مؤامرة الصمت والنجف...

عبد الباري عطوان...القدس العربي
عندما دخل الدكتور موفق الربيعي مستشار الامن القومي الحالي الي زنزانة الرئيس العراقي صدام حسين بعد اعتقاله مباشرة، ضمن وفد من مجلس الحكم، كان اول سؤال وجهه اليه هو:
لماذا قتلت الامام محمد صادق الصدر؟
من المفارقة ان الدكتور الربيعي نفسه يبدو الان من اكثر المتحمسين لقصف مرقد سيد الائمة علي بن ابي طالب كرم الله وجهه، وحرق مدينة النجف، وقتل السيد مقتدي الصدر والآلاف من انصاره في مختلف انحاء العراق.
ومن المفارقة ايضا ان كل الذين يوفرون الغطاء الشرعي لهذه المجازر التي تقع في العراق ويذهب ضحيتها اناس ابرياء، هم من الدكاترة الاطباء، الذين من المفترض ان يكونوا اكثر الناس انسانية ورحمة، مثل الدكتور اياد علاوي (جراح القلب) والدكتور موفق الربيعي (جراح الاعصاب) وثالثهم الدكتور ابراهيم الجعفري المتخصص في الامراض الباطنية.
وليس من قبيل الصدفة ان الدكاترة الثلاثة كانوا يقيمون في لندن، ويتحدثون دائما عن المظالم والمجازر التي استهدفت ابناء الطائفة الشيعية، وبعضهم تبني في لندن، وقبل الغزو الامريكي مباشرة، وثيقة اطلقوا عليها اعلان شيعة العراق ، الذي قدم تنظيرا تاريخيا لمثل هذه المظالم، وطالب برفعها، والغاء سياسة التمييز الطائفي، وكان علي رأس موقعي هذا الاعلان الدكتور الربيعي نفسه، والسيد محمد بحر العلوم وحسين الشهرستاني وغيرهم.
الجنرال تومي فرانكس قائد القوات الامريكية اثناء غزو العراق كشف في مذكراته ان وكالة المخابرات المركزية الامريكية اكتشفت حميد كرزاي و مواهبه وجندته قبل خمس سنوات من احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وبعد ايام من تولي الطالبان الحكم في كابول، واشرفت علي اعداده لكي يكون رئيسا قادما لافغانستان، تري متي اكتشفت الوكالة نفسها مواهب حكام العراق الجدد، ومتي سنعرف تفاصيل عملية تجنيدهم، وخطط الخداع التي استخدمت لتضليل ابناء العراق، سنة وشيعة واكرادا وتركمانا ومسيحيين؟
الدكتور علاوي يريد ان يقدم نفسه كزعيم قوي للعراق، ولذلك لا يتواني، هو ووزير دفاعه، عن اطلاق التهديدات والانذارات الاخيرة للمدافعين عن كرامة الاماكن المقدسة في العراق، ولكنها شجاعة تستند الي مئة وخمسين الف جندي امريكي وبريطاني، مدججين باحدث الاسلحة والدبابات والطائرات وفي مواجهة جماعة لا تملك الا سلاح الايمان، انتفضت علي الاكاذيب، وسمت الاحتلال باسمه، ووصفت عملاءه بما يستحقونه من ألقاب وصفات.
الدستور العراقي المؤقت الذي وقع عليه حكام العراق الجدد، واعتبروه فتحا عظيما، ولبنة اساسية في بناء العراق الجديد ، نصت مادته الاولي علي حماية ارواح العراقيين، وحقن دمائهم، وتوفير الامن لهم، وها هم موقعو هذا الدستور هم اول من ينتهكونه، ويهدرون دم ابناء العراق، ويقــتلون ويصمتون علي مقـــتل الآلاف من العراقيين يوميا في مدينة الصدر والبصرة والناصرية والحلة، ناهيك عن الفلوجة والرمادي وسامراء.
الدكتور علاوي مصمم علي قتل السيد الصدر، ونزع اسلحة انصاره، سواء كان هذا القتل جسمانيا، او سياسيا. والا ما معني اصراره علي ان يظهر السيد الصدر علي شاشة التلفزيون ويعلن بنفسه عن قبول شروط وقف القتال التي تعرضها حكومة الاحتلال مقابل السماح له بمغادرة مرقد الامام والصحن الحيدري، وهو الذي اعلن من خلال المتحدثين باسمه القبول بهذه الشروط.
