عودة إلى يوتوبيات ما بعد الدولة الوطنية...

د. محمد السيد سعيد...الاتحاد  

إنعاش الخيال اليوتوبي ليس مجرد استجابة متجاوزة للقوى التي تسحق إنسانيتنا في العالم ككل وفي الوطن ذاته. إنه أمر ملازم لأية حلول حقيقية للأزمات العاصفة التي تحيط بنا. وبذلك ننتهي من الحجة السخيفة التي تقول إن الخيال اليوتوبي هو هروب إلى الأمام أو إلى المستقبل البعيد وانسحاب من التصدي للأزمات المتفجرة. فمن الواضح أن خصوم الخيال الطوباوي لم يفهموا بعد خصوصية أزمات ما بعد الحرب الباردة وخاصة الصراع الراهن الدائر في المنطقة. إن موضوع تلك الأزمات هو البحث عن معنى: أو عن نموذج سياسي وثقافي ينفعل ويتفاعل مع القلق الروحي والأخلاقي العميق الذي يلمُّ بالعالم كله. ولكن هذا البحث يخطئ الطريق بصورة مأساوية للغاية لأنه يفضي إلى نفي متبادل وعنيف: أي صدام بين أصوليات ومن ثم إلى نمط جديد من الحروب التي يعتقد أصحابها أنها حروب نهائية: أي حروب ما قبل الخلاص الكامل للبشرية وفقاً لمعتقداتهم. أزمات الحرب الباردة كانت بسيطة وقابلة للحل بالمقارنة بالحروب الحالية، فحتى أشدها على الإطلاق وهي الأزمة الكوبية لم تكن تشتمل على هذا المعنى الخلاصي. فلم يكن من الممكن ضمان انتصار الشيوعية أو الديمقراطية بإشعال حرب نووية. أما الأزمات الراهنة فهي تنطوي على "بشارات متناقضة" أي على رؤى للخلاص النهائي وهي رؤى تقود إلى حروب نهائية. وبينما يعتقد الأميركيون أن الحرب ضد الإرهاب ستقود إلى الهرمجيدون التي تمهد لمملكة المسيح أو تقود إلى انتصار الديمقراطية الأميركية على الاستبداد الشرقى أو الإسلامي، يرى الإسلاميون المتشددون أن الجهاد الابتدائي ضد الغرب وأميركا ضرورة لضمان أن يرث الإسلام الأرض وما عليها كما تم بعد سنوات قليلة من انتصار الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة. وبذلك يكتمل التاريخ بإنشاء نظام إسلامي عالمي.

ولكن تلك اليوتوبيات العالمية ليست هي الوحيدة التي تتصارع في اللحظة الراهنة منتجة أزمات مثل أحداث 11 سبتمبر أو الحرب ضد أفغانستان وغزو العراق فضلا عن سلسلة مروعة من التفجيرات التي يقوم بها تنظيم القاعدة وما قد يلي على خط هذا البلاء العظيم. ففي العراق هناك من يصارع لاستعادة "الحلم القومي" حيث كان العراق موحداً ويقود الأمة العربية في حربها ضد الإمبريالية. وقد سقط هذا "الحلم" أو هذه اليوتوبيا بمجرد تجسيدها في مطارق صدام حسين وفي سقوطه. وأغلب القوى السياسية الجديدة في العراق الآن تتصارع حول مستقبل آخر في دولة ما بعد نموذج الدولة الوطنية. الأكراد يريدون مجتمعاً سياسياً خاصاً بهم داخل العراق ليس هو الدولة الوطنية الكردية ولكنه ليس مجرد ملحق بالدولة القومية العربية. والشيعة العراقيون أو التيار الرئيسي بينهم في اللحظة الحالية يبحث عن دولة تتمتع فيها الرموز الشيعية بحرية التداول والتدفق في ملكوت خاص لا يتناقض مع وحدة العراق ولكنه يجسد أيضاً أحلاماً دعوية قديمة قدم خلافة علي كرم الله وجهه.

ما نستنتجه من هذا العرض هو أن الصعوبة الحقيقية في استنباط حلول حقيقية لأزمات القرن الحادي والعشرين ليست في إيجاد معادلات قوة مناسبة وإنما في إتاحة الفرص لتعايش يوتوبيات أو رؤى خلاصية قد تكون متناقضة. وهذه الحقيقة لا تخص الصراعات والأزمات الحالية أو تلك التي تدور في منطقة الشرق الأوسط. بل قد تكون هذه الصراعات مجرد قابلة لولادة نسل جديد من الأزمات والصراعات تشتمل على نفس المعنى أو ذات الاتجاه ولكن على صعيد عالمي: أي البحث عن صيغ تجسد معاني كلية أو رؤى خلاصية أو نماذج مثالية: أي يوتوبيات. فثمة إحياء للعقائد اليابانية والصينية القديمة ومحاولات لتقديمها بشكل جذاب لجمهور متعطش لخطابات منعشة للذاتية الإنسانية الفردية والجماعية. بل نجد انتعاشاً ملموساً للعقائد الطوطمية لدى الكثير من الشعوب الأفريقية.

