قراءة في السياسة السورية...

 أنس العبدة ....القدس العربي

 



النظام السوري في ورطة، بيد أن المشكلة الأساسية تكمن في ذلك المأزق الحقيقي الذي تعيشه سورية الآن، فقائمة المطالب الأمريكية ليست جديدة، ولكنها متجددة من حيث الأسلوب، والزخم، والوضع الاقليمي الذي يزداد تعقيدا. وفي المقابل يسعي النظام السوري الي تسويق هذه القائمة من المطالب علي أنها انجازات لمواقف مبدئية، وفي ذات الوقت وبطريقة غير مباشرة يعطي انطباعاً بأن صفقة ما مع الولايات المتحدة قيد التنفيذ.
ان النخبة الحاكمة في سورية عاشت وما زالت تعيش علي حالة فريدة من نوعها من اجترار الشعارات. حالة الاجترار هذه مكنت النخبة من الاستمرار، ولكنها أصابت الوطن والمواطن معاً بأنيميا حادة ومزمنة، ولا أدل علي هذا من مجاميع المتحدثين والمعلقين الرسميين الذين يعطون انطباعاً راسخاً بأن النظام مازال يفكر بعقلية ربع قرن خلت من الزمن ولا يدرك أن الوقت قد حان لاعطاء الأولوية للوطن والمواطن.
لقد شهد العالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي انهيار أنظمة متعددة ولكن الأوطان بقيت ثابتة، ولعل ما حدث في جورجيا مؤخرا أكبر مثال علي ذلك، حتي رومانيا التي كانت محكومة من قبل دكتاتورية عتيدة استطاعت أن تتخلص منها، وتعيد بناء قوامها الوطني بثقة ودعم من محيطها الاقليمي. أما في الحالة السورية فقد تمدد النظام علي حساب الوطن حتي أصبح الوطن جزءاً منه بدل أن يكون هو جزءاً من هذا الوطن، واستمر هذا التمدد ليشمل لبنان أيضاً، يظهر ذلك بوضوح من خلال حالتين برزتا في الأسابيع الأخيرة تستأهلان النظر والتحليل، وان كانت جذورهما قديمة:
الحالة الأولي : حيرت الكثير من المراقبين وهم يرون ذلك الاصرار الشديد علي التمديد للرئاسة اللبنانية، علي ما كان واضحا من شراسة المعارضة لهذه الخطوة داخل لبنان وخارجه، هذه الشراسة ـ التي توجت بقرار دولي ـ جمعت لأول مرة منذ حرب العراق بين لاعبين دوليين أساسيين ومتنافسين بشدة علي النفوذ وخاصة في لبنان: فرنسا والولايات المتحدة. وفي حين أكد القادة اللبنانيون الذين أيدوا التمديد أن السبب يكمن في كلمة السر التي سمعوها من القيادة السورية، لم يجدوا لزاماً عليهم أن يشرحوا لمواطنيهم حقيقة كلمة السرهذه مكتفين بتغليف مقالاتهم بكلمات فضفاضة وشعارات براقة في محاكاة واضحة لأساليب معلميهم في دمشق. وهكذا بدلاً من أن تستفيد سورية من الفرصة التاريخية التي أعطيت لها من خلال النفوذ شبه المطلق في لبنان وذلك من خلال الافادة من الجوانب الايجابية في الحياة اللبنانية وخاصة البرلمانية السياسية والثقافية منها، وتمكين لبنان في المقابل من الاستفادة من جوانب ايجابية كثيرة في سورية، استطاع النظام بطريقة منظمة ومدروسة وممنهجة أن ينقل سلبياته الي لبنان الواحدة تلو الأخري، حتي بات الشعب اللبناني وقادته السياسيون والفكريون يشعرون بأنهم علي هامش اتخاذ القرار في بلدهم، وبدأو يشعرون حقاً أن كرامتهم الوطنية في خطر، حالهم في ذلك تماماً كحال اخوانهم من الشعب السوري. لذا فليس غريباً أن يقول وليد جنبلاط في احدي مقابلاته مؤخراً :
في النهاية أفضل أن أكون زبالاً في نيويورك علي أن أكون زعيماً في لبنان ، وهذا أيضاً مادفع الصحافي اللبناني علي حمادة الي القول : ان في لبنان شعبا لايري من سورية سوي صورة الأمن والمخابرات والعسكر والأوامر التي يجب أن تنفذ من دون اعتراض . هذه حقيقة، ولكن الحقيقة الأخري هي أن سورية لاتري من سورية " الا هذه الصورة أيضاً، وهكذا يتداخل النظام والوطن حتي يصبحا ـ وبالاكراه ـ شيئاً واحداً.
