الإرهاب وضرورة إصلاح الإسلام

السفير

منذر بدر حلوم

يُذبح اثنا عشر نيبالياً، إسلام، تفجّر محطة مترو، إسلام، تُنسف طائرات مدنية، إسلام، تُحتل مدرسة وتوضع أرواح خمسين طفلاً مقابل روح كل إرهابي، إسلام، تفجّر باصات هنا وقطارات هناك، وقبلها مشافٍ ومسارح وغيرها، وغيرها.. وذلك كلّه مع إسلام متوّج بالخط الكوفي على الشاشات. أليس ذلك كلّه فعل إسلام، الأخضر لون ينفتح لديه على أنهار دم حمراء تجري في الشوارع والساحات؟ إنهم مسلمون في كل مكان، وإنّه إسلام في أسماء جميع المنظمات التي تقطع الرؤوس بسكيّن يقُدِّس بالفاتحة قبل الذبح. الضحايا يُذبحون على الطريقة الإسلامية، المسيحي منهم والبوذي واليهودي، وتسفّه أرواحهم على الطريقة الإسلامية، فإذا بهم مجرّد كفار، مجرّد وقود للنار، مجرّد أعداء أو أعداء محتملين أو أصدقاء أعداء أو جيران أعداء، أو.. أو.. وإذا بالأرواح لا قيمة لها، وإذا بالأجساد معروضة للفرجة على طاولات إسلام وإسلام وإسلام، وإذا بالإعلام الإسلامي يبحث عمّا يبرئ ال(إسلام) من جرائم (الشهادة)، يبحث عنها في أسباب لا تجعل دم المقتولين أقل وآلامهم أخف وموتهم أهون. إنه إسلام يخرج من تحت العمامات والعباءات والجلابيب، فإذا به يزيّن الشاشات بلوحات الأشلاء، لوحات أنّى لغيرنيكا بيكاسو أن تجاريها! فهل هو مجرّد إسلام هنا وإسلام هناك أم هو الإسلام بأل التعريف؟ أليس الإسلام هو كل هذه الإسلامات؟ أم هل يفيد نزع أل التعريف في تخليص الإرهاب من إسلاميته؟ هذه الأسئلة المنطوية على إجاباتها تنضوي تحت سؤال أمّ واحد: ما هو الإسلام؟ هل هو إسلام تاريخي، وبالتالي عسكري واقتصادي وسياسي، أم هو إسلام الكتاب فقط؟ وبصورة مشابهة نستطيع أن نسأل: ما هو البعث؟ أهو نظامه الداخلي ودستوره ومنطلقاته النظرية فقط، أم هو تاريخ البعث أيضا، من لحظة ولادة الفكرة إلى لحظة انهيار التماثيل؟ الإسلام أعجب ذلك المتغنين برحمته أم لم يعجبهم هو كل زنخ التاريخ الإسلامي ونتانته، إضافة إلى الأشياء الأخرى الجليلة والأشياء التي قد تعجب هذا ولا تعجب ذاك، كما هو البعث حلبجة، إضافة إلى أوراقه النظرية.
وهكذا، فثمة إرهاب جالب للعار لا بد من الاعتراف بإسلاميته. أمّا من لا يطيق العار، من يريد أن يتطهَّر من دمغة الإرهاب البشعة التي تدمغ روحه، ناهيك عن جواز سفره وسحنته، فعليه أن يقلّب طيّات عقله بحثاً عمّا يختبئ في ثناياها من إرهاب تحت أسماء جميلة خادعة، قبل أن يقلّب طيات ثيابه بحثاً عن ذلك الوحش الذي يتجمّل بالحق حيناً وبالعدالة حيناً آخر وبأشياء أخرى جليلة في أحايين ثالثة. عليه أن يراجع الروابط التي تربط اعتقاده الديني بالحياة قبل أن يراجع علاقته بما بعد الحياة. وليس لمسلم اليوم، على ما في الانتماء من تبعية دم إلزامية لا حرية فيها لأحد، أن يغمض عينيه عن استحقاقات مواجهة الذات، المواجهة التي لولا الخوف من الإرهاب لأفضت إلى استنتاجات قد تكون في صالح الردة، هذا إذا كان لكلمة الردة عن أشياء تأتي بالوراثة لا بالاعتناق معنى. لكن، ما يورَّثُ ليس هو الإسلام المعلّق في الهواء، الإسلام الذي لا علاقة له بالواقع، إنّما هو آخر نسخة من الإسلام، نسخة الجزائر وأفغانستان وموسكو ونيويورك، نسخة الطائرات والباصات ومحطات المترو والمسارح ودور السكن.. ما يورَّثُ هو عقيدة جهادية تستسهل سفك دم الآخر، فما أسهل حشر الآخر في خانة الأعداء! ما يورَّث هو عقيدة تتسع لفتاوى تحرّم العقل وتبيح القتل وتلغي الزمن، عقيدة يعاد إنتاجها، يومياً، مدعومة بوسائل إيضاح عصرية تستخدم آخر منجزات التكنولوجيا للتعبير عن العجز. فإذا بفطيرة من اللحم البشري الطازج يعدّها مسلمون مؤمنون هديّة للسماء، لتكون حجة حق ودليل جهاد في سبيل الحق المطلق.
