واشنطن ودمشق: الضجيج الذي قد ينذر بالعاصفة...

صبحي حديدي.. القدس العربي

ثمة الكثير الذي يلفت الإنتباه، ويحثّ علي اليقظة العالية ربما، في كلّ هذا الضجيج الأمريكي الراهن الذي يتزايد ويتعالي ويتعدّد حول عدد من القضايا التي تخصّ النظام الحاكم في دمشق. فإذا وضع المرء نصب عينيه أنّ واشنطن تعيش هذه الأيّام أهمّ استحقاقات الحياة السياسية الأمريكية، أي الانتخابات الرئاسية، في حين أنّ الإدارة تغرق أكثر فأكثر في المستنقع العراقي الذي تحوّل ــ حسب التعبير الموفّق للرئيس الفرنسي جاك شيراك ــ إلي صندوق باندورا لم يعد في وسع أحد أن يغلقه. كلّ الخيارات مطروحة علي طاولة المكتب البيضاوي، إذاً، والرئيس الأمريكي جورج بوش ليس ذاك الدماغ البارد المتعقّل الذي يقلّب الأمور علي نار هادئة... علي مدي زمني يقلّ يُحسب الآن بالأسابيع وليس بالأشهر!
وهكذا، فضلاً عن رسالة قوية لا مواربة فيها حملها مساعد وزير الخارجية الأمريكي وليام برنز إلي دمشق، ليس دون مغزي هامّ وعاجل أن تكون العاصمة السورية دمشق هي محطّ الرئيس المصري حسني مبارك في أوّل زيارة يقوم بها بعد الجراحة التي خضع لها مؤخراً. ولا ريب في أنّ التمديد للرئيس اللبناني الحالي إميل لحوّد، أو انتخاب سواه أياً كان، ليست السبب الأوّل أو الثاني أو الثالث الذي دفع البيت الأبيض إلي توجيه تلك الرسالة ـ الإنذار. ولا ريب، في السياقات ذاتها، أنّ تشجيع حوار الفصائل الفلسطينية ليس السبب الذي جعل مبارك يهرع إلي دمشق في زيارة مفاجئة لم تكن علي برنامج القاهرة أو دمشق.
كذلك لم تكن المصادفة العمياء وراء ائتلاف مجلس النوّاب الأمريكي، علي عجل وبسرعة قياسية، للتصويت بأكثرية ساحقة علي قرار جديد يدين بشدّة النظام الحاكم في دمشق علي خلفية الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان والحريات المدنية للشعبين السوري واللبناني . وإذا كان منبر الخطابة قد شهد تقاطر الأصوات المعتادة التي تعادي نظام دمشق لأنها إنما تكره العرب أجمعين (وفي الطليعة، بالطبع، إيليانا روس ليتنن من فلوريدا وتوم لانتوس من كاليفورنيا) فإنّ المنبر ذاته شهد تلك الأصوات التي طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة باتخاذ قرار يحصي انتهاكات النظام السوري لحقوق الإنسان، ويعبّر عن دعم الشعب السوري في نضاله من أجل الحرية واحترام حقوق الإنسان والحريات المدنية والحكم الديمقراطي وإقامة سلطة القانون .
هذه لغة جديدة في أقلّ تقدير، وهي ليست خالية من الدلالات الهامّة في هذه الحقبة بالذات، حتي إذا كان المرء من فئة لا تملك أيّ أوهام حول نزاهة الولايات المتحدة في الدفاع عن حقوق الإنسان أينما انتُهكت في الشرق الأوسط (بما في ذلك العراق، أيضاً!)، وأياً كان النظام الذي ينتهكها. وهذه هي اللغة الجديدة التي استخدمتها واشنطن حين صاغت رسالة الإنذار التي حملها بيرنز إلي دمشق، والتي صيغت مسبقاً ودون أدني اعتبار لما يمكن أن تسفر عنه المحادثات من جوانب إيجابية. ولم يكن مثيراً للسخرية فقط أن يري الإعلام السوري الرسمي انتصاراً جديداً في محادثات بيرنز ـ الأسد، يُضاف بالطبع إلي الانتصار السوري ـ اللبناني علي المحور الأمريكي ـ الفرنسي في مجلس الأمن بعد التصويت علي القرار 1559. وثمة، خلف السخرية البائسة هذه، حقائق تقول إنّ دمشق جنّدت نفسها جدّياً لخدمة الكثير من المطالب الأمريكية في العراق، وكانت متعاونة وإيجابية علي نحو جعل المسؤولين السوريين يشعرون بخيبة أمل لأنّ بيرنز أصرّ علي قراءة النصّ المكتوب مسبقاً، وليس النصّ الذي يعبّر عن مجريات المباحثات.
