المسيحيون العرب: الضرورة والدور....

هاني حلاوي.....السفير

 

منذ سقوط الأندلس، آخر الثغور العربية في أوروبا، والزمن يدور عكس السير، خصوصا الزمن العربي، لم يبق شيء على ما هو عليه، جاء الصليبيون وذهبوا ولكنهم تركوا من آثارهم الكثير من الضغائن والذكريات والكثير من الدم والعداوات التي بقيت في عقدة الأكفان، ثم جاء بعد ذلك حكم بني عثمان، تلك الفترة المظلمة، التي بدأت من تاريخ سقوط القسطنطينية وانتهت بسقوط الاستانة، لقد اقتضى الأمر بين السقوطين اربعمئة سنة بالتمام والكمال، اربعة قرون كاملة امتلأت بكل أنواع المظالم والاستعلاء والاحكام التعسفية، تاريخ لا يمكن اختصاره ولكنه حديث التاريخ، حديث تفاصيل ومعارك صغيرة وحروب كبيرة وفتن ومؤامرات، وقائع تضافرت معاً لتلقي سؤالا واحداً مهماً في هذا الشرق: أين كان المسيحيون من أحداث هذه الدنيا التي كانت تتغير حيناً لحسابهم ودوماً على حسابهم، وكيف واجهوها وتعاملوا معها؟ ذلك ان المسيحيين في نهايات حكم تركيا للعرب، كانوا قد بدأوا يمارسون دوراً طليعياً في الحياة السياسية العربية، لم يقيض لأي طائفة اخرى ان تقوم به، وقد تمثل هذا الدور بالمحافظة على اللغة العربية أيام هجمة التتريك على كل أعراق الامة الاسلامية، حفظوا كتب التراث العربي في الأديرة، فتحوا المعاهد لتدريس اللغة العربية في كل مكان لا تصله القبضة التركية، كانوا البادئين ليس في دق الأجراس في أوقات صلاة الأحد في الكنائس، بل في الوقت المطلوب حيث دق الأجراس كان بمثابة الأذان الذي لم يجرؤ أحد على ان يصدح به في المساجد، ذكّر المسيحيون الناس بعروبتهم، وبإسلامهم ايضا <<ألم يكن العرب خير أمة أخرجت للناس>>؟ وهكذا منذ منتصف القرن الثامن عشر توالى على مسرح الدعوة دعاة ومريدون، وقد قيض للمسيحيين دون سواهم أن يكونوا البادئين بإطلاق تلك الدعوة لليقظة القومية، وهكذا تجسد اتجاه الدعوة للعروبة في ذلك الوقت فكراً على يد نجيب عازوري وشكري غانم، وكان شعراء الاقلية المسيحية سباقين الى ذكر الجنس العربي كما في قصيدة ابراهيم اليازجي <<تنبهوا واستفيقوا ايها العرب>>، وهو المطلع الذي صدر به جورج انطونيوس كتابه <<يقظة العرب>>، وها هو ناصيف اليازجي يتقدم لينشئ الجامعة الثقافية للمشروع الاستقلالي اللاحق ويضع قاموساً جامعاً للغة العربية، وما من شك في ان خزانة التراث العربي مليئة بأسماء رواد مسيحيين؛ فمنذ العام 1862 أطل من خلال الأدب والفكر والشعر تعابير ومفردات جديدة ترد في قصائد ابراهيم اليازجي ونجيب الحداد <<ألسنا من سلالة من تجلت بذكره الصحائف والعصور>>، كما قدم جورج علاف كتابه <<نهضة العرب>> وأصدر نخلة المدور كتابه <<حضارة الاسلام في دار السلام>> ومن أبرز ما قاله <<ان النصارى كانوا يشاركون المسلمين غزواتهم>>.
منذ منتصف القرن الثامن عشر والى منتصف القرن العشرين سوف يتقدم كثير من المسيحيين للمساهمة في مشروع الدعوة العربية، قيصر المعلوف، محبوب الشرتوني. وكتب الأكسرخيوس يوحنا الحداد <<العرب قبل الاسلام>>، وأسس جورج انطونيوس جمعية عرفت باسم القحطانية تيمناً باسم قحطان، ورأى جورجي زيدان ان أهلية العرب كبشر لا إسلامهم هي ما يتيح لهم دخول الحضارة، ولاحقاً سوف يفتي مارون عبود في العلمانية شعراً <<سنرقى عندما تربى المدارس على عدد الجوامع والكنائس>>، والى حين أتيح للمسيحيين العرب ان ينتزعوا لأنفسهم كرسياً بطركياً لانطاكية وسائر المشرق مستقلين عن اليونان، مما عزز ذاتية عربية مشرقية ومستقلة، ترى هل كانت دعوة المسيحيين للعروبة هروباً من امبراطورية عثمانية أو من إسلام اضطروا مرغمين للعيش في ظله <<أهل ذمة>> طيلة القرون التي حكم بها الاسلام هذا العالم.
