إصلاح الديني ومسألة المرجعية

د. محمد عابد الجابري

 

إذا كان المناخ الفكري الذي ظهر فيه "مارتن لوثر" كرائد ومتزعم للإصلاح الديني في أوروبا القرن السادس عشر، مناخاً متأثراً إلى حد بعيد بالموروث العربي، الديني منه والفلسفي، فإن المراجع المتوافرة لا تسعفنا بأي شيء حول ما إذا كان "لوثر" نفسه قد تأثر بهذا الموروث. وأما أن يكون "لوثر" على علم بموقف القرآن وموقف فلاسفة الإسلام من الإنسان فهذا ما يصعب الشك فيه. فترجمة القرآن تمت في أوائل القرن الثاني عشر وليس من المعقول أن يكون لوثر الذي عاش ما بين 1483-1546 في منأى عن تأثير الموروث العربي، الديني والفلسفي، الذي كان قد مضى على انتشاره في الأوساط المثقفة في أوروبا ما يزيد على ثلاثة قرون. ومع ذلك فلا يليق بنا أن نجعل من فرضية تدور في أذهاننا حقيقة تاريخية.
إن الحقيقة التاريخية التي يبرزها المؤرخون الأوروبيون هي أن الظروف المحلية، السياسية والاقتصادية والدينية والنفسية، التي عاشتها أوروبا في القرن السادس عشر، وقبله، هي التي كانت وراء دعوة "مارتن لوثر" الإصلاحية ونجاح هذه الدعوة. في هذا الإطار يذكر بعضهم المعطيات الأربعة التالية:

1- سيادة شعور ديني قوي تغذيه عوادي الزمان ويذكيه حضور قوي لفكرة الموت مع شعور عميق بالخوف يغذي الحاجة إلى ملجأ. 2- الاتجاه نحو تعميم النظام الكهنوتي وفرض هيمنته على مجموع الأقطار الأوروبية مما أدى إلى بروز نزعة معادية له مركزة ضد الامتيازات العملية والمالية التي يتمتع بها المنتظمون في سلكه.

3- كثرة التجاوزات والتعسفات التي يرتكبها هؤلاء.

4- تطور الطباعة التي مكنت من نشر الإنجيل الذي حقق نجاحاً كبيراً جعلت منه المرجعية التي لا تقبل الطعن.

وإضافة إلى هذه العوامل ذات الطبيعة النفسية كانت هناك عوامل موضوعية في مقدمتها تطور المدن وظهور فئة من المثقفين حملت شعار التجديد، وقد تحدثنا عنهم في مقال سابق.

إن ظهور المدن في أوروبا منذ القرن الثاني عشر كان ظاهرة جديدة تماماً: "ذلك أنه قبل هذا القرن لم يكن في أوروبا سوى أطلال المدن الرومانية القديمة التي لم تكن تضم بين أسوارها سوى كمشة من السكان يحيطون برئيس عسكري أو إداري أو ديني". لم يكن في هذه الحواضر التي كانت في الأساس مقراً للأسقفيات غير عدد قليل من "
laїcat" (المسيحيين غير المنتظمين في جهاز الكنيسة) يحيطون بكهنة أكثر منهم عدداً ولم يكونوا يعرفون من النشاط الاقتصادي سوى سوق محلية صغيرة لا يتعدى مداها تغطية الحاجات اليومية". ومع تطور العلاقات التجارية مع العالم العربي بدأت تنشأ مدن جنينية "portas" مستقلة أو ملتصقة بجنبات الحواضر الكهنوتية أو "المحطات العسكرية". وقد عرفت هذه الظاهرة تطوراً كبيراً انطلاقاً من القرن الثاني عشر حينما أخذت تغير بعمق البنيات الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا وبدأت، من خلال قيام البلديات، في زعزعة بنياتها السياسية والثقافية.