وبعد أسابيع قليلة علي اكتمال الغزو الأنغلو ـ أمريكي للعراق، كتبت في هذه الصفحات أشدّد علي قناعة قديمة: أنّ الأشهر القليلة القادمة سوف تشهد احتشاد عدد من الأسئلة التي تصبّ جميعها في هاجس كان الأهمّ علي أجندة الرئيس السوري حافظ الأسد قبيل رحيله بأشهر معدودات، وأعني ملفّ ترتيب أولويات سورية الداخلية والخارجية بما يخدم نجله بشار، ويضمن له خلافة سهلة وسلسة وذات بأس ما أمكن. بعض تلك الأسئلة يسير هكذا:
ـ كيف سيفلح بشار الأسد في مواجهة استحقاقات السلام مع الدولة العبرية، أو السلام الأمريكي ـ الإسرائيلي في التسمية الأدقّ، حين تتسع أكثر فأكثر دائرة الهيمنة الأمريكية علي المنطقة، وتبدّل الولايات المتحدة سياساتها السابقة التسامحية تجاه النظام السوري، ويصبح الرضوخ أمام شروط واشنطن وتل أبيب بمثابة بديل يعادل بقاء أو إمحاء النظام؟
ـ وكيف سيفعل الخليفة الشابّ حين تتهاوي، واحدة تلو الأخري، أوراق قوّة دمشق في التوازنات الجيو ـ سياسية والعسكرية الإقليمية، أو حين تنقلب هذه إلي وبال وعبء ومأزق، أو ــ بصفة محدّدة وجوهرية ــ حين ينتهي الملفّ العراقي إلي هيمنة أمريكية مطلقة؟
ـ وأيّ خيارات، في الصمود والمناورة وتنفيذ أيّ نوع من أنواع الهجوم المضادّ، سوف تتبقي أمام الخليفة الشابّ، الوافد الجديد إلي مشهد حافل بالمشاقّ العظمي في السياسة والأمن والاقتصاد، المفتقر إلي الكثير من مراس أبيه، والحاكم الذي جاء إلي الحكم من بوّابة الوراثة العائلية وحدها؟
ـ وهل سيساعده، أم ينقلب ضدّه، نظام خاصّ في الحكم ــ استبدادي وقمعي وأمني وعسكرتاري قائم علي هرمية مركّبة من عناصر الخضوع والولاء والاستزلام والتكسب والنهب ــ كان الأسد الأب يقبض علي مفاتيحه ومفاصله ورجالاته بيد الترغيب والترهيب في آن، ولكن بيد حديدية لا يملكها النجل في كلّ حال؟
والحال أنّ كامل مهامّ التوريث كانت في كفة، وكان التعاطي مع الدولة العبرية والولايات المتحدة في الكفة الأخري، الأثقل وزناً والأشدّ إحراجاً والأكثر استعجالاً. ذلك لأنّ الأسد الأب كان يعرف أنّ عقد اتفاقية سلام سورية ـ إسرائيلية في حياته وبرعايته هو شخصياً سوف يجعل شروط تلك الإتفاقية ــ أيّاً كانت ــ أفضل بكثير من شروط أية اتفاقية أخري تُعقد في غيابه ويديرها سواه.
ولكنه، في ختام قمة جنيف التي جمعته بالرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، في آذار(مارس) 2000، أدرك أنه لن يحصل علي مطالب الحدّ الأدني التي تجعل عقد مثل تلك الإتفاقية مصدر قوّة لنجله وخليفته بدل أن تكون مصدر ضعف، ولهذا فقد قرّر أن يذهب مذهباً آخر مختلفاً تماماً: لقد عاشت سورية في سياقات اللاحرب ـ اللاسلم منذ 32 عاماً، 29 منها في عهده هو، ولم تلعب تلك السياقات أيّ دور في المسّ بمعادلات الوضع الداخلي كما رسمها ونفذّها بدقّة هندسية صارمة. في وسع سورية، استطراداً، أن تعيش طوراً إضافياً في ظلّ السياقات ذاتها، حتي إذا كانت أساليب معالجة أخطار انعزال البلد في غيابه لن تكون شبيهة بأساليبه هو في معالجة تلك الأخطار.
