مفتوناً بالنموذج الفرنسي في الحكم، رفاعة يرسم الخطوط الأولى للقومية العربية ولنظام الحكم الاستبدادي المتنوّر...تأليف :غاي سورمان...البيان

 

لم يكن رفاعة يعرض تجديده الذي يرفعه إلى الباشا في إطار بحثه الدؤوب عن التوافق بين الحداثة والاسلام إلاّ مُعتَمِداً على استشهاداتٍ قرآنيةً.فقد كان مُسلما جيدا، بكل تأكيد، ولكنه كان حَذِراً، حيث كان يعرف حق المعرفة أنّ أيَّ مشروعِ إصلاحٍ لا يمكن إدخاله إلى مصر بدون موافقة المرجعيات الدينية في الأزهر، وبأنّ الإصلاحات التي تَصْدِم كثيراً عاداتِ شعبِهِ محكومٌ عليها بالفشل. بعد عودته النهائية إلى القاهرة، وَاصَلَ «رفاعة» عَمَلَهُ التحديثيّ من خلال الكتابة والعمل العام، في خدمة الباشاولم يَحِدْ أبدا عن هذه الطريق، فقد كان مسلماً وحداثيّا ، كان وَرِعاً وعالِماً. وقد أنْكَرَ «رفاعة»، وإلى آخِر رمق من حياته، كلَّ تناقُضٍ بين القرآن والتقنيات التي هي أَسَاسُ التفوق الماديّ ـ وليس الروحانيّ- للغرب؛ إنّ نجاحَ إصلاحات «رفاعة» يرتَكِز على احترام معتقدات مُعاصِرِيهِ. لقد تصرّفَ على عكس ما تصرّف به أنصارُ التَقَدُّم العنيف، من أمثال «كمال أتاتورك» في تركيا و«رضا بهلوي» شاه إيران أو «بورقيبة» في تونس، الذين تجاهلوا، في القرن الذي تلاه، المعتقدات الدينية للمسلمين، وتسبّبُوا في إغضاب شُعوبِهِم لقد ذهب «رفاعة» بعيداً في احترام الإسلام، إلى حدّ ممارسة رِقابة ذاتية على نفسه حينَ تستدعي الضرورةُ ذلك. فهل كان يُمارِسُ الشكّ؟ لا نَعرِفُ، ففي الإسلام لا يجوزُ إظهار الشكّ أمام الجمهور، لا في زمننا ولا في زمن «رفاعة». ألَيْس هذا التجنّبُ للنقد الذاتي هو الذي يتسبّب في انعدام الوَصْل الدائم بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي؟ في كثير من الأحيان، وسنَعود لاَحِقاً لهذا الموضوع.

اعْتُبِرَ «رفاعة»، ومنذ ملحمته الفرنسية، كَرَائِد رمزي لكلّ المثقفين المصريين التجديديين والتقدميين، الحريصين على المحافظة على التفرّد الثقافي لمصر. فمن نجيب محفوظ إلى طه حسين أو جمال الغيطاني في القرن العشرين، فإنّ معظم المثقفين يعتبرون أنفسَهُم «أبناء رفاعة». إنّ تقليد الرحلة التعليمية التي بدأها في الغرب، ستستمرّ خلال ستة أجيال؛ وستعرف توقفا بسبب العاصفة المعادية للإمبريالية التي ستجتاح العالمَ العربي في سنوات الخمسينيات

المدرسة الفرنسية

 

لنعد إلى كتاب رفاعة، ليس من أجل وضع كلامنا محلّ قراءته، ولكننا نُنقِّبُ من أجل رصد والتقاط إنشغالاتِهِ الأساسية. فهي تظلُّ، بشكلٍ غريب، مُشابِهة لانشغالات المصريين المُعاصِرين؛ من خلال قراءته، يبدو أنّ التاريخَ يتلعثم أو أنه لا ينجح في الإنطلاق.

