامات الدينية لدى معتنقي دين معين في مجتمع ما فحينئذ يقال عن هذا الدين إنه أصبح موضوعا لعملية "السيكولارية" بالمعنى العام للكلمة"، الشيء الذي يعنى استقلال الشأن الدنيوي بنفسه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإلى جانب هذا التحول الاجتماعي الذي يتم على حساب الدين تدل كلمة "السيكولارية" هناك تحول اجتماعي يتم في مجال الدين نفسه ويتمثل "في تراجع سلطة الدين بسبب عدم التوافق بينه وبين روح حضارة مبنية على التكنولوجيا"، مما أدى إلى قيام صراع بين الكنيسة والعلم الحديث وقد كان من جملة مظاهره الأولى إخضاع العالم الإيطالي الشهير جليلو (1564-1642) لمحاكم التفتيش التي حكمت عليه بالتراجع عن قوله بدوران الأرض. ولن يمر وقت طويل حتى يمتد الصراع بين الكنيسة والفكر الحديث إلى مجال الأخلاق حين ظهرت دعوات إلى "تحرير الأخلاق من وصاية الدين". ثم ما لبث الأمر أن تطور إلى الدعوة إلى تحرير "المجتمع السيكولاري التكنولوجي من الوصاية الدينية في جميع وظائفه"، الشيء الذي يعني نزع طابع القداسة عن أشياء الطبيعة وبالتالي نزع الطابع السحري عن العالم وعن الدين نفسه (مما يلزم عنه عدم الإيمان بالكرامات والمعجزات الخ)، وهذا يعني عند بعضهم "عقلنة المعرفة والفعل".

وهكذا يتبين أن نقل مفاهيم مثل التي ذكرنا من تجربة حضارية تقوم خصوصيتها على اعتناق نظام ديني معين، كالنظام الكنسي، إلى تجربة حضارية أخرى تقوم خصوصيتها على نظام ديني لا يعترف أصلا بالكنيسة، أمر يستلزم تبيئتها في المجال الحضاري المشار إليه. وعملية التبيئة، تبيئة المفاهيم عموما، تتطلب القيام بخطوتين: الأولى التعرف عن قرب على تاريخ المفهوم الذي يراد نقله، تاريخه كما تعطيه المرجعية التي ينتمي إليها، أما الخطوة الثانية فهي النظر في كيفية إعادة استنبات ذلك المفهوم في المرجعية التي يراد نقله إليها.