ديموقراطية لبنان وخصوصية العلاقة مع سورية

مصطفى الفقي     الحياة     2004/09/7

عندما زار رئيس الوزراء الهندي الراحل راجيف غاندي دول المشرق العربي في نهاية الثمانينات من القرن الماضي عبر عن دهشته الشديدة عندما اكتشف ان المسافة بين دمشق وبيروت لا تزيد على مئة كيلومتر، واعتبر أن التدخل السكاني بين دول سورية الكبرى وهو واحد من مزايا المنطقة ومشكلاتها في الوقت ذاته، ذلك ما ذكره لي سفير هندي سابق كان قريباً من تلك الزيارة حينذاك. ونحن ندرك دائماً أن هناك دولاً عربية بينها خصوصية في العلاقة تنفرد بها وتتميز بنتائجها، فمصر والسودان بينهما علاقة خاصة، والعراق والكويت بينهما علاقة خاصة، وينسحب الأمر نفسه على العلاقة بين سورية ولبنان، لكن المهم في الأمر كله أن تستمد تلك العلاقات عن عبرة التاريخ درساً يؤكد لها أن الندية شرط أساسي للحديث عن الخصوصية ولا يمكن أبداً تصور علاقات سوية اذا غاب عنها التكافؤ والرضا الطوعي، ولبنان في العالم العربي يبدو بقعة مضيئة ومركز إشعاع حضاري وثقافي لا يمكن الإقلال من قيمته، لذلك فإن الحفاظ على وضعه التاريخي ومكانته في الشرق الأوسط هي أمر يستحق من كل العرب العناية والاهتمام، ولعلي أسوق هنا بعض الملاحظات المتصلة بذلك:

أولاً: إن لبنان كيان له مذاق خاص، فقوافل المثقفين العرب انطلقت منه في القرنين التاسع عشر والعشرين لتنتشر في بقاع مختلفة من خريطة ذلك الوطن العربي الكبير، وعندما سعى شعراؤه وفلاسفته وكتابه الى مصر طالباً للحرية وهرباً من المناخ الخانق للاضطهاد العثماني فإنهم أسهموا بدرجة كبيرة في حركة الصحافة والمسرح والسينما وغيرها من آداب العصر وفنونه، وظل لبنان دائماً واحة للفكر الحر والكلمة المستقلة وموئلاً للتيارات السياسية كافة في المنطقة العربية.

ثانياً: إن الحرب الأهلية الأخيرة في لبنان والتي امتدت إلى أكثر من خمسة عشر عاماً، كانت هي الأخرى محصلة للتناقضات السياسية كافة على الساحة العربية، وتصفية لحسابات قد لا يكون لبنان طرفاً فيها، كما أنها كانت تعبيراً عن رغبة إسرائيل في إيجاد الفرصة لاجتياح ذلك البلد العربي المتميز الذي تشعر الدولة العبرية بالغيرة من تحضره المتألق وديموقراطيته النسبية.

ثالثاً: عندما كنا طلاباً ندرس العلوم السياسية في جامعة القاهرة كان أستاذنا في ذلك الحين الدكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة السابق، يدرس لنا - في «قاعة بحث» مادة التنظيم الدولي - موضوعاً عن أهمية جامعة الدول العربية وإنجازاتها، وذكر يوماً أنه يكفي أن من مزايا وجود تلك الجامعة هي أنها حالت دون قيام صلح منفرد بين دولة عربية واسرائيل، وكانت الإشارات والهمسات يومها تتجه نحو لبنان بحكم خصوصيته وطبيعته وتركيبته وموقعه وعلاقته الوثيقة بالغرب حينذاك الى أن جعلت سخريات القدر أكبر دولة عربية هي التي توقع أول «اتفاقية سلام» مع اسرائيل وليس لبنان الصغير صاحب التوليفة الطائفية المعقدة.