 

الملاحظة الأولى التي استرعت انتباه رفاعة هي استتباب الأمن في فرنسا، حيث النظام تلقائيٌّ ومرئيٌّ في كل مكان. دَوَّنَ في احد مقاهي مرسيليا أنّ كل فرد في المقهى له وظيفةٌ محدَّدَةٌ؛ فأمينةُ الصندوق مسئولة عن الصندوق، وصاحب المقهى يعطي الأوامر، والنادلون يقومون بالخدمة، والطلبات تَصِل إلى الزبائن في أوقات معقولة وبثمن مُتَّفَق عليه. إنّ عقلانية الفرنسيين في كل المناسبات لم تتوقف عن إدهاش رفاعة خلال إقامته في فرنسا.

وفي هذا المقهى بمرسيليا سيكتشف فعالية هذا التوزيعَ، الذي أطلق عليه اقتصاديو تلك المرحلة «تقسيم العمل»، فهو أساسيٌّ للإنتاجية في الغرب. يلتجئ رفاعة إلى هذه الحادثة الصغيرة كي يُطلِعَ قُرّاءً مصريين كانوا يترددون على مَقَاهٍ كان من الصعب أن تَتِمَّ خدمتُهُم فيها؛ وها بعد قرنين من الزمن، كُلُّ شيءٍ في فنادق القاهرة يحدثُ كما لو أنَّ الدرسَ المستقى من تلك الأشياء لم يَنَلْ آذاناً صاغية. فَهَلْ هُو فشلٌ لِ«رفاعة» ولِخَلَفِهِ؟

الملاحظة الثانية لرفاعة، وهي مكرورة، لأنّ الموضوعَ كان يَشْغَلُ، بِوُضوح، هذا الرجل الشابّ الوَرِعَ والعفيف البالغ من العمر الخامسة والعشرين سنة، بِقَدر ما كان يشغل مصر، وهو مكانةُ النِّساء في المجتمع الفرنسي. ولم تكن النساءُ حاضرات فقط في الفضاء العمومي، بل وكنّ يظهرن، في نظر الإمام عارياتٍ تقريبا. إن غياب الحجاب على الرأس ما كان ليصدمه، لأنه كان يعتقد أن القرآن لم يحّرمه؛ وحين عاد إلى مصر لم ينصح به. أما الأذرع العارية والصُدور الموهوبة، فقد كانت تضايقه، ولكنه لم يُصْدِرْ ردّا مُنافقا، فقد وَجَد الكثير من السحر لدى النساء الفرنسيات. وكان اهتمامه ينصب على شيء آخر، هل هنّ عفيفات؟

لقد اعتبر أن النساءَ عفيفاتٌ في البرجوازية وفي الطبقات المتوسطة؛ أما لدى الأرستقراطيين فإنّ الأمر أقلّ خفة شيئا ما، حيث أن الأزواج لا يُبدون أدنى غيرة. وهو أمر أثار دهشته. وأخيراً، فيما يخصّ قاع المجتمع في باريس فقد بدا لرفاعة أنه من الأماكن التي لا يُنصَحُ بزيارتها كما هو حال مثيلتها في القاهرة. وما عدا هذا التصنّع للوقار المتغيّر لدى النساء الفرنسيات، فقد كان مُعجبا بكونهنّ متعلمات، بل إنه، وكما كَتب، كان معجباً ببحثهنّ عن المعرفة

فيما يخص مقاهي ونساء باريس، فالأمر، هنا، لا يتعلّق إلاّ بإشارات ومستملحات ثانوية إذا لم تستبق العمل اللاحق لرفاعة حين سيصبح المهندس الكبير لمصر الحديثة، وباني أهراماتها المعاصرة، أي الإدارة والجامعة والصحافة

