الذئب الاطرش لا يسمع عزف سوريا ..

علي جمالو...الشرق الاوسط

ينسب
للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أنه سرد حكاية طريفة معبرة للإجابة عن سؤال طرحه الرئيس النمساوي الأسبق، كورت فالدهايم، عندما جاء إلى دمشق في زيارة خاصة بعدما خرج من الرئاسة النمساوية إثر حملة عنيفة أدارتها إسرائيل في عقر داره حيث اتهمته بالنازية ومعاداة السامية.
فالدهايم سأل الأسد باستغراب: كيف تستطيعون التعامل مع وضع شديد التعقيد، في الشمال تركيا تقطع المياه وتهدد باعتداء عسكري، وفي الشرق العراق والرئيس صدام حسين الذي يسلح ويدعم كل من يعادي سورية، وفي الجنوب الأردن ولستم على وفاق، وفي الجنوب الغربي إسرائيل وهي عدو، وفي الغرب لبنان ومشاكله المعقدة، والبحر وعلى سطحه قطع الأسطول الأميركي السادس. أنتم يا سيادة الرئيس في وضع صعب.
ابتسم الأسد وسرد لضيفه المميز الحكاية التالية: اعتاد عازف كمان يسكن جوار غابة كثيفة أن يمارس رياضة المشي مساء كل يوم في أحد دروب الغابة، وذات مرة خرج له ذئب متوحش، عازف الكمان بالطبع كائن يميل إلى السلام ومنصرف كلياً للإبداع والفن ولا علاقة له بالبارودة والمسدس ولا السكين أيضاً، ولا يملك سوى كمانه وعقله، والآن وقد أدرك الخطر الذي أمامه قرر العزف على الكمان في لحظة درامية مفعمة بالأمل لتتحقق المعجزة ويذهب في طريقه من غير مشاكل !
الذئب الذي بدأ يسمع أصواتا غير مألوفة جلس على ركبتيه وأصغى، وهكذا استمر العازف في عزفه وهو يفكر في المخرج.. وما من مخرج!.
بعد لحظات جاء زميل للذئب وجلس إلى جانبه وبعد قليل جاء ذئب ثالث ورابع.. وفي كل مرة كانت المسألة تتكرر والذئاب تجلس للإصغاء !
وبدا للحظات أن العازف سيطر على الوضع لكنه في داخله ظل يخاف من أن يأتي ذئب لا يسمع.. ذئب أطرش !
لا نعرف بالضبط ماذا علق فالدهايم وقتها، خصوصاً أنه يعرف المنطقة ومشاكلها وممراتها الوعرة ودروبها الموحشة، فالرجل ذو باع طويل في البيت الزجاجي فقد كان أميناً عاماً للأمم المتحدة !!
تستحق هذه الحكاية التأمل من جديد ليس لطرافتها بل لأن عنصراً جديداً برز في الأفق وهو أن الذئب الأطرش قد جاء فعلاً وعلى العازف أن يتدبر أمره !
في الحادية عشرة من صباح يوم الأحد 25 سبتمبر (ايلول) 2004، أقدمت إسرائيل على تفجير سيارة المبعد الفلسطيني عز الدين الشيخ خليل في حي الزاهرة جنوب العاصمة السورية دمشق، لتعلن بدء مرحلة غير مسبوقة في الإرهاب المنظم ساحته هذه المرة سورية التي ظلت لوقت طويل بمنأى عن هذه (الرسائل) الدموية.
كانت إسرائيل تضرب وتقتل وتغتال داخل الأراضي المحتلة وفي لبنان علانية ومع سبق الإصرار والترصد، قتلت الشيخ أحمد ياسين وهو مقعد لا يسمع، واغتالت عبد العزيز الرنتيسي، وذبحت أبوعلي مصطفى، وغيرهم كثر من القادة الفلسطينيين، وعشرات الآلاف من المدنيين العزل، وما تزال تهدد وتقتل وتطرد من تريد بغير حساب ومن دون أن ينفعل الأعضاء الكبار في مجلس الأمن ويهرعوا لاستصدار قرار أو توصية أو رجاء بوقف هذه الفظاعات البشعة.
والآن، تفتح ساحة أخرى لمسلسل الموت فتضرب داخل عاصمة عربية آمنة وتهدد بتكرار الضرب والقتل حيثما أرادت.