رابعاً: عندما قامت الجمهورية العربية المتحدة نتيجة الوحدة السورية - المصرية ازداد نفوذ عبد الناصر في لبنان حين ساند الزعيم القومي وصول الجنرال فؤاد شهاب الى سدة الرئاسة في بعبدا ووقف ضد التيار الغربي المساند للرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون. وتزايد نفوذ مصر على الساحة اللبنانية لسنوات عدة كان السفير المصري فيها الضابط السابق عبد الحميد غالب صاحب نفوذ واضح على نحو جعل لمصر كلمة مسموعة في اختيار الرئيس اللبناني الراحل شارل حلو مع نهاية العهد الشهابي، وبقيت مصر ظهيراً للسنة في لبنان حتى بداية الحرب الأهلية ومضت على سياسة ثابتة منذ أن دافع عبد الناصر عن خصوصية لبنان حتى قال السادات من بعده قولته الشهيرة: «ارفعوا أيديكم عن لبنان».

خامساً: إنني أتفهم جيداً متطلبات الأمن القومي المشترك الذي يربط بين الدولة السورية والدولة اللبنانية ولا أنكر أن سورية قامت بدور فاعل في إنهاء الحرب الأهلية والإسهام في استقرار القطر اللبناني، ولكنني أرى في الوقت ذاته أن للبنان شخصية مستقلة وهوية متميزة في إطاره العربي المسيحي الاسلامي الذي يرتبط بالسبيكة السياسية التي قامت على ميثاق 1943 مروراً باتفاق الطائف وصولاً إلى الوضع الراهن.

سادساً: إن العلاقات السورية - اللبنانية تحمل إرث التاريخ المشترك والمزاج الثقافي الواحد، ولكن ظروف القطرين تبدو مختلفة. فسورية تقف على أعتاب انفتاح اقتصادي وإنفراج سياسي بينما تجاوزت لبنان تلك المرحلة بسنوات طويلة إذ يكفيها مناخ الحرية في الإعلام خصوصا الصحافة فضلاً عن التاريخ الديموقراطي الحديث لذلك البلد العربي الأنيق وهو ما يستدعي التعاون المتوازن والمتكافيء بين الشقيقتين الجارتين على نحو لا يمنع من وجود بعثتين ديبلوماسيتين إحداهما لبنانية في دمشق والثانية سورية في بيروت.

سابعاً: إن مخاطر الأطماع الاسرائيلية في الأرض والمياه تجعل الارتباط بين السياستين السورية واللبنانية ارتباطاً عضوياً ومصيرياً في وقت لا تزال فيه الجولان ومزارع شبعا محتلتين بعد أن تحرر الجنوب بمقاومة لبنانية باسلة، كما أن مخاطر التوطين الفلسطيني في لبنان هي الأخرى واحدة من الأهداف الخبيثة للسياسة الرسرائيلية الحالية.

ثامناً: مثّل الوضع السياسي اللبناني في الأسابيع الأخيرة إشكالية من نوع متكرر تتمثل في فكرة التمديد للرئيس الحالي العماد إميل لحود بحيث تضاربت المواقف واختلفت الآراء واتخذت بعض الزعامات السياسية الكبيرة - مسيحية ومسلمة - موقفاً لا يتماشى تماماً مع إرادة دمشق. كما أن البطريرك الماروني عبر عن حساسيته تجاه التدخلات من خارج الحدود، وهو ما كان يمكن أن يدفع السياسة السورية الى استيعاب هذه المواقف وتقديم دورها الايجابي في لبنان من خلال منظور مختلف يتماشى مع الآمال المعقودة على الزعامة السورية الجديدة.