بفضل نصائح رفاعة ستتبنى الإدارة المصرية الجديدة اللغةَ الفرنسيةَ، التي اعتبرها «أكثر دقة من اللغتين التركية والعربية». بعد أن استنتج الدور الكبير للصحافة في فرنسا، قام بتأسيس أول جريدة مصرية، من أجل تهيئة العُقول من أجل التجديد، وهي الجريدة الرسمية؛ وهو من خلال ابتكاره للصحافة، ابتكر قرّاءً جددا بجانب قراء القرآن، بداية لنخبة مصرية علمانية ومفكرة هي، الأولى في العالم العربي. ولكن محمد علي كان يريد قبل كل شيء امتلاك المدافع والمصانع؛ وفي الخطابات التي كان يبعث بها إلى رفاعة، كان الباشا يَحمِل بِعُنف على أفراد البعثة، التي كان يعتبرها، في هذا الميدان، غير نشطة بما فيه الكفاية. فكان رفاعة، الذي كان يخاطب الباشا في مراسلاته ب«سيد الفضائل»، يحاول إقناعه بأنه من الأفضل المعرفةُ المسبقةُ للعلوم والتقنيات كي يستطيع تحديث مصر بعدئذ، ثم صناعة واستخدام المدافع وحسب رفاعة فإن كل شيء موجودٌ في الكتب، ويكفي ترجمتها. فَشَرَعَ في عمل جَبَّار في ترجمة أهمّ الآثار العلمية الفرنسية إلى اللغة العربية، بما فيها كتب مُوجَزَة وموسوعات الجغرافيا والفيزياء وعلم الفلك. ولكنه لم يتصدَّ لترجمة الفلسفة. وحين عودته إلى القاهرة افتتح أول مدرسة لدراسة اللغات الأجنبية، بطريقة تسمح لهُ توسيعَ حقل الترجمات. وطوال حياته المهنية في الإدارة، اختارَ، بنفسه، الأعمال القابلة للترجمة حَسَب فائدتها ومنفعتها لتحديث البلد

نصير المرأة

كان رفاعة يتطلع إلى أن يَتَقَاسَم كل الرجال أخلاقاً مُشتَرَكة نابعة من طبيعتهم وليس فقط من الوحي الإلهي، وهي مُبَاعَدَة ثيولوجية كبيرة ستتسبّبُ في حملة طويلة من قبل علماء الأزهر ضدّ عقليتها الإصلاحية. ولكن بَدَلاً من الانخراط في طريق نقديّ، فإنّ خُصومَهُ اختاروا طريق التحريم، فقد اتُّهِمَ رفاعة من قِبَل رجال الدين بأنه تَناوَل لحمَ الخنزير وعَاشر النساء في باريس. وفي نظر المُحافِظين الذين كانوا مُعاصِرينَ لرفاعة ـ الذين كانوا يرون أنفسَهُم «أُصوليين»، أي قريبين من المصادر الأولى ـ، فإنّ كلَّ امرأة غربية لا يمكن أن تكون شريفة وهي طريقةٌ لإقصاء المفكرين الليبراليين، لم تعرف تطوراً كبيراً منذ هذه المرحلة، فبدلاً من النّقاش ظلّ الإفتراء والنميمةُ في الصحافة المعاصرة ذات الصبغة الاسلامية، كما في عِظات بعض الدعاة المتشددين، الحُجة المفضّلة. يَرُدّ عليهم رفاعة بأنّ الإسلام ليس، بالضرورة، المصدرَ الوحيد للخير، وبأنه يوجد أُناسٌ من الغرب يمكن للمسلم أن يتعامل معهم تعامل الندّ للندّ؛ ويذكر أسماء مستشرقين فرنسيين على سبيل المثال. وكان يُجابِهُ العلماء المحافظين في الأزهر، والذين سيُنغّصون عليه حياتَهُ، دائما بالقول المأثور الذي يُخاطب المسلمين قائلا: «أطلبوا العلم ولو في الصين».