يحلو للبعض ان يتأول في ذلك، لكن حقائق دعوة المسيحيين للعروبة لها وقائع اخرى تدحض هذا القول، فلقد رأى المسيحيون متقدمين ان العرب بما يملكون من تاريخ وتراث ولغة ومصالح هم من الأمم المؤهلة لهذا النشوء، ولهذا دعوا الى وحدة سورية أو عربية. كان المثقف المسيحي يعرض على المسلم السني حينها تسوية تاريخية مؤداها التالي: الوقوف في وجه السلطنة العثمانية والتخلي عن الرابط الاسلامي للاجتماع مقابل القومية العربية ممزوجة بالحداثة وأشكالها التنظيمية والاقتراب من أوروبا. وفيما بعد، وبالتحديد عند نهاية الحرب العالمية الثانية، شارك المسيحيون في وزارة فيصل الاولى، وبعدها بزمن قليل تقدم المسيحيون لصياغة مشروع النهضة العربية وبشروا بها، وطيلة السنوات التي أعقبت المشروع الهاشمي ظلوا دعاة حقيقيين لوحدة عربية أو لوحدة سوريا الكبرى، وفي تاريخ هذه الدعوة المتقدم، بغض النظر عن النتائج التي حصدها فكر الرواد الاوائل، أسس أنطون سعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي ودعا الى وحدة سوريا الكبرى، وتبعه فيما بعد ميشال عفلق وصلاح البيطار اللذان أسسا حزب البعث العربي الذي دعا الى وحدة عربية شاملة من المحيط الى الخليج، وانطلقت في بيروت حركة القوميين العربي بمبادرة من قسطنطين زريق وجورج حبش ووديع حداد، وكان جيل الرواد الثاني من المسيحيين الذين رأوا بعروبة علمانية تؤسس لعدالة اجتماعية تعيد التاريخ للعرب أو يعيدوا العرب للتاريخ، ومع هؤلاء تابع آخرون من سوريا والعراق ومصر ولبنان هذه الدعوة شرحاً وإضافة، بما يغني تلك الاهداف وكانوا أساساً راسخاً لما يعرف الآن في أدبيات السياسة العربية بالنهضة الثانية التي قادها جمال عبد الناصر بغض النظر عن النهاية المؤلمة التي حصدتها تلك النهضة.
مناسبة هذا الحديث أسباب متعددة أولها انكفاء المسيحيين قولا وفعلا عن المساهمة في وصل ما انقطع لمشروع النهضة القومية، وهي مساهمة ما زالت مطلوبة بإلحاح في هذا العالم المضطرب والمتخلف، أما السبب الآخر فهو تعرض المسيحيين للإلغاء وللشطب في كل دولة عربية، خصوصاً في دول الهلال الخصيب حيث لهم حضور عددي، وللتهميش حيث أمكن، بما في ذلك مصر. مناسبة هذا الحديث ايضا تلك الهجرة القسرية لمسيحيي العراق الى سوريا مع ما رافق ذلك من هدم واعتداءات على الكنائس وايضا شطب مسيحيي لبنان من موقع القرار وأهمية الدور. في العالم العربي اليوم، مناخ عفن، أجواء تسودها الريبة، انعدام الأمل بالحاضر والمستقبل، أنظمة استبدادية تواجهها معارضة سلفية وأصولية جاهلة، وهذا الجو الخانق يتساوى فيه المسيحيون والمسلمون، فالجميع عالق في سلة واحدة في الوقت الذي ما زالت فيه الدوافع والاهداف لإعادة تجديد وبعث الروح في ضرورة النهضة القومية واجبة وملحة، وما لم تتقدم النخبة لصياغة مشروع نهضوي جديد، معترفين بالاخطاء مبلورين أهداف المستقبل ومن ضمنها حكماً دولة علمانية يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات والدور، بل أكثر من ذلك ما لم يتقدم مسيحيو الهلال الخصيب ومسيحيو لبنان بالذات الى إعادة وصل ما انقطع من ريادتهم لمشروع النهضة العربية، فإن مستقبل شعوب هذه المنطقة، وثرواتها ايضا سوف تذهب جميعها الى المجهول والضياع ولنا في ما يجري في العراق وفلسطين عبرة، وما يجري في لبنان عظة ما لم نتبين دوراً حقيقياً للنخبة من مسيحيين ومسلمين يبشرون ويضعون أسس النهضة الثالثة المطلوبة على قاعدة دولة لوحدة سوريا الكبرى ركائزها بدون شك العلمانية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية.
(
) كاتب لبناني