في إطار هذه التحولات الاجتماعية الاقتصادية الفكرية ظهر "لوثر" نفسه. وتؤكد المراجع التي أرخت له أنه لم يكن من رجال الكهنوت ولا من المثقفين الجدد، ولكنه انشغل منذ أن دخل الدير بالبحث عن اليقين في مسألة "الخلاص". كما تبرز هذه المراجع أنه قام ما بين 1513-1518 برحلة سياحة (دينية) اهتدى خلالها إلى مبتغاه من خلال مقطع من رسالة القديس بولس "الرسول" (المبشر الأكبر بالمسيحية بعد المسيح) يؤكد فيها أن "الإيمان" وليس الارتباط بالكنيسة هو طريق الخلاص. ومن هنا سيصبح ربط الخلاص بالإيمان، وليس بالبابا ولا بصكوك الغفران التي يمنحها، هو حجر الزاوية في نظرية "لوثر". كان البابا قد لجأ إلى بيع صكوك الغفران من أجل بناء كنيسة القديس بطرس في روما، الشيء الذي رأى فيه "لوثر" مسلكاً لا ينسجم مع تعاليم الكتاب المقدس. وفي هذا الموضوع كتب "لوثر" 95 أطروحة اعتراضية حول "صكوك الغفران" لقيت، عندما طبعت واستنسخت، إقبالاً منقطع النظير. "إن الانتقادات المعقولة جداً والموجهة ضد بعض الممارسات والسبل التي كانت تستغل بها سذاجة الجماهير لفائدة الخزانة الرومانية جعلت تلك الأطروحات تبدو كبيان للتحرير".

والجدير بالإشارة هنا أن الأصل في "صكوك الغفران" هذه التي كان يصدرها البابا، وحتى من هم دونه، والتي تمحو جميع الذنوب يرجع، من جهة، إلى عقيدة "الخطيئة الأصلية" التي تقول بها المسيحية، خطيئة آدم عندما أكل من الشجرة التي نهاه الله من الاقتراب منها، ووراثة بني آدم لهذه الخطيئة كجزء أصيل في كيانهم، كما يرجع من جهة أخرى إلى اعتقاد المسيحية في أن المسيح عليه السلام قد افتدى بحياته المؤمنين برسالته. ومن مظاهر هذا الفداء غفران ذنوبهم، ما تقدم منها وما تأخر. أما كيفية توزيع هذا الفداء/ الغفران على المؤمنين فذلك ما خص به القديس بطرس (أحد "صحابة" المسيح المكلف بالتبشير) ثم كبار رجال الكنيسة من بعده وعلى رأسهم البابا.

وكما يحدث غالباً في مثل هذه الأمور فقد مُدد مفعول صكوك الغفران هذه، التي صارت سلعة تباع، ليتجاوز مجرد محو الذنوب والمعاصي والمخالفات الدينية وبالتالي العقاب عنها في الآخرة، إلى الإعفاء من الاشتراك في الحروب، وفي مقدمتها الحروب الصليبية. بل لقد وقع الإسفاف فيها إلى درجة أنها تحولت إلى وثيقة مطبوعة سلفاً، مع فراغ يكتب فيه اسم الحاصل عليها. وتنص هذه الوثيقة/ الصك على أن معطيها يعفي الحاصل عليها من جميع أنواع العقاب والأحكام والمآخذ الكنيسية ومن جميع الخطايا والذنوب التي ارتكبها، مهما كانت كثيرة وكبيرة، ليعود به إلى حظيرة الكنيسة وأسرارها مقرباً من القديسين، طاهراً بريئاً كما كان يوم تم تعميده، وأن بهذا الصك أغلقت دونه أبواب جهنم وفتحت في وجهه أبواب الفردوس، وأن هذا باق إلى يوم يتوفاه الأجل حتى ولو طال به العمر.

ركز "لوثر" دعوته الإصلاحية ضد صكوك الغفران هذه ونسف أسسها عندما نادى بأن "كل مسيحي معمَّد هو قسيس، وأنه يجب السماح للقساوسة بالزواج وأن الطلاق أمر شرعي" الخ. ومن هنا نشأ المذهب البروتستانتي الذي يقوم على الأسس التالية :

1- اعتبار الكتاب المقدس هو وحده مصدر الديانة المسيحية، وفي هذا إلغاء مباشر للأساس الذي يقوم عليه الاعتقاد في صكوك الغفران. 2- عدم الاعتراف بعصمة البابا والتحرر من كثير من الطقوس الكنيسية. 3- اعتماد التوراة العبرانية بدلا من اليونانية وعدم الاعتراف بالكتب السبعة المنحولة. 4- استقلال الكنائس البروتستانتية عن سلطة البابا.