إنّ التناقض المركزيّ بين رفاعة والأصوليين يرتكز على مكانة المرأة في أرض الإسلام، وهو خطّ كَسْر لم يتطور قط. وكان رفاعة، وخلافا لهؤلاء، يعامل النساء بشكل مُساو لتعامله مع الرجال؛ وهو بنفسه حين اختار زوجته من بين الطبقة الأرستقراطية، تَعَهَّد في وثيقة الزواج بألاّ يتزوج عليها. لم يكن ثمة شيء يُرغمه على تخلّيه عن التزوج بنساء أخريات، ولكنه كان يرى أنه لا يوجد شيء في القرآن ولا في التفاسير يخالفه؛ فلا يحقّ للمسلم أن يتزوج أكثر من أربعة نساء ولكن بشرط أن يكون قادرا على العدل بينهنّ، كما يشترط القرآن، وهو ما يعتبر مستحيلا. رفاعة يَستَشْهِدُ بالآية «وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا»، من سورة «النساء» . وقد كشف رفاعة عن كونه رَائدا لتحرير المرأة، دون أي تعارض مع القرآن، وإنّما بفضل المعرفة التي كان يمتلكها والتي تعتبر أرقى من المعرفة التي بحوزة «الأصوليين».

وبفضل تكوينه الدينيّ كان رفاعة في وضع يُمَكِّنُهُ، بشكل كبير، من التمييز بين الوحي الإلهي والتقاليد المحليّة. أليسَ هو من تَدِين له مصر في تأسيس أولى المدارس الحكومية للفتيات. لقد كَتَبَ يقول إن تعلم الفتيات ضروريٌّ كي يُصبِحْن زوجاتٍ صالحاتٍ وأُمَّهَاتٍ صالحاتٍ، تماما كما يَأْمُرُ القُرآنُ. وإذا كان صاحِبُنا التّحديثيُّ يتقدّمُ خلف التقاليد، فليس لأنه يفعل هذا لِسَبَبٍ تكتيكيّ وإنّما عن اقتناعٍ، وهذا ما يؤكِّدُه ما نعرفه عنه بِفَضْل مُعاصِرِيهِ المصريين والفرنسيين يرى رفاعة أنّه لا يوجد شيءٌ، في الإسلام، يُكَذِّب ما جاء في كتابه «تخليص الإبريز في أخبار باريز»، وبصفة خاصّة ما يَتَعلَّقُ بِتَحسين أوضاع النساء المُسلِمَات. في كتابه الأخير، الذي نُشِر سنة 1870 بناءً على طلب من الباشا إسماعيل ليتمّ استخدامُه أساساً للتعليم في مصر، يُلِحُّ رفاعة على المساواة بين الجنسين في التعليم وفي الزواج ولكن ليس علينا أن نصبغ الكمال المثاليّ على بطلنا، فإصلاحاتُه لا تعود بالمنفعة إلاّ على المسلمين، فقد كان يحتقر أقباط مصر. وبالرغم من ليبراليته فقد ظلَّ ابن عصره؛ كان «رفاعة» عنصريّاً إلى حد ما، كما كان الأمرُ عليه في باريس وَاجَه رفاعة «الأزهر» على أرضيّة أخرى حسّاسة من خلال تمجيد تراث مصر التاريخيّ. وبالنسبة لعلماء مصر المُحافِظين فإنّ مَرحلةَ الجاهلية لم يكن لها أدنى أهميّة. وهو موقفٌ ثابتٌ لدى كل علماء الدين المسلمين في العالم العربي. أمّا «رفاعة»، فقد كان على النقيض يَعْتَبِرُ أنّ الماضي الفرعوني يَستَحِقّ أن يُصانَ.

فاحتجَّ على ميل الباشا الغريب في منح مَسَلاَّت إلى كلّ مُلوك أوروبا عربونا للصداقة؛ وكان رفاعة أوَّلَ منْ طَالَب بأن يتِمَّ التوقف عن ترك الكنوز «الوثنيّة» للأوروبيين، وأَصَرَّ شخصيّاً على تسلُّم كلّ الأشياء التي يتمّ اكتشافُها. وهو قرارٌ رَسَمَ مُسَبَّقاً مَعَالِمَ تأسيس متحف القاهرة فيما بعد، والذي أسّسته «مارييت» سنة 1858. وأبعد من اهتمامه الملحوظ بالتراث، كان «رفاعة» يرسُمُ هنا الخُطوط الأولى لِمَا ستكون عليه القومية العربيّة لاَحِقاً من خلال إدراجه الجديد للتاريخ والجغرافيا في أرض الإسلام، يُحْدِثُ «رفاعة» قطيعةً مع القاعدتين السياسيتين اللتين تهيمنان على الفكر العربيّ الإسلاميّ، وهُمَا مبدأُ أُمّة للمُؤمِنين بِلاَ حُدود، بالإِضَافة إلى العصر الذهبيّ في المدينة المنورة في عصر النبيّ كَنَموذَجٍ لا يمكن التفوُّق عليه. وهو من خلال إعادة ماضٍ مُتَفَرِّد للمصريين، فقد فتَحَ أمامهم مستقبلا باعتبارهم أُمَّة كانت لها كينونتها قبل الاسلام. صحيح أنها أمة مسلمة، ولكنها ليست حصراً إسلامية. حين بدأت الدول تتشكّلُ، في القرن العشرين، في المغرب العربي وفي الشرق الأدنى، فإن كل الحكومات أعادت الاعتبار للماضي غير الإسلاميّ للأمكنة ـ قرطاج في تونس، بابل في العراق ـ، وهذه هي القاعدة الوحيدة لتأسيس مستقبل وطني

