الجامعات السورية... لماذا لا يدور النقاش هنا ؟ !

 

رستم محمود

في تصور لا يخلو أقله من الهزل، ولا أكثره من الحكمة، ماذا لو كان أنف كليوباترا اكبر مما كان عليه؟ فهل كان أنطونيو سيحبها ذلك الحب الشهير الذي أحدث الحرب الرهيبة التي غيرت مجرى التاريخ المرتبط بأنف كليوباترا.

كنت أتذكر هذا وأنا أتابع على صفحات النهار منذ فترة النقاش الدائر حول وضع التعليم الجامعي في سوريا، والذي بدأه الاستاذ روفائيل خماسمية بدراسته التحليلية المطولة عن فساد التعليم الجامعي في سوريا، والتي تناولت الجامعات السورية تاريخياً والاسباب التي أدت الى تراجع مستواها، والفساد الذي ينخر عظم الهيئة التدريسية، وتغيير الجهة المتحكمة بالقرار الجامعي من جهة علمية الى اخرى حزبية سياسية، هي مكتب التعليم العالي في القيادة القطرية لحزب البعث.

ثم تابع الاستاذ نضال معلوف مدير المركز الاقتصادي السوري متحدثاً عن حالة الهرم التي أصابت الجامعات السورية مذكراً بالمظاهر الخارجية من الشبابيك المكسرة الى الابواب المخلعة والابنية غير النظيفة الى اشياء اخرى ليست الا دليلاً على مدى الترهل والعجز الذي يعكس اشياء أعمق وأكبر.

ثم جاء رد الاستاذ أكرم مكنا واتهمهما بـ اللاغيورين ودافع عن واقع الجامعات السورية واعتبر أدلتهما اجتزاء للحقيقة داعياًً للدخول الى جوهر المسألة وصلبها معتبراً انهما ناكران للجميل ولم يحفظا فضل الجامعة عليهما عندما انتقدا واقعها ودعا الى رحلة في أسس القضايا وليس ظاهرها. وها أنا أوافقه في هذه الرحلة في القضايا الكبيرة، وطبعاً ليست الكبيرة جداً لأنها...

اولاً: تقسيم الناس الى واحد غيور، وآخر غير ذلك، اصبح من القضايا الكبرى التي بدأت تجتاح لغة مثقفينا الذين تخرجوا من هذه الجامعة على الاغلب وهذا يستدعي التوقف عنده، فهل كنا كذلك قبل ردح من الزمن؟

فالمتهم اللاغيور هو المنتقد الذي يفضح الواقع. ولا أرى من جميل يُرد الى منبر علمي نهلنا منه العلم غير نقد واقعه ومحاولة اعادة بنائه على أسس اكثر حداثية. ومن يرى غير ذلك فليترك الاعلام والشأن العام إن لم أقل الثقافة وليبحث عن عمل في العلاقات العامة.

ثانياً: أوَليس من القضايا الكبرى ان يدور هذا النقاش عبر وسيلة اعلام غير سورية والجامعات السورية تحوي من الطلبة والاساتذة ربما اكثر من سكان بعض الدول الاوروبية او العربية، وهي تفتقد الى اصغر منبر للتعبير عن اسئلة الطلبة والكادر التدريسي، وتفتقد ايضاً الى المجلات المتخصصة التي تعبر عن الحالة الابداعية والتواصلية مع العلم بكل تطوراته للكادر والطلبة، حيث لا يوجد سوى مجلة واحدة خاصة بالعلوم الانسانية من آداب بكل اللغات، الى التاريخ والفلسفة والجغرافيا، وربما تضم بعض المقالات في مناسبات غير قليلة وهذا دليل تداخل كشكولي رهيب.

ثالثاً: ألا تتطلب هذه المجلات المتخصصة مراكز بحوث لتنتج المواد والابحاث القابلة للنشر وأتساءل هل نستطيع ذكر سوى مركز واحد هو مركز الدراسات الاستراتيجية الذي يفتقد الى البناء الجيد والموازنة المخصصة للمؤتمرات وسد احتياجات الباحثين.

رابعاً: وطبعاً هذه المراكز إن وجدت تتطلب البحث العلمي الجيد، فعلى سبيل المثال رواتب الهيئة التدريسية بالكاد تسد الرمق، وكذلك تخلو جامعاتنا من التفرغ العلمي الذي يعطى سنة كاملة كل اربع او خمس سنوات لعضو الهيئة. بينما في جامعاتنا تعطى ستة اشهر لمرة واحد طوال العمر.

خامساً: هذه الامور أدت الى غياب الكادر التدريسي المتميز النخبوي الذي يشكل حالة فكرية وثقافية وسياسية رائدة تحمل هم المنجز الاجتماعي.

ففي قسم الفلسفة في كلية الآداب يوجد اكثر من ثلاثين دكتوراً، فهل يستطيع اي مثقف تذكر أكثر من اربعة اسماء منهم؟ وهذا إن دل على شيء إنما يدل على غيابهم عن الساحة الثقافية والفكرية او تغييبهم.

استدراك؛ لا أريد إكمال هذه السلسة من الارتباطات التي انطلقت من الاعلام.

فالدخول في أي صغيرة من صغائر مشاكل جامعاتنا يربطنا بكم من الهموم المرتبطة التي لم تسمح الظروف، ولا بعض مثقفينا، بتداولها، فالكم الهائل على حساب الكيف حول الجامعي السوري الحامل بذرة الحداثة والافكار الجديدة، مفتشاً عن فرصة عمل قبل أن يتخرج، على ابواب الشركات الخاصة، وبين صفحات الجرائد الاعلانية ناسياً دوره في التحصيل والبحث العلمي، اذا لم أقل دوره السياسي والثقافي والاجتماعي.

اذا كان المتناول للقضايا الكبرى لا غيوراً والصغرى مجتزأ فالمسألة اكبر من بعض الاشكاليات البسيطة وكأننا نتحدث عن السوربون او أكسفورد، بل بالباب المخلوع والشباك المكسور المرتبط حتماً بالطالب الذي تحول بقدرة جامعاتنا السورية الى آلة تسجيل وعقلية ميكانيكية (إن كان يصح أن نسميه طالباً لا مطلوباً) مرتبطة بالكادر المتعب والمقرر العجوز الذي سيكون لوناً شاحباً من صورة جيل لا نعرف كيف سينعت لكنه ليس بأجمل من أنف كليوباترا غير القصير.

(دمشق)