ونحن إذا وضعنا الآن هذه الأفكار، بل هذه الثورة الدينية الإصلاحية، في مرآة ذلك العصر بكل ما تعكسه من معطيات تاريخية واجتماعية وثقافية سبقت الإشارة إليها، فقد يحق لنا أن نتساءل: ألم يكن هناك، فعلا، أي تأثير لترجمة معاني القرآن إلى اللاتينية في هذا الإصلاح الديني الذي قام به "لوثر"؟ يبدو هذا السؤال وجيهاً إذا تذكرنا موقف القرآن من خطيئة آدم حين يقرر أن الله نادى آدم وزوجه وقال لهما: "ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأَقُلْ لكما إن الشيطان لكما عدو مبين. قالا ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" (الأعراف 22-23)، "فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"، (البقرة 37).

القرآن ينص على أن خطيئة آدم محتها توبته فتحرر منها هو وذريته، ويبقى بعد ذلك عمله في الأرض التي أمر بالهبوط إليها لعمارتها هو وذريته وليحاسبوا على أعمالهم فيها: "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه" (الزلزلة 7-8). وإذا أضفنا إلى ذلك ما تكرر في القرآن من أنه "لا تزر وازرة وزر أخرى" كما في قوله تعالى:"أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى، وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (النجم 36-42)، إذا تذكرنا كل ذلك أدركنا مدى عمق الالتقاء بين مضمون هذه الآيات القرآنية وبين مضمون الإصلاح الديني "اللوثري".

والحق أنه من الصعب جداً افتراض غياب أي تأثير لهذا الموقف القرآني، المترجم إلى اللاتينية، على أفق الإصلاح الديني الذي قام به "لوثر"، في وقت كان فيه الموروث العربي الإسلامي يمارس سلطة واسعة وعميقة على الفكر الأوروبي ( انظر مقالنا السابق في هذه الصفحة). ولا معنى للاعتراض بالقول إنه لو كان هناك مثل هذا التأثير لأبرزه لوثر بنفسه كما فعل فلاسفة أوروبا زمن "لوثر" وقبله حين تبنوا مواقف الفلسفة الإسلامية صراحة، فكان منهم "سينويون" (نسبة إلى ابن سينا) وكان منهم رشديون (نسبة إلى ابن رشد)! أقول لا معنى لهذا الاعتراض لأن الشأن الفلسفي غير الشأن الديني. فالدعوة من داخل دين معين إلى تقليد دين آخر في مسألة من المسائل أمر لا يعقل. فكل دين لاحق يعتبر نفسه متجاوزاً للسابق، وفي أحسن الأحوال مصححاً لما لحقه من انحرافات وبدع. ومن شبه المؤكد أنه ما كان للوثر أن ينجح في الإصلاح الذي قام به لو أنه اتخذ الإسلام مرجعية له. إن نجاح دعوته كان يتوقف ليس على ما يقتبسه من هنا أو هناك، بل على مدى تمكنه من جعل قضيته تنبع من الداخل، أعني أنها تجد تبريرها وأسباب قوتها في التجديد الذي تمارسه من الداخل. وهذا ما فعله "لوثر" بالفعل، فقد ربط دعوته بالرجوع إلى "الأصل"، إلى المسيحية "الأصلية" قبل أن تصبح سجينة النظام الكنسي الكهنوتي. وفي رأينا أنه إذا كان "لوثر" قد استقى من هذه "المسيحية الأصلية" ما يجعلنا نرى نحن، في هذا الذي استقاه منها، ما يشبه الموقف القرآني، فذلك لأنه أراد أن يكون طريقه متصلا بالأصل بصورة مباشرة وليس عبر جسر ما، شأن كل مصلح! أما اللقاء بين هذه "المسيحية الأصلية" وبين القرآن فتلك مسألة أخرى قد تتاح لنا الفرصة في مناسبة أخرى لسبر أغوارها والكشف عن أصولها وفصولها.

ونحن إذا كنا قد أثرنا هنا هذه المسألة فليس من أجل الفصل في قضية تاريخية، بل من أجل طرح سؤال يخص الحاضر نصوغه كما يلي: إذا كانت المرجعية الأوروبية التي ينشد إليها الفكر الليبرالي العربي المعاصر تكشف لنا أن الإصلاح الديني في أوروبا قد تم على يد لوثر وأتباعه بالرجوع إلى "الأصل"، إلى "المسيحية الأصلية" كما كانت زمن بولس الرسول وقبل قيام الكنيسة، فإلى أي "أصل" يمكن أن يستند إليه الفكر العربي الليبرالي المعاصر المنادي بالإصلاح الديني؟.