نصر ملتبس

كان الباشا يُسايِر رفاعة حين يتعلّق الأمرُ بإنشاء الإدارة والمدارس، ولكنه لم يَكُن يُعير رفاعة سمعا حين كان هذا الأخيرُ يقترح تطوير المؤسسات السياسية انطلاقا من تقديره وتقييمه للثورة الفرنسية. فثورة 1830 التي عايَشَهَا في باريس، كان لها وَقْعٌ كبيرٌ عليه. فقام رفاعة بوصف أدقّ تفاصيلِهَا على طريقة «توكفيل» مستعيداً في مُذكراته ثورة 1848. ولكنّ ثورة 1830، وعلى نقيض 1848، كانت سلميّةً نسبيّاً. يُسَجّل رفاعة أنّ شارل العاشر لم يَلتَزِمْ بتعهّداتِهِ، وخصوصا تعهداته المتعلّقة بحرية الصحافة. فقد أصرّ البرلمان على ضرورة رحيله، وكانت الجماهيرُ موافقةً على هذا الإصرار. فانسحب الملكُ من دون تردّد.

خَلَفَه لويس ـ فيليب من دون إراقة دماء. تعَهَّد «لويس ـ فيليب» باحترام الميثاق الجديد، فتمّ تنصيبُهُ مَلِكاً على عموم الشعب الفرنسي. ويرى رفاعة أنّ كلّ الفرنسيين كانوا مُقِرِّينَ بأن بلدهم يحتاج إلى ملك وبأنّه غيرُ مؤَهَّلٍ للجمهورية. كان رفاعة مُفْتَتِناً بهذا النموذج الفرنسي الذي كان في منتصف الطريق ما بين استبدادية متنورة وملكيّة دستورية، وكان يرى فيها عَقْدا جيدا يمكن تطبيقه على مصر، ما بين النُّخَب المحلية والباشا ذي الجذور التركية في تعليقاته على دستور 1830، يلاحظ رفاعة أن المفهوم الفرنسي للحرية يتوافق مع المفهوم الإسلاميّ للعدل. ولكنّ العدل الإسلامي، وخِلافا للمساواة الأوروبيّة أمام القانون، ليس حقّا للمسلم؛ إنه ينبثق من إرادة الحاكم الطيبة، المُجْبَر من القرآن على أن يكون عادِلاً. رفاعة، الذي لم يَكُن ثوريا، كان يعتبر أنّ المسلمين لا يتوجب عليهم أن يُطالِبُوا بشيء ولكنْ عليهم أن يستقبلوا، عن طواعية، مؤسسات دستورية جديدة إذا ما مَنَحَهَا الباشا لمصر. على الرغم من كون المحاججة الإسلامية صحيحةً، فمحمد عليّ رفض فكرة الدستور، وفضَّلَ البقاء حاكما مطلقا. وهو قرارٌ ما زالت آثارهُ ماثلةً إلى يومنا هذا، فمنذ تلك الفترة ما زالت تظهر في العقل المصريّ مصطلحات من قبيل التحديث والتغريب والتسلّطيّة وكأنها مرتبطة بعضها البعض. إذا كان المُستبِدُّ غيرَ متنوِّرٍ، فإن تحديث البلد يتوقف. نستنتجُ من هذا أنّ من هذا الاستبداد انبثقتْ صعوبات التحديث التي تعاني منها مصر منذ قرنين.