انه الاذلال، وبالاحري تعمد اذلال الرموز العربية الاسلامية الوطنية التي تتحدي الاحتلال، ومثلما تعمد الامريكان اذلال الرئيس العراقي صدام حسين واهانته، سواء عندما مثلوا منظر اخراجه من الحفرة اياها، او ظهوره بالاصفاد امام قاض اغر.
السيد مقتدي الصدر يوصف من قبل المعتدلين العراقيين بانه ارعن و عديم الخبرة و متهور ، سبحان الله، الذي يدافع عن المقدسات ويقاوم الاحتلال، ويرفض حكومة معينة امريكيا، ويعلن استعداده للقتال حتي الموت، يوصف بالرعونة وعدم الخبرة، اما الذي يتعامل مع الاحتلال، ويشارك في قتل الابرياء من ابناء شعبه فهو العاقل و الحكيم ، والمدجج بالخبرة.. اي زمن هذا الذي نعيشه؟
العالم الغربي، وبعض علماء المسلمين، ثاروا ثورة عصماء ضد حركة طالبان لانها اقدمت علي تدمير تماثيل بوذا، واعتبروا هذا العمل همجيا بربريا، بل ان وفدا من علماء المسلمين، علي رأسهم الدكتور الفاضل يوسف القرضاوي سافر الي قندهار لاقناع قادة طالبان وشيخهم الملا عمر بعدم نسف هذه التماثيل. فلماذا يصمت هؤلاء العلماء حاليا، وبينهم علماء الطائفة الشيعية ومرجعياتها عن تدمير مدينة النجف الاشرف، ويهربون الي الخارج جماعيا وفي توقيت مريب؟
هل تماثيل بوذا اكثر قداسة من مرقد الامام علي كرم الله وجهه، وهل حجارة هذه التماثيل اغلي من دماء آلاف العراقيين التي تسيل حاليا في مدينة الصدر وازقة النجف وباقي المدن العراقية الاخري؟
الامريكان يتعجبون دائما من كره العرب والمسلمين لهم، بالله كيف سيحب المسلم والعربي الامريكان وهم يدمرون النجف، ويطلقون أيدي الاسرائيليين لحرق المسجد الاقصي، وتدنيس المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس المحتلة؟
السيد مقتدي الصدر وانصاره يخوضون معركة مصيرية دفاعا عن قيم ومبادئ هي من صميم العقيدة الاسلامية، وقد يسقط الرجل شهيدا في اي لحظة، وقد يختار البقاء حيا من اجل تمرير العاصفة، انتظارا لظروف افضل لاستئناف جهاده، وهو يشكل، وايا كان مصيره، معضلة اساسية للامريكان، وللدكاترة المتعهدين بانجاح مشروعهم في العراق. فقتله سيحوله الي شهيد، وسيعمل اتباعه علي الثأر لدمائه لعقود قادمة، واعتقاله سيجعل منه رمزا للمقاومة، وهدفا لعمليات خطف وقتل للضغط من اجل الافراج عنه، اما تركه يعود الي انصاره سليما معافي في مدينة الصدر، فهذا يعني تكريسه زعيما مظفرا منتصرا في مواجهة النجف.
الامريكان يتخبطون في مواقفهم، وهم يخرجون من حفرة ليسقطوا في اخري اكثر عمقا. فنصائح الدكتور احمد الجلبي قادتهم الي مستنقع العراق ودمرت هيبتهم، وتكاد تعيد اليهم فيروس فييتنام الذي تعافوا منه، اما سياسات الدكتور علاوي وزملائه فتقودهم حاليا الي لعنة الصدر ، وتأليب حلفاء الامس ضدهم، واكمال نصاب المقاومة ضدهم، بحيث باتوا محشورين بين اضلاع المثلثين الشيعي بعد السني.
تري من سيسأل الدكتور موفق الربيعي ورئيسه الدكتور علاوي فيما هو قادم من ايام السؤال نفسه الذي وجهوه الي الرئيس صدام حسين: لماذا قتلتم السيد الصدر الابن؟