الاصـلاح الســيـاسي... السطحي ...

السيد يسن...النهار

اذا كان الأمن العالمي هو أمن الولايات المتحدة كما قررت ادارة الرئيس جورج بوش في وثيقة الأمن القومي الاميركي الشهيرة، فما هي العلاقة بين هذا الأمن والاصلاح السياسي في الشرق الأوسط؟

يثير هذا السؤال مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي أطلقتها الولايات المتحدة، ثم ما لبثت ان طرحتها في اجتماع الدول الثماني الكبرى لتحصل على تصديقها عليها. وبغض النظر عن اعتراض بعض الدول العربية على بعض ما جاء في الوثيقة، ورفعه حجج أهمية مراعاة الخصوصية الثقافية وضرورة عدم الاندفاع وتطبيق منهج التدرج، فان الدول الثماني أقرت الوثيقة بعد ادخال البعد الاوروبي فيها، بالاضافة الى تحديد آليات خاصة للتنفيذ، بل وإعطاء مسؤوليات محددة لكل دولة لمتابعة خطة الاصلاح.

والحقيقة ان الولايات المتحدة قد صاغت نظرية متكاملة بعد احداث الحادي عشر من أيلول، حاولت فيها ان تفسر أسباب وقوع الحوادث الارهابية، وأهم من ذلك لماذا ينبع الارهاب على وجه الخصوص في البلاد العربية والاسلامية. وذلك على أساس ان الارهابيين الذين قاموا بأحداث الحادي عشر من أيلول كانوا كلهم عرباً ومسلمين.

والنظرية بسيطة في تكوينها الى درجة السذاجة أحياناً، نظراً الى اختزالها حقائق بالغة التعقيد في معادلات تبسيطية قامت على أساسها النظرية الاميركية في الاصلاح السياسي. فالارهاب في نظر هذه النظرية هو نتاج الفكر المتطرف السائد في البلاد العربية والاسلامية، وهذا الفكر بدوره لم يكن لينمو ويسود المناخ الثقافي في هذه البلاد، لولا انسداد آفاق التعبير السياسي الطليق امام الملايين من شباب هذه المجتمعات. وتقييد مشاركتهم السياسية أدى الى ظاهرة الاغتراب الاجتماعي السائدة، والتي تعني بالتحديد إحساس هؤلاء الشباب بعدم السيطرة على مصيرهم وعدم التحكم في مستقبلهم، مما أدى بهم في النهاية للانضمام الى الجماعات الارهابية، التي قامت أولاً بالانقلاب على نظم دولهم السياسية قبل ان ينتقلوا الى الارهاب العالمي، نتيجة سياسات اميركية مجحفة بالعرب والمسلمين وخصوصاً في فلسطين، بالاضافة الى احتلالهم الاراضي المقدسة في السعودية، وتواجدهم العسكري المكثف في منطقة الخليج.

ومن هنا تخلص النظرية الاميركية الى ان الحل الأمثل هو فتح القنوات السياسية المسدودة في البلاد العربية والاسلامية، التي تسودها نظم تسلطية استبدادية ان لم يكن من خلال حض النظم السياسية العربية على التغيير الطوعي، فبالضغط السياسي والاقتصادي والثقافي.

مصالح أميركية وتصورات سياسية

ولا تخفي المصادر الاستراتيجية الاميركية حقيقة ان الولايات المتحدة لها مصالح محددة تتمثل في تحقيق عدد من الأهداف.

وأول هدف معلن هو محاربة الارهاب. وليس هذا مستغرباً بحال لان الاستراتيجيا الاميركية بعد أحداث الحادي عشر من ايلول، تقوم على أساس الحرب ضد الارهاب، والتي جعلت منها الولايات المتحدة غطاء يخفي أهدافها الحقيقية التي تتمثل في ضمان الامداد المستمر للنفط، وتأكيد هيمنتها المطلقة على شؤون الكون بحكم انها الامبراطورية الكونية بلا منازع، والتي تطمح الى ان تحكم العالم الى أبد الآبدين ! - أكثر من ذلك لديها استراتيجيا معلنة لاجهاض محاولة اي قوة دولية كالصين مثلاً لمنافستها، حتى باستخدام القوة العسكرية لتبقى هي القطب الاوحد.