لقد كان مشروع «رفاعة» لمصر يتضمن كلّ هذه الأشياء: إرساء دولة، حقّ التعليم للجميع، العلوم، التقنية، اللغات الأجنبية، تحرير المرأة، الصحافة، تاريخ مقبول في كليته وتنوعه. ولم يقدّم أيّ مُقْتَرَح إلاّ وارتكز على نص قرآني. ومع رحيل «محمد عليّ» سنة 1848، جاء خَلَفُهُ الباشا «عبّاس»، فانحاز إلى أطروحات المُحافظين.

 

ونفى «رفاعة» إلى الخرطوم حيث قضى خمس سنوات في التدريس في مدرسة ابتدائيّة. ومن أجل تمضية الوقت، انصرف «رفاعة» إلى ترجمة كِتَاب «تيليماك» لِ«فينيلون» والذي كان بدوره قد ألّف هذا الكِتَاب للاحتجاج على الحكم المطلق ل«لويس الرابع عشر»، وهو ما جرَّ عليه المنفى في أسقفيّة «كامبري».

 

وقد أرسى «رفاعة»، على الرغم منه، تقليداً جديداً ما زَالَ مستمرّاً في أرض الإسلام، يتجلّى في قَمْع المُثّقفين منذ سنة 1952، فالديكتاتوريات العسكريّة لم تتوقف عن إرسال أبناء «رفاعة» إلى المنفى أو إلى السجن، فكل مثقف جريء، في مصر المعاصرة، يبدو قضاء بضع سنوات في السجن نوعاً من مرور لا بُدَّ منه، سواء كان ماركسيا أو قومياً أو إسلاميّا أو ليبراليّا.

 

التفكيرُ الحُرُّ لا يمكن أن يُطاق لا من قِبَل المُستَبِدِّين ولا من قِبَل الإسلامويين المتشددين. في زمن «رفاعة» كان هؤلاء الأخيرون يكتفون بممارسة التحريم. وأما اليوم فإنّهم يعتمدون على قُضاةٍ متواطِئِين من أجل قمع المُثّقفين العلمانيين، إذا لم يلجأوا، بكل بساطة، إلى الاغتيال.

 

كان رفاعة ينتمي إلى زَمن أكثر هدوءًا. وحين ماتَ الباشا «عباس»، في سنة 1854، سيعود «رفاعة» إلى القاهرة مُنتَصِراً، وبعد رحيله، سنة 1874، سيظلّ تفكيرُهُ يُضيءُ الترقّي المصريّ إلى حدود القطيعة الكبرى التي حدثت في سنوات الخمسينيات. هذا الرقيّ الذي دَحَضَه الأيديولوجيون القوميون والإشتراكيون والإسلامويون الذين عابوا عليه كونه ليس يساريا وكونَهُ مُنقادا للغرب. وسيساهم فشلُ الأيديولوجيات، أخيراً، في سنوات الثمانينيات في بعث «رفاعة» وفي إيقاظ «أبنائه».

 

البحث عن التوليف

 

هل استطاع رفاعة، منذ سنوات 1850، أن يَجْتَازَ التناقضات بين الإسلام والحداثة؟ وهل عثر على التوليف الذي يبحثُ عنه، ولا يزالُ، العالَمُ العربيّ إزاء التحدّي الذي يُشَكِّلُه الغربُ؟ ولكن إذا كان رفاعة قد عثر على الطريق السويّ، فما هو السِرُّ الذي جعل معظمَ العرب والمسلمين مُستمرّين، وبعد فترة طويلة من رحيله، في البحث عن معادلة سبق لها أن برهنت على صحتها؟ لماذا كتب طه حسين، «عميد الأدب العربي».