ومن المثير للشفقة أن تصمت دول لها باع طويل في الدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته وتنأى بنفسها عن التعليق والإدانة ويسكت قادتها الذين يبشرون المساكين سكان الشرق الأوسط بالديمقراطية والعدالة.
وتذهب إسرائيل أبعد من ذلك فتهدد بقتل أو طرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي يأكله المرض والحصار في مكتبه العامر بآثار القصف الإسرائيلي.
ولا تجد المنظمة الدولية غضاضة في تجاهل ذلك لانشغالها بالانتفاض ضد نواب لبنان وقد شوهوا دستورهم وقرروا التمديد لرئيس جمهوريتهم! لأسباب سورية. ولذلك لا بد من معاقبة هذه الدولة «المارقة» بسلسلة إجراءات متلاحقة ساحاتها إلى مجلس الأمن والكونغرس والبنتاغون الأميركيين، وغرف صناعة الموت الإسرائيلية.
في الكونغرس الأميركي تتوالى القرارات لمحاسبة سورية ودعم التمرد على نظامها. وفي البنتاغون يستمر المخططون الاستراتيجيون جداً في البحث عن انتصارات زائفة بين جثث القتلى الأميركيين والعراقيين لصرفها في الانتخابات الرئاسية التي يصح فيها القول إنها تحضر بخلطة وحشية من الدم والموت والنفط والأوهام، ولذلك يكتشف هؤلاء أن الفشل الأميركي في العراق سببه الدولة العظمى سورية التي تحرك قوافل المقاومين وتمدهم بالمال والسلاح وتحمي فلول النظام السابق وتحتضن الزرقاوي والصفراوي! وتسرق كحل العين، والآن عليها أن تظهر إيجابية حيثما تريد واشنطن، إرسال الجنود إلى الحدود العراقية لحماية المحتل، الانسحاب من لبنان، إصلاح النظام، طرد الفلسطينيين، تغيير شارات المرور عند مدخل بوابة الصالحية، عدم ارتداء «الدشداشات» البيضاء عند الذهاب إلى صلاة الجمعة.. والقائمة تطول !
في مجلس الأمن يتحرك الفرنسيون والأميركيون لإصدار قرار هو الأسرع في التاريخ لحماية الدستور اللبناني من أهله الذين لا يعرفون مصالحهم.
وفي إسرائيل يقرر اريئيل شارون الرد على الدعوة السورية إلى استئناف المفاوضات من أجل السلام في المنطقة بإرسال عبوات الموت والخوف والبشاعة إلى قلب العاصمة دمشق وإرسال وزير خارجية إسرائيل شالوم لاستغلال منبر الشرعية الدولية للإشادة بالقرار رقم 1559 وخداع الأسرة الدولية بكاملها من خلال الظهور بالمدافع عن قرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية وهذا باطل من رأسه إلى أساسه لأن إسرائيل رفضت تنفيذ أكثر من أربعين قراراً صدر عن مجلس الأمن وأكثر من 600 قرار صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ولم تتردد في كل مرة برفض كل قرار علانية بل ورفض استقبال لجان الأمم المتحدة وازدرائها واحتقارها وتحريك آلة الحرب في كل اتجاه من غير حساب أو رقيب أو رادع.
الصورة بائسة ولا شك، إسرائيل تقتل وتدمر وتهدد.. ومجلس الأمن والمنظمة الدولية في سباق مع الزمن لمساعدة الولايات المتحدة على حصار سورية وتشويه صورتها والإساءة إلى شعبها قبل نظامها في حفلة رياء ممدد لها !
إلى أين من هنا.. ؟
يبدو السؤال سطحياً إلى حد كبير، لأن الحالة في شكلها الراهن هي أسوأ من أي تطور لاحق ويمكن للمراقب أن يجتهد فيقول : طالما الأمر وصل إلى هذا الحد فليتجاوز هذا الحد..
ولن تجدي الدعوات إلى التعقل والحوار نفعاً لأن الذئب.. أطرش.. لا يسمع.

* كاتب سوري