وان كانت الجماعات الارهابية تعتمد أساساً على البلاد العربية والاسلامية في مجال تجنيد الكوادر والتمويل معاً، فلا بد اذن من التركيز على هذه البلاد لتجفيف منابع التطرف، واستئصال شأفة الارهاب.

ومن ثم يقع على عاتق الولايات المتحدة واجب مساعدة شركائها من الحكومات العربية والاسلامية لمحاربة الارهاب، وعلى المستوى الشعبي ضمان ألا تتوجه فئات من سكانها لتنضم الى الجماعات الارهابية.

والهدف الثاني المعلن في قائمة المصالح الاميركية هو ضمان عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الاوسط. ويؤكد هذا ان الغزو الاميركي العسكري للعراق تم تحت شعار القضاء على التهديد العراقي للامن الاميركي والعالمي، على أساس امتلاك العراق أسلحة التدمير الشامل، وان كانت الاحداث لم تثبت هذه الحجة الكاذبة. غير ان هذا الهدف الثاني هو الذي يفسر السياسات العدوانية الاميركية ضد ايران بحكم سيرها في التطوير الذري، وذلك بتحريض مباشر من اسرائيل، التي وضعت خططاً عسكرية لضرب المفاعلات الذرية الايرانية، ان وصلت المسألة الى مرحلة الخطر الذي يهدد أمن اسرائيل.

والهدف الثالث المعلن للمصالح الاميركية هو ضمان تدفق النفط واستقرار أسعاره في الوقت نفسه.

والهدف الرابع هو ضمان أمن الانظمة السياسية العربية والاسلامية الصديقة. والصداقة هنا تعنى بكل بساطة التزام هذه الانظمة بتنفيذ التوصيات، وتحقيق أهداف الأمن القومي كما تحدده الولايات المتحدة.

اما الهدف الكبير فهو ضمان أمن اسرائيل. والولايات المتحدة ترى في اسرائيل الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة الموالية تماماً للغرب، في سياق منطقة الشرق الاوسط الحافلة بالاضطرابات. وهي ترى ان لاسرائيل دوراً محورياً في محاربة الارهاب ومواجهة التهديدات العسكرية لمنطقة الشرق الاوسط في الوقت نفسه. وترى المصادر الاستراتيجية الاميركية ان نسبة كبيرة من الشعب الاميركي تؤيد اسرائيل، ومن هنا التزام الادارات الاميركية المتعاقبة بالامن الاسرائيلي، والذي يترجم عملياً بالانحياز الفاضح لدولة اسرائيل وتأييد كل سياساتها القمعية ضد الشعب الفلسطيني حتى ما كان منها يمثل ارهاباً للدولة، أو جرائم ضد الانسانية. وهي تستخدم حقها في الفيتو لمنع صدور اي قرار من مجلس الأمن ضدها.

أم الهدف المعلن الاخير فهو تدعيم الديموقراطية واحترام حقوق الانسان في العالم العربي والاسلامي.

صور الاصلاح السياسي

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو ما سر اهتمام الولايات المتحدة بتحقيق الاصلاح السياسي في البلاد العربية والاسلامية؟

والاجابة لأن ذلك يحقق مصالحها القومية كما أشرنا من قبل بالإضافة الى عامل معياري آخر، هو ان الديموقراطية واحترام حقوق الانسان، في ما ترى المصادر الاميركية، هي قيم أميركية أصيلة ينبغي نشرها في كل أرجاء العالم.

وهناك من وجهة النظر الاميركية عوامل متعددة تدعو للاسراع بتحقيق الاصلاح السياسي. ولعل من أهمها ان البلاد العربية تواجه عدداً من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، والتي قد تلهب مشاعر السخط الشعبي ضد الحكومات، مما قد يؤدي الى حالة من حالات عدم الاستقرار السياسي.