ما لم يكن في حسبان الرئيس السوري هو، علي الأرجح، ما يجري هذه الأيام بالذات من تبدّل جذري في موقف الولايات المتحدة من أنظمة المنطقة إجمالاً، والنظام العراقي السابق بصفة محددة. فهل في وسع نظام الرئيس السوري بشار الأسد أن يعيش الحقبة الحالية، فما بالك بالقادمة، في ظلّ المعطيات الأمنية والعسكرية والسياسية التي طرأت علي بنيته بعد رحيل حافظ الأسد؟ وهل في وسع الولايات المتحدة، فما بالك بالدولة العبرية، أن تواصل حقبة التسامح القديمة ذاتها إزاء التجاوزات السورية التي اقتضت الأوضاع السابقة غضّ التظر، مثل الوجود العسكري السوري في لبنان، وتغطية حزب الله أمنياً وسياسياً ولوجستياً أحياناً، والسماح بأن تكون دمشق مستقرّاً لمنظمات فلسطينية تصنّفها واشنطن وتل أبيب في خانة الإرهاب ؟
المنطق البسيط، أي ذاك الذي يتضح شيئاً فشيئاً كلّ يوم، يقتضي الإجابة بالنفي علي السؤالين السابقين. فبالنسبة إلي صلابة بنية النظام، يكفي أن يتذكّر المرء ما جري لنظام صدام حسين، وكيف تحوّلت الأجهزة الأمنية العراقية (التي تتباري مع الأجهزة الأمنية السورية في البطش والتنكيل والوحشية) إلي أثر بعد عين حين زحفت الدبابات الأمريكية علي جسور بغداد، حتي يدرك أنّ ما لحق بزيد يمكن أن يلحق بعمرو، سواء بسواء. فهذه الأجهزة منشغلة أساساً في حفظ معادلات أمن النظام الداخلية، أي صيانة توازنات القوي، والمحاصصة في ثروات الوطن، وشَرْعَنة النهب، وحماية الفساد، وقهر الشارع، وقمع الأصوات المعارضة، والإمعان في انتهاك الحقوق...
وفي الجانب الإقتصادي بلغت المبادلات التجارية بين سورية والعراق ما قيمته 500 مليون دولار، ويعدّ النفط في طليعة هذه التبادلات، إذْ كان العراق يصدّر إلي سورية 170 ألف برميل يومياً، وكان من المتوقع أن ترتفع إلي 800 ألف برميل. وسورية تشتري البرميل الواحد بمعدّل 10 ـ 14 دولاراً، وتعيد تصديره بالسعر الدولي الراهن، فتحقق بذلك هامش ربح كبير لا يقلّ عن عشرة دولارات في البرميل الواحد. ويقدّر أحد التقارير الصادرة حديثاً عن معهد شاتام هاوس أنّ نسبة 60% من بند الموارد في الميزانية السورية يعتمد علي ما يقارب 1.200 مليار دولار قيمة أرباح النفط العراقي، و800 مليون دولار قيمة المبادلات التجارية الأخري. وهذا المنبع جفّ تماماً الآن، وحتي إشعار آخر طويل كما يبدو.
وغنيّ عن القول إنّ ضعف النظام التكويني والبنيوي، القائم في الأساس علي علاقته الاستبدادية بالمجتمع والشعب وضربه عرض الحائط بكل مرتكزات اللحمة الوطنية والتحصين الجماعي، لن يكون سوي العامل الأوّل في سلسلة العوامل المتراكمة المترادفة المتلازمة التي تزيده وهناً علي وهن، وضعفاً علي ضعف، واستسلاماً علي استسلام. وقد يتذكر البعض ما نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية في أعقاب سقوط بغداد عن اجتماع ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري وأبرز أعوانه الحاليين، مع المدير العام السابق لوزارة خارجية الدولة العبرية إيتان بن تسور في العاصمة الأردنية عمّان. آنذاك، قيل إنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون رفض إجراء أيّة تجارة تفاوضية مع دمشق في هذه الأزمنة الرخوة كما نُسب إليه في وصف حال العرب الراهنة.
والحال أنّ الرفض لم يكن عائداً إلي مواقف شارون المعروفة من السلام فحسب، بل لأنّ النظام الحاكم كان آنذاك مكشوفاً تماماً، مجرّداً من أوراق قوّته، نافلاً في لعبة الشطرنج الإقليمية، عليه الدور في لعبة انهيار قطع الدومينو حين يحقّ الاستحقاق، مثقلاً بأوزار سياسات لاح ذات يوم أنها أقصي الشطارة في المناورة والالتفاف و الخروج من عنق الزجاجة ، حسب التعبير الشهير لنائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام...
... إنها حال النظام اليوم أيضاً، بعد أن تفاقمت نقاط الضعف وتساقطت أوراق القوّة. شارون يرفض، وبيرنز ينذر، ومبارك يهرع للنصح، والكونغرس الأمريكي يلوح بالهراوة... ألا يكفي مهانة، كما كتب المعلّق الأمريكي جيم هوغلاند يوم أمس في واشنطن بوست ، أنّ الإدارة اليوم ترسل مساعداً لوزير الخارجية للقاء رئيس دولة سبق لعاصمتها أن استقبلت أربعة رؤساء أمريكيين في عهد أبيه؟ آن الأوان لاعتصار سورية، يكتب هوغلاند، بعد أن يشير إلي أنّ إنذار بيرنز قد يكون تسبّب في هزّ استقرار النظام أكثر ممّا فعلت وكالة المخابرات المركزية والاستتخبارات العسكرية الأمريكية والاستخبارات العسكرية البريطانية، مجتمعة!
راقبوا، إذاً، هذا الضجيج الأمريكي الذي قد ينذر بالعاصفة، وبالوقائع التي لم تكن توقيتات حدوثها في الحسبان