عندما يفجر الإسرائيليون في دمشق...

فايز سارة...السفير

للمرة الاولى، تقتحم المخابرات الإسرائيلية قلب العاصمة السورية، وتغتال احد كوادر حركة المقاومة الاسلامية في فلسطين <<حماس>> بتفجير سيارته. وأضافت اسرائيل الى فعلتها تلك اعلان مسؤوليتها عن العملية في واحدة من الاعترافات الاسرائيلية القليلة في تاريخ عمليات المخابرات الاسرائيلية.
الكلام عن العملية ذاتها، يستدعي محاولة رؤية ما يحيط بها من ظروف وشروط، تمثل البيئة العامة للعملية الاسرائيلية، والتي من بين اهم ملامحها، انها جاءت متزامنة مع ضغوط كبيرة ومتزايدة على سوريا مستندة في حيثياتها وتفاصيليها الى الموقف السوري مما يحدث في العراق وفلسطين، وما شهده لبنان في موضوع الاستحقاق الرئاسي، حيث جرى استغلال الموقف السوري منه لإطلاق حملة اميركية فرنسية، اثمرت إصدار قرار مجلس الامن الدولي 1559 الذي يوشك، ان يتحول الى حملة ضغط دولي على سوريا.
وجاءت العملية الاسرائيلية بعد سلسلة مزدوجة من التهديدات الاسرائيلية، كان طرفها الاول موجهاً ضد سوريا بدعوى علاقاتها مع حزب الله اللبناني والمنظمات الفلسطينية، التي تتهمها اسرائيل ب<<الارهاب>>، والطرف الثاني موجهاً ضد القيادات الفلسطينية خارج الاراضي المحتلة وخاصة المقيمين منهم في سوريا بدعوى مسؤوليتهم في التخطيط للعمليات التي يقوم بها الفلسطينيون في الداخل ضد اسرائيل.
وترافق ما سبق مع رفض اسرائيلي وعدم مبالاة اميركية حيال دعوات عدة صدرت هدفت الى استئناف مفاوضات التسوية بين سوريا واسرائيل، الامر الذي يعني استبعاد اسرائيلي اميركي لخيار التفاوض، وتأكيد اللجوء الى سياسة القوة بدلاً من قوة السياسة، وهو نهج صار ثابتاً وواضحاً في سلوك اليمين الاميركي المحافظ برئاسة جورج بوش واليمين الاسرائيلي الحاكم برئاسة ارئيل شارون.
وسط هذه البيئة، جاءت عملية اسرائيل في دمشق، التي تعني وفق مجرياتها وإعلان اسرائيل تبنيها ثلاثة امور اساسية، الاول: التأكيد ان اسرائيل جادة في التهديدات التي اطلقتها بملاحقة قيادات وكوادر المنظمات الفلسطينية خارج الاراضي المحتلة في اطار استراتيجيتها المعلنة لتصفية القيادات والكوادر الفلسطينية في الداخل والخارج، ولا سيما تلك التي تقول عنها، انها تواصل الحرب على اسرائيل.
الامر الثاني، ان العملية الاسرائيلية، تنقل الصراع مع سوريا من طابعه السياسي والعسكري في صيغته التي تكرست منذ اواسط السبعينات، وفق ماهو معروف، الى صراع بين الاجهزة الامنية، وهو تطور غير مسبوق من حيث جعل الاراضي السورية ميداناً للصراع وجعل القيادات الفلسطينية الموجودة في سوريا اهدافاً له، وكلاهما لم يكن قائماً في اطار الصراع السوري الاسرائيلي. اما الامر الثالث الذي تطرحه العملية الاسرائيلية في دمشق، فهو طابعها التصعيدي، اذ انها بانتهاكها الامن الداخلي السوري من خلال نشاط سري دموي، يماثل في خطورته الاعتداء الاسرائيلي الجوي على معسكر عين الصاحب قبل أكثر من عام، ما يدفع سوريا الى الرد على هذا التصعيد.
بطبيعة الحال، فإن ما يحيط بالعملية الاسرائيلية، يطرح تحديات سياسية وعسكرية وأمنية على سوريا، وعلى القيادات والتنظيمات الفلسطينية الموجودة فيها، لكن من المبكر التنبؤ بما يمكن لسوريا وللقيادات الفلسطينية فيها القيام به من خطوات لمواجهة الخرق الامني الاسرائيلي وحصار نتائجه في الداخل السوري، وتداعياته على العلاقات السورية مع الجماعات والقيادات الفلسطينية الموجودة في سوريا، وهي علاقات لا تتصل فقط بالموقف السياسي الذي تتخذه دمشق من القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي، بل تتصل بما هو ابعد من ذلك بكثير، اذ اضافة الى عوامل تاريخية وجغرافية واجتماعية، فإنها تتصل بوجود نحو نصف مليون فلسطيني في سوريا، تقيم اغلبيتهم في دمشق، ويشكلون بعد فلسطيني الاردن ثاني أكبر تجمع للفلسطينيين في الشتات، وهو تجمع من الصعب ان يكون بعيداً عما يحيط بالواقع الفلسطيني من تطورات وتحديات، لا تستطيع معها دمشق ان تجعل الفلسطينيين فيها خارج الاحداث والتطورات، كما لا يمكنها الفصل بين الوجود الفلسطيني وقياداته فيها، وهو امر بدا واضحاً في ردها على الضغوط السياسية المتواصلة وخاصة الاميركية منها بشأن وجود القيادات والمنظمات الفلسطينية فيها.
عملية اسرائيل في دمشق باغتيال كادر <<حماس>> عز الدين الشيخ خليل، حدث جديد وخطير في بيئته ومجرياته، وهو شديد الخطورة في تداعياته، التي قد تتجاوز في حدودها الصراع السوري الاسرائيلي، والعلاقات الفلسطينية السورية الى تداعيات إقليمية ودولية.
(
) كاتب سوري