توقيت قرار مجلس الأمن ليس لمنع التمديد بل لجعله خرقاً للقانون الدولي -نجاحات أميركية: تدويل قانون محاسبة سوريا ومطلب حل المقاومة

 

ابراهيم الأمين

كيف ستتصرف الأمم المتحدة والدول الكبرى إزاء القرار 1559 وكيف سيتصرف لبنان وسوريا إزاء القرار المذكور؟
إجرائيا يفترض بالأمين العام للامم المتحدة كوفي أنان المباشرة بخطوات تهدف الى متابعة تنفيذ القرار. ومبدئيا يفترض به ان يرسل موفدا له الى المنطقة للبحث بالامر. وحتى اللحظة فإن لأنان موفدا في المنطقة هو تيري رود لارسن الذي يستمر في منصبه حتى نهاية هذه السنة، حيث ينقل إلى منصب آخر، هو رئيس أكاديمية السلام التابعة للأمم المتحدة التي تتخذ من نيويورك مقراً لها. ولكن المشاورات الاولى لا تشير الى أن انان قد اختار بديلا عنه للمنطقة. ومع ذلك فثمة من قال بأن لارسن نفسه ربما يكون على بينة من أمور تخص العملية السلمية في المنطقة ولكن من الصعب أن يكون لديه الخبرة الكافية في العملية اللبنانية الداخلية وطبيعة العلاقات اللبنانية السورية. وهو أمر قد يدفع بأنان إلى البحث عن موفد آخر من غير استبعاد العودة الى تكليف الاخضر الإبراهيمي بهذه المهمة.
لكن مصدراً معنياً في الامانة العامة للامم المتحدة يعرب عن اعتقاده بأنه من المبكر الآن الحديث عن توجه خاص لدى أنان. وأن هناك ميلا واضحا للهدوء وترقب الامور. وأن هناك أحداثا متوقعة خلال الاسابيع المقبلة قد تسهل على أنان مهمته. وخصوصا الموعد السنوي لانعقاد الجمعية العامة للامم المتحدة نهاية هذا الشهر. وهي المناسبة التي تتيح وصول عدد كبير من مسؤولي الدول الى الامم المتحدة. وحسب المداولات الاولية فإنه لا يتوقع وصول عدد كبير من الرؤساء الى هذه الدورة بل إن الامر سوف يترك لعدد كبير من رؤساء الحكومات ولوزراء الخارجية. وربما السبب في ذلك هو أن الرئيس الاميركي جورج بوش قد لا يحضر الى الجمعية العامة بسبب انشغالاته في الانتخابات الرئاسية الاميركية. وهذا ما يدفع بآخرين من الرؤساء الى عدم الحضور.
وحسب هذه المصادر فإن انان يفضل في هذه الحالة انتظار وصول المسؤولين الكبار والتباحث معهم في الأمر، والاستماع الى تقييمهم للقرار وطريقة متابعته، وإن ذلك لن يحصل إلا في الأسبوع الأخير من هذا الشهر. حتى إذا جاء موعد الثاني من الشهر المقبل يكون أنان على عتبة تقرير قد تكون نتيجته الاكتفاء ببيان رئاسي أو ربما الذهاب نحو قرار آخر إذا ما واصل الاميركيون ضغوطهم الكبيرة في هذا الاتجاه.
وتكشف المصادر الدبلوماسية في الامم المتحدة أن الضغوط الاميركية لم تكن عادية، وأنها سوف تستمر خلال الفترة الفاصلة، وأنه يجب النظر الى العامل الاميركي من زوايا عدة ومن بينها الانشغال بالانتخابات الرئاسية. ما يجعل استراتيجية الانتخابات تتقدم على الاستراتيجية السياسية. وهو الامر الذي يترجم عادة بدبلوماسية <<الصوت المرتفع>>. وما يقلل فرص الحوار حتى فترة لاحقة.
ولفتت المصادر الى ان الضغط الاميركي الذي مورس خلال اعداد القرار لم يكن عاديا، وأن مسؤولين في مكتب انان وفي مجلس الامن لاحظوا اصرارا اميركيا لا سابق له في ملف لبنان، سواء لناحية مضمون القرار او لناحية توقيته. وفسرت المصادر الاستعجال في اقرار المشروع قبل موعد الجلسة النيابية اللبنانية لتعديل الدستور، بأنه لم يكن يستهدف منع إقرار التمديد. إنما كان المطلوب اعتبار هذه الخطوة بمثابة خرق فاضح من جانب سوريا والحكومة اللبنانية لقرار دولي. بما يجعل المشاورات اللاحقة تنطلق من أن هناك خرقا لهذا القرار، وأن الاميركيين سوف ينطلقون في ضغوطهم اللاحقة من هذه الزاوية. وهم يدركون مسبقا ان الوجود العسكري السوري لن يختفي من لبنان خلال هذا الشهر كذلك فليس هناك ما يشير الى امكانية النظر في سلاح المقاومة أو في ملف المخيمات الفلسطينية.