ويحاول بعض المصادر الاستراتيجية الاميركية تحديد صور الاصلاح السياسي التي ينبغي الاخذ بها. وأولها هو تأسيس مجالس منتخبة على كل المستويات. وهذه المجالس تساعد على تنمية الديموقراطية لأسباب شتى، أولها انها تزيد من مساحات التعبير عن المطالب السياسية، وترفع من نوعية المناقشات الخاصة بالسياسة العامة، من خلال تشجيع الحوار السياسي. وهكذا تتاح منافذ للمواطنين، يعبرون من خلالها عن احباطاتهم أو رضاهم عن السياسات العامة.

ومن ناحية ثانية، فهذه المجالس تحقق سن التشريعات التي تحقق المطالب السياسية وتقر الموازنة. وهذه المجالس توفر ثالثاً الشرعية للقرارات الحكومية، مما يساعد على دعمها العام لها ويسهل تنفيذها. ومن ناحية رابعة فهذه المجالس تقوم بمهمة محاسبة الاجهزة التنفيذية. وهي أخيراً منبر لحل الصراعات بشكل سلمي بين الاتجاهات السياسية المختلفة. والمشكلة كما تقول المصادر الاميركية ان هناك بالفعل في العالم العربي انماطاً متعددة من المجالس المنتخبة ولكن تعوق عملها قيود وحدود سياسية وواقعية، مما يحد من فاعليتها.

وهناك في ما ترى المصادر  الاميركية وسيلة أخرى لتحقيق الاصلاح السياسي، هي تشجيع صورة مجالس الشورى التي تسمح بالتعبير عن مصالح الناس، وان كان دورها في التطبيق يبدو محدود التأثير في السياسات العامة.

وترى النظرية الاميركية في الاصلاح السياسي ان تشجيع قيام الاحزاب السياسية بغير قيود او حدود يعتبر حجر الزاوية في تنمية الديموقراطية. وان الاحزاب السياسية العربية تعاني من مشكلات متعددة أهمها ضعف هيكليتها الداخلية، وافتقارها الى الموارد المالية، بالاضافة بالطبع الى القـــــيود التي تضـــــعها الدول العربية على قيامها وأدائها وظائفها السياسية.

ولذلك يلفت النظر في مبادرة الشرق الاوسط الكبير، ان الولايات المتحدة تريد اقامة خطوط اتصال مباشرة مع الاحزاب السياسية العربية لمساعدتها من خلال صور التعاون الفني المتعددة على اعادة هيكلة نفسها، والمساعدة المالية المباشرة لتدعيم مواردها.

ولا شك في ان هذه التوجهات الاميركية تثير احتجاجات حكومية عربية لاسباب مفهومة، وتبرز شكوكاً مبررة لدى فئات واسعة من المثقفين العرب عن الاختراق الاميركي المتعمد لصميم المجتمع السياسي العربي، وفرض التبعية عليه، بل وإلحاقه بكل بساطة من خلال الدعم المالي والتعاون الفني بوزارة الخارجية الاميركية، ليكون مجرد أداة من أدواتها !

والاعتراضات نفسها تنطبق على السياسة الاميركية في دعم منظمات المجتمع المدني العربي سياسياً ومالياً. وقد خصصت الولايات المتحدة موازنة ضخمة لمنحها للمجتمعات غير الحكومية العربية لتحقيق أغراضها وتنفيذ السياسة الاميركية، بالطبع، من خلالها. وهي سياسة تواجهها اعتراضات شديدة من جانب المثقفين العرب الملتزمين الذين لا يرون في هذه السياسة سوى رشوة منظمة، وإفساد متعمد للنخب الثقافية العربية.

وتركز الولايات المتحدة في اصلاحها السياسي المعلن على حرية الصحافة وكذلك على سيادة القانون.

وأياً ما كان الامر فان الاصلاح السياسي على الطريقة الاميركية وان كانت قيمه المعلنة لا خلاف بشأنها، إنما المشكلة تكمن في سطحية الطرح الاميركي لمشكلات التطور الديموقراطي في العالم العربي، بالاضافة الى النية الاميركية المعلنة في إخضاع هذا العالم بدوله المتعددة، ليصبح أشبه ما يكون بمستعمرة أميركية.

(القاهرة)

باحث مصري

السيد يسين