 

وهو المفكر الليبراليّ والتقدميّ والعلمانيّ، في سنة 1960 في كتابه الأخير أنه «يتوجّبُ كشفُ لُغْز الهيمنة التقنية للغرب» في هذا البحث عن حداثة مفقودة، ما زال الليبراليون على شاكلة رفاعة والإشتراكيون والإسلامويون يَتَخَاصَمُون دائما من أجل العثور على المفتاح. وإذا لم يكتشفوا هذا المفتاح لا في رفاعة ولا في القرآن، فأي غطاء يحجبه؟

 

تَحَدَّثْنا فيما سبق عن الإستبداد. ونسمع في غالب الأحيان أنه يعود إلى مصر الفراعنة. ولكن الحاكِم المُستَبِدّ لم يقم بشرعنة نفسه كعَامِلٍ للحداثة إلاّ منذ التحالف بين الباشا ورفاعة، وليس تحت حكم رمسيس الثاني. فَ«مصر» لم «تتقدَّمْ»، بِاسْم الحداثة، نحو الرأسمالية والاشتراكية والقومية واليبرالية إلاّ حَسَبَ إرادة ميول الحاكم.

 

إنّ مصر، وعلى غِرَار العالم العربي الذي يستلهمها في غالب الأحيان- مُتَرَجْرِجَة، منذ سنوات الخمسينيات، من نموذج إلى آخَر، دون أن تستعير أبداً طريقاً نحو التطور والنموّ. وغدا شعبها مُستكيناً. إن نزعَتَهُ القَدَرِيّة تنبثق من استراتيجيّة البَقَاء لدى فلاّحي نهر النيل المُعَرَّضين لإصلاحات مُتَقَطِّعة، أكثر مما تنبثق من ثقافة مصريّة ثابتة. فالنُّخَبَ الإقتصاديّة لا تتصرف بشكل مختلف، فمن أجل تجنيب مصالحها من هذه الهجمات في الحداثة، فإنها تحمي نفسَها من خلال مشاركة أقلّ.

 

وإذا أرادوا أن يحافظوا على بقائهم في ظِلّ حكامهم، فإنهم لا يُعبّرون عن أفكارهم إلاّ بحذر شديد، ما بين دولةٍ هي في غالب الأحيان من يُشَغِّلُهُم ورجال الدين الذي يمارسون الرقابة عليهم، ما بين الأزهر والباشا في زمن رفاعة، ما بين الإسلامويين والرئيس في أيامنا هذه.

 

هل يمكن مُمارسةُ النقد في أرض الإسلام؟

 

بالإضافة إلى انضمامه إلى الاستبدادية المتنورة، ألَمْ يَرتكِبْ رفاعة «هفوة» ثانية ما زالت تثقل على كاهل مصر، والتي ما كان يستطيع، بدون شكّ، أن يتجنَّبَها؟ هذه الهفوة ناتجة عن التعريف بنفسه وبمهمته. فلنتذكَّر أنّ الباشا كان مقتنعا من أن الغربيين بحوزتهم أسرار تقنية يجهلها المسلمون. فكان يتصور أنّه يكفي ترجمة هذه الأسرار لِغَرْسِهَا في مصر.

 

لم يستطع رفاعة أن ينقذه من هذا الخطأ. فلا الباشا ولا رفاعة تَسَاءَلا عن المسلك-التاريخي، الدينيّ، السياسيّ ـ الضروريّ الذي قاد إلى هذا التفوق التقني؛ ففي العالَم الذهنيّ لرفاعة وللباشا لا يمكن أن نتَوَجَّهَ إلى التقنية عبر طريق أخرى ما دام تفّوق الإسلام يتموقَعُ فوق كلّ نقاش. من الأكيد أنّه من المسموح به في التقاليد الإسلامية ممارسة حرية إصدار الحُكْم، ولكن في إطار القرآن، الذي هو مصدرُ كلّ معرفة؛ من الأفضل عدم مساءلة طابعه «المُنَزَّل» إذا ما أَرَدْنَا تجَنُّبَ التكفير وكذلك تجنب الشريعة التي تعاقب عليه بالحدّ الأقصى.

 

ترجمة : مرام المصري