يملك التسامح فرصة إذا كثرت هذه اليوتوبيات بأبعد من القدرة على اختزالها في عدد محدود يمكنه اقتسام العالم أو التنافس حول تدميره. وهذا يجعلنا نفضل اليوتوبيات الصغيرة. كما أن امتلاك فرصة حقيقية لتطبيق بعض هذه اليوتوبيات يشكل عنصراً آخر للحل المطلوب. أما العنصر الثالث فهو لا غنى عنه لـ"يوتوبيا أم" أو "أم اليوتوبيات" هي المعيار الذهبي للتسامح: أعنى حق الأفراد في التنقل بين مختلف تلك اليوتوبيات الصغيرة في الواقع.

يمكننا أن نلخص تلك اليوتوبيا الكلية فيما يلي. لنتصور عالماً تمثل فيه الفكرة أو الرؤية أو اليوتوبيا الصغيرة الوحدة الأساسية وليس الدولة. عندها يدور التنافس بطريقة فريدة وهي قدرة كل من هذه اليوتوبيات على إبهار أو لفت نظر أفراد من جميع مناطق العالم. فإذا تمكنت أي يوتوبيا أو أي عدد منها من إبهار أعداد كبيرة من الناس فسوف تنمو كوحدة سياسية وإلا فهي ستنكمش وتنتهي تاركة مكانها ليوتوبيا أخرى. ثمة شيء من الروح الرياضية في تلك المنافسة ولكنها لا تنظم بالطريقة المألوفة في المسابقات الرياضية أو الأولمبياد. اذ يمكن نظرياً أن تتعايش جميع اليوتوبيات أو كثير منها على الأقل وأن تعد جميعاً فائزة بمقدار ما تجتذب ولاء الأفراد.

إننا نتحدث إذاً عن نظام عالمي يمكن تقريبه إلى مبدأ الدولة- الفكرة كبديل عن الدولة القومية أو الدولة الترابية وكبديل بالطبع عن المساعي الإمبراطورية للأميركيين في الحقبة الراهنة وربما غيرهم في حقب تالية أو أتية. وهذه اليوتوبيا تتصور إذاً نوعاً من الكومنولث أو النظام العالمي الذي لا تنتهي فيه الحدود والسيادات القومية والسياسية والذي يعد موحداً بمعنى معين وربما يكون تحت سلطة اتحادية عالمية من نوع ما تكون تطويراً نوعياً للأمم المتحدة. وهذا بالطبع لو حدث سوف يستغرق وقتاً طويلا من الزمن.. أي أنه قد يكون ممكناً فقط على المدى الطويل.

ولكن ليس جميع اليوتوبيات مؤجلة إلى الأمد الطويل. فهدفنا في الحقيقة ليس الحديث عن الأجل الطويل وإنما عن الحاضر. ما أعتقد أنه ممكن هو استلهام تلك اليوتوبيا لتحطيم التصور التقليدي حول الكيفية التي تعمل بها الدولة الوطنية (أو الدولة القومية إن شاء الله يوماً ما قريباً) وهو التصور الذي قام على التنميط. فالكل يخضع في هذه الدولة الوطنية لشروط نمطية (قانون نمطي- مؤسسات نمطية- عقيدة عامة قابلة من حيث المبدأ للتنميط). وكان ذلك هو مهمة الدولة الوطنية: دمج الجميع في كلٍّ واحد أو في نسق واحد باعتبار الجميع أمة متجانسة بالقوة إن لم يكن بالفعل. إننا لا نحتاج لاقتراض منظور ما بعد الحداثة لتأكيد جواز أو إمكانية نمط آخر يقوم تحديداً على التنوع المرن: أعنى توفر عدة تجارب أو بدائل يستطيع الناس أن يتنقلوا بينها بحرية. وهنا نأتي إلى يوتوبيا الدولة- الفكرة. فثمة إمكانية على الأقل لتجريب منح جماعات أو تيارات فكرية مختلفة فرصة تجريب أفكارها في مناطق معينة ويسمح لكل من يؤمن بهذه الفكرة بالانتقال والانتماء لهذه التجارب التي تجسد أفكاراً. في هذه الحالة يمكن حتى لأشد الناس تطرفاً أن يؤسس نوعاً ما من الدولة (بالمعنى الحرفي: حالة زمانية) وأن يخاطب الناس بها. فمن اقتنع فليذهب ليحيا في داخل فكرته: الدولة التي يفضلها ويصبح جزءاً مادياً منها وعضواً بجغرافيتها. وقد يحل هذا المدخل مشكلة التطرف فيستغني المتطرفون عن العنف كطريقة لإقناع الناس بفكرتهم أياً كانت وتكون لهم الفرصة في التدليل على صحتها إذا ما نجحوا في إنشاء تجربة ملهمة لمن يؤمن بها. وقد يحل هذا المدخل مشكلة العراق وربما أيضاً مشكلة فلسطين.

"الاتحاد"