الحالة الثانية : تتمثل في الطلبات المتتالية التي يقدمها النظام السوري لاستئناف المفاوضات الثنائية مع اسرائيل حتي أنها تحولت الي اسطوانة مشروخة يسمعها كل سياسي ودبلوماسي أمريكي يحط رحاله في دمشق، وبخاصة مارتن انديك السفير الأمريكي السابق لدي اسرائيل والذي سمع كلاماً مشجعاً للغاية نقله علي الفور لصديقه تيري لارسن والذي أسرع بابلاغ القيادة الاسرائيلية بما سمع. ولكن للمرة الأولي ترفض اسرائيل عرضاً واضحاً ودون شروط لتفاوض ثنائي من قبل دولة عربية مع أنها ـ أي اسرائيل ـ كانت دوماً تسعي الي ذلك، خاصة اذا ماكان هذا العرض مقدماً من سورية التي كانت مفصلا أساسياً في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي ووقفت علي الدوام ضد كل محاولات التطبيع والتنازل والتفاوض المنفرد.لقد بني النظام السوري أساس شرعيته كنخبة قومية علي لعب دور محوري وقيادي في ادارة دفة الصراع مع اسرائيل، واستخدم النظام هذا المفهوم السياسي في اعتبار كل ماعداه من المتطلبات الوطنية تفاصيل لا ترقي للمصلحة القومية العليا. واستمر النظام في استغلال الشعور الشعبي تجاه الصراع في تثبيت أقدامه ولجم كل قوي المجتمع الحي ناهيك عن المعارضة السياسية، لذا كان من الصعوبة بمكان علي النظام أن يقر بحجم تنازلاته المتكررة والتي لم يحصل مقابها علي شيء سوي عدد من الوعود والضمانات التي كان ممكناً لاسرائيل اعادة تفسيرها فيما بعد. ولم يجد النظام بداً من ممارسة ازدواجية مركبة في التعامل مع هذا الملف، فمن جهة مازال يقدم نفسه للداخل السوري علي أساس شعارات الصمود والتصدي، ومن جهة أخري يقدم التنازل تلو التنازل في محاولة علي الأقل للحفاظ علي حالة اللا حرب واللا سلم والتي يستفيد منها النظام في بسط سيطرته علي مقدرات القطر السوري كافة. ولا ننسي أن العرض الأخير الذي قدمه النظام السوري جاء علي خلفية معركة التمديد للرئاسة اللبنانية وما واكبها من تداعيات، والقرار الدولي 1559 وما يحمله من استحقاقات. وكان سبب هذا الرفض الاسرائيلي للعرض كما وضحه أحد الكتاب في صحيفة معاريف هو: سورية ضعيفة، جيشها قديم، اقتصادها يعرج، مجلس الأمن يلاحقها، معزولة عربياً ودولياً . ليس غريباً اذن أن ترفض اسرائيل وهي تدرك حجم الضعف الذي يعانيه النظام، فلا حاجة للتفاوض مع طرف لايملك الحد الأدني من الشروط المؤهلة للوصول الي طاولة المفاوضات. وهكذا نجد أنه لم يطرأ تحول جذري علي طريقة تعامل النظام في دمشق مع أكثر الشؤون حساسية في ذهن كل عربي سوري.
اذ أن النظام يدرك أن ليس بمقدوره استرجاع الجولان حــــــرباً أو سلماً فضلاً عن مساعدة الفلســــطينيين، وازاء هذه الحقـــيقة المرة فانــــه يسعي الي التمسك بالشعار في محاولة لاسقاط كثير من الاستحقاقات المحلية الممكنة.
والأهم من هذا كله أن النظام بحاجة الي ورقة الصراع العربي الاسرائيلي التي ربما تكون الورقة الأخيرة في جعبته اذا ما استطاعت الولايات المتحدة وحلفاؤها من اخراجه من دائرة النفوذ في لبنان.
هاتان الحالتان تبينان بوضوح مظاهر الأنيميا الحادة التي يعاني منها الوطن بسبب النظام. هذه المعضلة واجهت العراقيين من قبل، وهي ذات المعضلة التي تواجه السوريين اليوم. اذ يتبين مما سبق وبوضوح أن مصادرة الوطن لصالح النظام تترتب عليها تداعيات خطيرة، خاصة اذا ما ضعف النظام ولم يعد يستطيع الاعتماد علي شعبه في مواجهة الضغط الخارجي بحيث يبدأ بتقديم تنازلات كبيرة وخطيرة في مقابل ضمان البقاء. يبدو أن النظام السوري حسم خياراته في اتجاه التنازل، وعليه أن يدرك أن الوطن سيدفع ثمناً غالياً جداً من جراء ذلك.
كاتب من سورية