نعم، نحن، بصفتنا مسلمين، ننتج اليوم الإرهاب ونرعى الإرهاب ونمجّد الإرهاب، وإذا ما أدنّا الإرهاب ندينه مضطرين، تدفعنا إلى ذلك موازين القوى والمصالح والدبلوماسيات، راسمين على وجوهنا ملامح الأسف فيما قلوبنا تضحك للنجاح الباهر، لعدد القتلى العظيم. وللأسف، لا يغير في هذه الحقيقة السوداء شيئاً أن يكون وراء عمليات إرهابية محدّدة عقل أميركي أو إسرائيلي أو روسي مدبّر، ولا أقول مصلحة هذا أو ذاك لأن إرهابنا يصبّ دائماً في صالح غيرنا، كما لا يغيّر في هذه الحقيقة أن يكون الساعون إلى قتل أنفسهم فقراء أو جهلة أو مُعدَمين، فما أكثرهم بين شعوب الأرض، لكنّهم على كثرتهم لا يركبون جثث الآخرين إلى الجنة الموعودة.
هي حقيقة لا بد من الاعتراف بها كخطوة أولى نحو إسلام غير إرهابي، نحو سحب الوكالة الإلهية الحصرية بشؤون الدنيا والآخرة ومصائر العباد من يديه، نحو إسلام يصلّي من أجل تحرير الأرض، تاركاً لمن عليه، بحكم قوانين الأرض، أن يدير شؤون الأرض، نحو إسلام يربي على قيم الحق والعدل، تاركاً إحقاقها للمؤسسات المعنية بالحقوق والعدالة. الإسلام، كمؤسسة دينية، بحاجة، اليوم، إلى تحديد دقيق للحمل التاريخي لتعاليمه ولنتائج تعاليمه على الأرض، بحاجة إلى تحديد دقيق لموقعه بين الأرض والسماء، بين الدنيوي والأخروي. فإن اختار الأرض كان عليه أن يخضع لقوانين السياسة التي تسوس الأرض، تاركاً المقدّس لمن يُعنى بالسماء، وإن اختار السماء كان عليه أن يترك شؤون السياسة الأرضية لمن يعنى بالأرض. أما أن يتمسّك بهذا وذاك ففي ذلك إرهاب محتم وموت محقق. الإسلام بحاجة إلى إصلاح حقيقي. وحاجته، بل الأصح حاجتنا، إلى ذلك لا تقل عن حاجة النظام السياسي العربي إلى الإصلاح. ولا يخفى على لبيب اتفاقهما، من حيث المبدأ، على شؤون القهر والموت.
ولما كانت المؤسسة الدينية لا تُصلح ذاتها من تلقاء ذاتها، وقعت المسؤولية على المسلمين جميعاً، أفراداً وجماعات. فالإصلاح يكون بأشخاص محددين، أشخاص يجرؤون على إمعان النظر في أنفسهم ورؤيتها على حقيقتها مع كل ما فيها من فظاعة وبشاعة ورياء وادعاءات كاذبة، ومع كل ما فيها من رغبات ونزوعات مقموعة، ويجرؤون على إعادة النظر في ما ورثوه من قراءات للمقدس ومن تعاليم ومفاهيم وفي يقينياتهم وينبغياتهم، أشخاص يعيدون الاعتبار لعقولهم وللواقع، أشخاص قادرين على الاعتراف دون وجل بأنْ (نعم، يعشش الإرهاب فينا، بصفتنا مسلمين، وعلينا طرده مع كل ما يعلق به من أوهام)، أشخاص ينظرون إلى وجوههم المرهوبة أو الإرهابية أو الإرهابية المرهوبة في المرآة برجولة تكفيهم لتمييز ملامح الوحش المستترة خلف قناع يتجمّلون به، قناع من مسحة إنسانية عامة توهم الناظر إليها بأنها لا ترى فرقاً بين عربي وأعجمي حتى بالتقوى، ناهيك عن (إلا بالتقوى)، أشخاص يجرؤون على القول: هذا موت عبثي، وهذا قتل وحشي لا يجلب الجنة. فأن يكون المرء شهيداً أو لا يكون مسألة لا تقررها دواوين الشيوخ.
المؤسسة الدينية لا تُصلح نفسها من تلقاء نفسها ولا تقبل الإصلاح من الخارج، مع كل ما لعوامل الخارج من أهمية في تعزيز تزمتها أو تهيئة الظروف لانفتاحها. فهل يعني ذلك أن علينا انتظار مصلح ديني يأتي من مكان ما، مصلح عابر للطوائف، يعيد إنتاج الإسلام دون أن يستخدم في خلطته الجديدة الدم واللحم البشريين، بل دون أن يقول بالحق في استخدامهما..؟ للأسف، المزيد من الانتظار يعني المزيد من الموت، ويعني، إضافة إلى الموت، الخروج أكثر فأكثر من التاريخ. ولكن يقول عقلي معترضاً حتى لو جاء مصلح ما، بارد الرأس دافئ القلب، فكم من الدم سيراق من أجل أن يغدو قوله ممكناً أو مسموعاً، وكم من الزمن سيحتاج لنزع الصواعق المزروعة في رؤوس المسلمين؟! قد يكون زمن الإصلاح طويلاً وضريبته باهظة، لكنه قد يكون الطريق الوحيد لعودتنا، كمسلمين، إلى التاريخ، إنّما، ليس بصفتنا مسلمين أو إرهابيين.
وهكذا، يغدو الإصلاح الديني الإسلامي ضرورة ملحّة، اليوم، ليس فقط لوقف الإرهاب، بل ولعودة شعوبنا إلى التاريخ ليس من باب الانتحار، إنّما من أبوابه الأخرى التي ما زال كثيرون بيننا يعرفون كيف تُفتح وكيف تؤتى ثمارها. فهل يقبل الدين الإسلامي الإصلاح، أم تراه عصياً عليه؟ قبل الشروع في الإجابة يجد المرء نفسه مضطراً للتساؤل: ماذا يعني أن أكون مسلماً؟ وماذا يعني أن أكون، إلى جانب ذلك، مواطن بلد ما، أو مجرّد إنسان خارج الديانات؟
(
) كاتب سوري