سايكس ـ بيكو جديد في لبنان؟

 

المبروك بن عبدالعزيز
فوجئ الجميع بتسارع التطورات السياسية علي الساحة اللبنانية-السورية، مما يدلّ علي أن ما وقع خلف الكواليس كان له الدور الرئيسي في مجريات الأمور. جاءت المفاجأة الأولي من سوريا ومن أصدقائها في لبنان الذين أصرّوا علي تمديد رئاسة الرئيس الحالي إميل لحود، دون أن يبرز للعيان سبب مقنع لذلك، أو مبرّر للخوف من شيء ما قد يحدث. فصلاحيات الرئيس في لبنان ليست مطلقة كما في بعض الدول الأخري. ولبنان سبق أن أجري انتخابات محلية بسلام في الآونة الأخيرة. وهو يبقي رغم خطورة موقعه وصغر مساحته واختلاف أعراقه وأديانه تاج الديمقراطية والحريات في الوطن العربي. ثم انتقل الموضوع بسرعة كبيرة إلي أروقة مجلس الأمن، وربّما لتخويف سوريا قبل تصويت البرلمان اللبناني، فجاء القرار رقم 1559 وغير الملزم. أصبح مجلس الأمن يراقب مدي احترام الدساتير في العالم، رغم أنّه لم يكن طرفا في وضعها، ويتدخل في الشؤون الداخلية للدول نيابة عن شعوبها، ز بالرغم من عدم وجود خطر وشيك يهدد تلك الشعوب، كل ذلك علي حساب حقّ الشعوب المصادق عليه في تقرير مصيرها. ومن يدري؟ قد نشهد مستقبلا مثلا مطالبة مجلس الأمن للدول الخليجية التي لا تملك دساتير بإنشاء دساتير واحترام حقوق المرأة و... وإلا فستتعرض تلك الدول لعقوبات اقتصادية.
انتهي وقت المكافأة التي حصلت عليها سوريا مقابل إرسال رمزي لبضع عشرات من الجنود للمشاركة في تحالف تحرير الكويت. ولم تستغل سوريا كل ذلك الوقت لصالحها، فقد أضاعت عدة مناسبات لترتيب البيت اللبناني، فكان بإمكانها مثلا تمرير ما تشاء من القوانين أثناء بدء الغزو الأنغلو ـ أمريكي للعراق، وحتي جعل لبنان جمهورية وراثية عندما كان الجميع مهتما بالحرب.
يُخشي أن نكون الآن أمام خطة لبنان أوّلا، إذ سيكون قطع الحبل بين لبنان من سوريا أول خطوة في سبيل القضاء علي محور: إيران ـ سوريا ـ لبنان. كما سينتهي دور لبنان كدولة مواجهة ديمقراطية لإسرائيل الديمقراطية . لأنه في نظر الغرب لا يمكن لديمقراطية عربية إنتاج عداء لإسرائيل، فلا حروب بين ديمقراطيتين، ولا بدّ من وجود طرف دكتاتوري وطرف حرّ أو من عالم بوش الحر. رغم أننا نعلم أنّ النازي هتلر وصل إلي الحكم بالانتخابات. وقد يكون مخطط فصل لبنان عن سوريا جزء من صفقة غير معلنة يعود بموجبها نفوذ فرنسا إلي لبنان كتعويض لها عن فقدانها لمكاسب كبيرة في العراق وخروجها منه بخفي حنين، أو كتعويض لها عن مزاحمة أمريكية منتظرة في المغرب العربي. وبالطبع ستكون إسرائيل أول المستفيدين في جميع الحالات، حيث سيؤدي إرباك لبنان وإضعافه وجعله ممزقا بين عمقه العربي السوري وبين التغريب المسيحي المتفرنس، إلي حالتين ممكنتين، فإما عودة الفوضي والحرب الأهلية لا قدر الله، وإمّا لجم المقاومة اللبنانية وإنهاء تواصلها مع الحركات الفلسطينية المسلّحة.
أما عن سيادة لبنان، فلو صدرت هذه المسألة عن غير فرنسا، صديقة العرب وخاصة مسيحييهم، لكانت أقرب إلي التصديق. إنّها تنتهك سيادة لبنان بحجّة الدفاع عن سيادته، فمن الذي وكّلها ذلك؟ بإمكان فرنسا أن تقدم الدروس في احترام سيادة الدول والظهور كبلد محترم للدساتير وللديمقراطية في العالم، وذلك بإعطاء السيادة لكورسيكا مثلا أو رواندا الذبيحة أو إفريقيا الوسطي التي ترابط فيها قوّاتها أو....
وكمثال آخر نلاحظ كيف لا تتدخل أمريكا وفرنسا بين تايوان و أمّها الصين، وربما يرجع ذلك لامتلاك الصّين لحق الفيتو في مجلس الأمن الذي يكشف لنا يوما بعد يوم عن اختلاله.
علي الإخوة السوريين أن يعلموا أن كلّ مظهر من مظاهر الانتخابات والديمقراطية في لبنان هو في صالح تقوية لبنان ومن ورائه سوريا، وأن كل مظهر من مظاهر الدكتاتورية حتي بحجة الصراع العربي الإسرائيلي لا يخدم الأمة العربية علي المدي البعيد، لأننا قد نظل نجري وراء سراب. فشارون الذي يُستدعي للمحاكمة يدير الصراع بثقة في النفس أكبر من أيّ حاكم مستبد. وتبقي الأنظمة الدكتاتورية المطلقة اكبر خطر علي الشعوب العربية وعلي الاستقرار الإقليمي، لأنها أصبحت تجلب الأخطار الخارجية، علاوة علي إنتاجها لأعداء في الداخل كان بإمكانها استيعابهم بدل ليّ ذراعهم، وهؤلاء لا يمكن تأمينهم بل سيزداد خطرهم مع التدخل الأجنبي السافر.
إن الحالة السورية تجعلنا حياري أمام مفترق طرق، فإما أن ندعم الديمقراطية والاستقلال في لبنان وفي كامل الوطن العربي، وإلا فسنجد أنفسنا مُجبرين علي الدفاع عن أنظمة مطلقة كالنظام السوري.
كاتب من تونس