تاسعاً: إن القضية ليست في استمرار الرئيس لحود من عدمه. فالرجل في مجمله لا غبار عليه، ولكن القضية تبقى في النهاية هي احترام الدستور اللبناني وقدسيته والحفاظ على ثباته ورسوخ بنوده. ولعلي أظن هنا ان جزءاً كبيراً من معارضة اللبنانيين لمبدأ التمديد أو التجديد كان ينطلق من هذا المفهوم الدستوري بالدرجة الأولى. كما أن قطع الطريق على الولايات المتحدة وغيرها من القوى التي تسعى لإضعاف سورية والضغط عليها هو أمر كان يجب أن يكون في الحسبان خصوصاً أن إسرائيل تقف وراء كل الضغوط الأميركية على سورية. وقد كان قرار مجلس الأمن في هذا الشأن تدخلاً سافراً في خصوصية العلاقة بين القطرين الشقيق ين.

عاشراً: إن لبنان واحة ديموقراطية ينبغي أن نعتز بها وأن نحرص عليها وان ندافع عنها خصوصاً أنها كيان متكامل في الإطار العربي وليست كياناً متنافساً فيه. ولعلي أذكر باعتزاز أن سنوات الحرب الاهلية انعكست سلباً على الازدهار الثقافي في مصر ولم تكن إضافة إليه أو خصماً من الرصيد اللبناني، فعلاقات لبنان مع اشقائه العرب كانت ولا تزال ويجب أن تبقى إضافة إيجابية وليست انتقاصاً منهم.

هذه ملاحظات عشر استعرضناها - بحذر وحيدة - فنحن ندرك المخاطر التي تستهدف سورية باعتبارها قلعة للصمود القومي، ولكننا في الوقت ذاته نتعاطف مع إرادة لبنان واستقلاله السياسي في ظل تراثه الثقافي وبنائه الحضاري، ونريد له قدراً من حرية الحركة يتناسب مع ما لديه من مقومات وما يحتويه من كفاءات، ولا ننكر في الوقت ذاته خصوصية العلاقة بين دمشق وبيروت، وهي علاقة تنطلق من نضالهما المشترك ضد الاحتلالين العثماني والفرنسي، كما أن مسيحيي الشام وان تركزوا في لبنان إلا أن جزءاً كبيراً من كيانهم التاريخ هو سوري النشأة والهوى. وإنني كمصري أعتز بالشعب اللبناني وأتعلق ايضا بطبيعة الشعب السوري وأتفهم أكثر متطلباته الأمنية وظروفه السياسية، ولكنني أدعو الى مساحة من الحرية في الخيارات السياسية اللبنانية بشرط ألا تمس الأمن القومي السوري - اللبناني المشترك ولا تكون على حساب مستقبل سورية الصراع الطويل في هذه المنطقة من العالم، ولحسن الحظ فإن اختلافات الآراء داخل لبنان تجاه مسألة الاستحقاق الرئاسي لا تنطلق من دوافع دينية أو أسباب طائفية، إذ أن هناك مسيحيين ومسلمين ضد التمديد ومسيحيين ومسلمين معه. فليس في الأمر ما يدعو إلى القلق على وحدة لبنان الوطنية ولكن القلق ينبع من المخاوف المرتبطة بالاستغلال الخارجي لهذا الموضوع الذي يجب أن تتم تسويته في إطار احترام الشرعية وقدسية الدستور والحفاظ على خصوصية العلاقة بين بيروت ودمشق في ظل تاريخ مشترك وغايات واحدة ومخاطر تتهدد البلدين بالدرجة نفسها التي تتهدد بها دولاً عربية أخرى من جراء السياسات الاسرائيلية الخرقاء التي جاوزت كل الحدود وأصبحت خطراً داهماً على مستقبل المنطقة كلها بحيث يتعين على السوريين واللبنانيين معاً أن يتذكروا أنهم وغيرهم من شعوب المشرق العربي جزء لا يتجرأ من الشام الكبير بتاريخه الزاهر في الحضارة العربية الإسلامية وإسهامه الضخم في المد القومي خلال القرنين الماضيين.

٭ كاتب قومي، عضو البرلمان المصري.