القرف والشفقة...

سمير قصير...النهار

اذا كان الرئيس السوري قد تعمّد اذلال الطبقة السياسية اللبنانية, وفي مقدمها اركان "الخط الوطني" الذين اقامهم والده المرحوم اوصياء على تلازم المسارين, فلنطمئنه بسرعة: لقد بلغ مبتغاه. بل يمكن توجيه التهنئة اليه اذا كان مقصده ان "يتمرن" بأركان حربه اللبنانيين تمهيداً ربما لتثبيت حكمه في وجه اركان حربه السوريين. فقد نجح, ولو فقط في التكتيك السياسي, ان يؤكد ان الكلمة له في لبنان, وقد يستطيع الآن التفكير في تكتيك مماثل إن شاء توحيد الكلمة في دمشق نفسها من اجل مقاربة سليمة للاستحقاق الآخر الذي ينتظره, وهو استحقاق التغيير في سوريا.

ولكن للتهنئة شروط. فهي لا تصح الا اذا نظرنا الى الامور من اسفل الى اعلى, من لبنان المحكوم الى دمشق الحاكمة. اما اذا وسّعنا اطار الصورة ونظرنا الى السياق التاريخي - الجغرافي الذي يتحرك فيه الحكم السوري (والاحرى انه لا يتحرك فيه), فإن القرف الذي يولده تصرّف السياسيين اللبنانيين امام استدعاءات الحكم السوري سوف يخفّ وهجه ليطغى عليه شعور بالشفقة على مصير البلدين معاً. ففي مقابل تهنئة الرئيس بشار الاسد على نجاحه في التلاعب بأعصاب حلفائه اللبنانيين وارادتهم, لا بد من التأسف لفشله في ادراك ما الذي يحصل امامه وحوله. فما يحصل, يجعل من نجاحه في تسخيف النظام السياسي اللبناني تفصيلاً هامشياً في ازاء ما ستؤول اليه احوال النظام السياسي السوري بفعل هذا الامعان في التسخيف.

يختلف العائدون من دمشق حول النسب المئوية التي يعيّنونها لـ"حظوظ التمديد" في ضوء مشاركتهم في الاستشارات الدمشقية (غير الملزمة على الاطلاق, إذ كيف لآمرٍ أن يلتزم بمأمور?), لكنهم يتّفقون على ان الهدف من هذا التحرك هو "حماية" احتمال التمديد بشكل يترك "كل الخيارات مفتوحة" بحسب القول الشائع. في الحقيقة, لم نكن في حاجة الى هذه العراضة كلها لندرك ان كل الخيارات مفتوحة على الدوام, بما فيها خيار الانتحار الجماعي. ولا داعي للحاكم ان يعتدّ بنفسه إن هو برهن انه قادر على اختيار الاسوأ. على العكس من ذلك, قد يكون العناد في المحافظة على الخيار السيئ اسوأ حلّ امام من يدّعي لنفسه القرار, وهو طبعاً غير "رجل القرار" الذي يتغنى به المخاتير ورؤساء البلديات.

كل الخيارات مفتوحة اذاً. حسناً, لكنها ليست كلها متساوية, والاصرار على ابقائها مفتوحة كلها, بما فيها الخيار السيئ, لا يدعو فقط الى التشاؤم حيال مستقبل لبنان, بل انه يثير القلق على مستقبل سوريا نفسها. فمثل هذا الاصرار لا يعني سوى شيء واحد, هو ان الحكم السوري لم يعد يتبصّر جيداً بما يحوطه. حتى انه لم يعد يرى لبنان نفسه, والا لما خاطر بـ"بهدلة" اقرب القريبين منه. فبعد تعطيل هذه الطبقة السياسية, العرجاء اصلاً, بمن تراه يريد ان يحكم لبنان, في ما تبقّى له من وقت يحكمه فيه?

بيد ان ثمة شيئاً اسوأ بكثير من تعامي الحكم السوري حيال ما يحصل في لبنان. انه قصوره عن فهم الصورة التي يتوسطها هو. ويعتقد انه يجبر الاميركيين على مفاوضته, وان لا شغل لديهم غير تسلّم رسائله, فاذا بالاميركيين غير سائلين!

لعله من حظ لبنان, ويا للمفارقة, الا يكون الاميركيون مهتمين كثيراً بوضعه, بحيث انهم غير معنيين بالتفاوض حوله, فضلاً عن كونهم لا يستطيعون عقد صفقة على حسابه بسبب وجود نص اشتراعي ينص صراحة على استعادة لبنان سيادته, وهو القانون المعروف بـ"محاسبة سوريا". لكنهم, في المقابل, مهتمون جداً بسوريا نفسها, في سياق اهتمامهم بالمنطقة كلها. وفي هذا المعنى, فانهم ينزعون الى امتحان قابلية سوريا للتأقلم مع نظرتهم الى المنطقة. وتشاء الظروف ان تأتي الانتخابات الرئاسية اللبنانية في هذه المرحلة, فتشكل, شاء السوريون ام ابوا وأدرك اللبنانيون أم لم يدركوا, امتحاناً لرغبة البعث المتبقي في التغيير.

فهل يمكن بعد ذلك تهنئة الرئيس الاسد على ما بدا منه من شطارة في لبنان, اذا كان يهمّ بالسقوط في امتحان أهمّ?