الخيارات السورية المعقدة

 

القدس العربي

 

عبد الباري عطوان
لا نعتقد ان وليم بارنز مساعد وزير الخارجية الامريكي لشؤون الشرق الادني (لاحظوا التسمية) قلق كثيرا من التواجد السوري في لبنان بقدر ما هو قلق من سلبية سورية في العراق.
ويخطئ الكثير من اللبنانيين، خاصة اولئك الذين يعولون كثيرا علي امريكا، اذا اعتقدوا ان الادارة الحالية حريصة فعلا علي انهاء الوجود العسكري السوري في لبنان، لان هذا الوجود ما كان له ان يتم لولا المباركة الامريكية اساسا. فلبنان لا يزيد كونه عن ورقة ضغط علي سورية، مثلما كان حال الاكراد والكويت مع بغداد.
نشرح اكثر ونقول بان الولايات المتحدة الامريكية لم تعترض، وعلي مدي العشرين عاما الماضية، علي هذا الوجود، والتدخل السوري في الحياة السياسية اللبنانية بفعله، لان سورية لم تعارض بشكل كاف ومؤثر مسيرة التطبيع العربية، واتفاقات اوسلو ووادي عربة، والدور الرسمي المصري النشط المسهل لهذه الاتفاقيات والمعاهدات.
الادارة الامريكية تطالب بانسحاب القوات الامريكية من لبنان، وتستصدر القرار رقم 1559 عن مجلس الامن الدولي الذي يدعم مطالبها هذه ويشرعنها، لانها تريد تعاونا سوريا اكبر في العراق، لا يقتصر فقط علي احكام اغلاق الحدود في وجه عمليات تسلل المقاومين والمجاهدين فقط، وانما في مجالات التعاون الاستخباري والمعلوماتي، تماما مثلما فعلت سورية اثناء مشاركتها في الحرب ضد الارهاب، وهي المشاركة التي حمت ارواح عدد كبير من الامريكيين، مثلما اكد اكثر من مسؤول سوري.
الولايات المتحدة تعيش مأزقا حرجا في العراق، ومشروعها الاحتلالي ينتقل من فشل الي آخر، وسيطرة قواتها علي الاراضي العراقية باتت شبه معدومة، وحكومة اياد علاوي التي عينتها في مسرحية انتقال السلطة في اوائل تموز (يوليو) الماضي تتخبط، وتتآكل مصداقيتها يوما بعد يوم.
فقبل ثلاثة ايام تجاوز عدد القتلي الامريكيين في العراق حاجز الألف النفسي، وهذا الرقم لا يشمل المتعاقدين الامنيين ، وحملة البطاقة الخضراء (
Green card)، كما انه لا يشمل الطباخين والخدم والكناسين من الذين يوفرون الخدمات لاكثر من مئة وخمسين الف جندي امريكي.
الادارة الامريكية وصلت الي قناعة راسخة مفادها انها لا تستطيع السيطرة علي العراق، ولذلك هي في حاجة ماسة الي مساعدة الدول العربية المحيطة، لانها الاقدر وبحكم خبراتها القمعية، علي لجم الجماعات المسلحة، سواء من خلال اختراقها امنيا من قبل العملاء، او المشاركة في تصفيتها ميدانيا من خلال ارسال قوات امنية تقاتل بثياب عسكرية امريكية.
الترهيب الامريكي لسورية مهم، لان اي مشاركة سورية الي جانب امريكا في مواجهة المقاومة العراقية ستعني فتح الباب علي مصراعيه امام مشاركات عربية اخري، ولا بد من التذكير بان ارسال قوات سورية، ولو رمزية، للانضمام الي تحالف حفر الباطن لاخراج القوات العراقية من الكويت، هو الذي جعل سابقة المشاركة العسكرية العربية الي جانب القوات الامريكية، ضد بلد عربي، امرا طبيعيا وان كان مستهجنا شعبيا، وهو الذي شجع الرئيس مبارك علي استصدار قرار من قمة الجامعة العربية بتبرير هذه المشاركة واضفاء الشرعية العربية عليها، ولذلك لم يخطئ الرئيس حافظ الاسد عندما قال لوفد كويتي زائر ان سورية هي التي حررت الكويت.
الحكومة السورية انحنت كثيرا لعاصفة الضغوط الامريكية، واحكمت اغلاق الحدود فعلا، وابعدت رموز المعارضة العراقية الوطنية، واقامت استقبالات حافلة للدكتور علاوي واعضاء حكومته، واوقفت في الوقت نفسه استقبال الوفود العراقية المعارضة القادمة من العراق. ولكن كل هذا غير كاف من وجهة النظر الامريكية.
وليم بارنز احضر معه وفدا كبيرا الي دمشق يضم خبراء عسكريين يحملون خرائط وخططا مفصلة حول طبيعة التعاون السوري المنتظر، بما في ذلك ترتيب دوريات امريكية ـ سورية مشتركة علي الحدود وتعاون استخباري.
والسؤال المطروح هو حول مدي استجابة سورية لهذه الضغوط الامريكية، وحدود مثل هذه الاستجابة.
الاجابة عن هذا السؤال تبدو صعبة للغاية، لان الاخبار القادمة من سورية في هذا الاطار شحيحة للغاية، والقيادة السورية ليست معروفة بشفافيتها، ولكن السماح لوليم بارنز بتوجيه انذارات وقحة الي الحكومة السورية، في قلب مدينة دمشق، وبعد لقائه مع الرئيس بشار الاسد، يوحي بان القيادة السورية تريد ايثار السلامة، وتجنب الصدام مع الادارة الامريكية بأي شكل من الاشكال لعلها تكسب المزيد من الوقت، أو تحدث معجزة ما.
ان اكثر ما نخشاه ان تكون خطوة تعديل الدستور اللبناني، والتمديد للرئيس اميل لحود ثلاث سنوات اخري، باهظة التكاليف بالنسبة الي الحكومة السورية. فالثمن الذي بدأت سورية تسدده من جرائها، سواء في لبنان او العراق او داخل سورية نفسها، او علي صعيد علاقاتها الدولية والاقليمية اكبر من ان يحتمل، او بالاحري اكثر ضررا بكثير من فوائد التمديد القليلة.
بعبارة اخري نخشي ان تخسر سورية لبنان والعراق، وقرارها المستقل وكرامتها الوطنية، وماضيها المشرف، دون ان تربح امريكا، فتجربة الرئيس العراقي صدام حسين هي الدليل الأبرز، ومعاقبة السودان بأثر رجعي، رغم كل ما قدمه من تنازلات لامريكا في جنوب السودان، والحرب علي الارهاب، وابعاد قادة تنظيم القاعدة، هي مثال آخر.
فالانسحاب السوري من لبنان ليس كافيا لوحده، ويجب ان يتزامن مع دخول قوي في المستنقع العراقي. فهذه هي المعادلة القاتلة التي يجب ان تتعامل معها سورية في الاشهر المقبلة.
نعم سورية تقف وحيدة في محيط عربي متواطيء ومستسلم، ولكن ما ظل يميزها دائما عن غيرها هو كونها مختلفة، صلبة في وطنيتها، عنيدة في مقاومتها، وفية لثوابتها، وخسارتها لهذا التميز هي انضمامها الي القطيع، وتضحية بهويتها وكل رصيدها، وهذا ما لا نتمناه لها.