وبرأي المصادر فإن الهدف الأخير من هذا النشاط الاميركي هو إقناع الاوروبيين بضرورة الانضمام إلى حملة مطاردة ومراقبة سوريا. والحماسة التي اظهرها الفرنسيون ومعهم بريطانيا وألمانيا، جعلت الاميركيين أمام فرصة لتحقيق ما عجزت عنه الدبلوماسية الاميركية السابقة بما خص لبنان وسوريا وهو الآتي:
اولا تدويل قانون محاسبة سوريا من خلال ادخال المواد الرئيسية فيه كبنود في قرارات صادرة عن مجلس الامن وهو ما كان يرفضه الاوروبيون سابقا.
ثانيا إلزام الاوروبيين او جرهم الى التعامل مع حركات المقاومة في المنطقة ولا سيما <<حزب الله>> كمنظمة ارهابية تهدد السلم الدولي. وما جاء في قرار مجلس الامن لناحية الدعوة الى نزع سلاح الميليشيات ( المقصود حزب الله) يلبي هذا الطلب بعدما رفضت دول غربية عدة ومن بينها فرنسا وأسبانيا وحتى ألمانيا خوض معركة إدراج اسم <<حزب الله>> على اللائحة الاوروبية للمنظمات الارهابية.
ثالثا حصر النقاش في الملف اللبناني السوري بما يحقق مطلبا اميركيا وإسرائيليا مزمنا بفصل هذا الملف عن ملف الصراع العربي الاسرائيلي. وهو الإنجاز الاكبر، وحتى اللحظة ليس معلوما سبب تراجع الرئيس الفرنسي جاك شيراك عما كان قد أعلنه في خطابه الشهير امام مجلس النواب اللبناني من أن الوجود العسكري السوري مرتبط بشكل او بآخر بالتسوية الشاملة للصراع في المنطقة. وقبوله بأن الوجود العسكري السوري تجب معالجته لأسباب تخص لبنان وحده وبالتالي التورط في المطالبة بانسحاب القوات السورية من لبنان بلا أي تأخير، وبالتالي بمعزل عما يجري في المنطقة.
وإلى جانب النصائح الواضحة من جانب الدبلوماسية العاملة في الأمم المتحدة للبنان وسوريا بالتحرك السريع لمواجهة الأمر انطلاقا من أن الأمر جدي للغاية وأن الولايات المتحدة تفتح حسابا جديدا للبنان وسوريا يضاف الى برنامجها القائم على هذه الوتيرة التصاعدية منذ وقت طويل. وأن الاندفاعة الاوروبية جدية أيضا وهناك حاجة لحوار سريع ومكثف مع الاوروبيين حول هذه النقطة وغيرها.
وتملك هذه الاوساط ملاحظات على الأداء الدبلوماسي اللبناني والعربي في مواجهة هذ الاختبار. وتورد الآتي:
إن تصرف الوفد اللبناني لم يكن سلبيا لكنه عكس ارتباكا من نوع يعرفه المطلعون على التركيبة اللبنانية وعملية الحشد ومد البعثة في الأمم المتحدة بدبلوماسيين من مناطق اخرى، يكشف عن الثغرة الناتجة أصلا عن طريقة اختيار الدبلوماسيين لمواقع بهذه الحساسية. وإن الإدارة الرسمية في لبنان لا تلتفت الى هذه الثغرة الا عند الأزمات. فتبدو الحسابات الطائفية والسياسية المتبعة في عملية التعيين متضاربة حتى الحد الاقصى مع متطلبات المواجهة. ما يجعل الفواتير التي يدفعها لبنان في الازمات لها كلفتها الأكبر بكثير من كلفة تعيينات لا ترتبط فقط باعتبارات طائفية وسياسية. وهذا يدفع الى استنتاج بأن أي تاخير في بت هذه المسألة بعيدا عن الحسابات اللبنانية الصغيرة سوف يترك الآثار المدمرة على السياسة الخارجية.
الأمر الثاني يتعلق بالتنسيق مع الدول العربية. إذ كشفت المداولات الأولية ان المندوب الجزائري كان متفهما لا بل مؤيدا لمشروع القرار. وأنه عبر عن موقفه هذا بوضوح رابطا الامر بالشروحات التي سمعها من الجانبين الاميركي والفرنسي. وأن التغيير الجزئي الذي طرأ على موقفه كان بمثابة الفضيحة خلال التصويت عندما مارس الامتناع. إذ كان المطلوب منه التصويت ضد القرار.
وتلفت المصادر الدبلوماسية الى ان الامر يتعلق ايضا بضعف في التنسيق عند المجموعة العربية. اذ ان احدا لم يعرف ما اذا كانت الجزائر تصرفت من تلقاء نفسها ام انها عملت ضد رغبة المجموعة العربية، ولكن الأكيد بحسب المصادر ان أي جلسة تشاور لم تتم بصورة جدية بين المندوبين العرب. برغم ان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى كان موجودا في بيروت خلال ألازمة.