تعليقاً على مقالات جهاد الزين حول مستقبل الوجود المسيحي في المنطقة....

الاب ميشيل سبع ...النهار
ازدهار المسيحيين بمزاجية الحكام المسلمين

جاء في مقالات الاستاذ جهاد الزين في اعداد سابقة لـ"النهار"  ان المطلوب هو ازدهار المسيحيين اكثر من بقائهم.
ورغم ان كلمة ازدهار تحوي الكثير من الابعاد الا انها على الاقل تشير الى نقاط ثلاث: أولاها, ان يكون المسيحيون في وضعية جيدة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا كي لا يفكروا بالهجرة او الرحيل, وثانيتها ان يؤمنوا بديمومة بقائهم ويصنعوا المستقبل بأيديهم دون خوف مما هو آت, وثالثتها ان يكونوا مشاركين حقيقيين في ازدهار مواطنيتهم وبالتالي اوطانهم.

في النقطة الاولى, وضعية المسيحيين بشكل عام وعلى المستوى الاقتصادي مقبولة في بعض البلدان العربية على الاقل, واعلى من المقبول او اقل منه في بلدان اخرى, والواقع ان المستوى الاقتصادي يندرج ضمن الاطار الطبقي اكثر مما يندرج ضمن الاطار الطائفي والديني.

اما على المستوى الاجتماعي, فوضع المسيحيين عموما اكثر من جيد, وفي مناطق كثيرة في البلاد العربية يحظون بأحوال شخصية او بمعاملة خاصة تميل الى الايجابية, كما يسمح لهم باقامة مناطقهم وعلاقاتهم وشعائرهم, الا انه لا يخفى بأن الامر الاخير هو رهن بمزاجية الحكام العرب وتفكيرهم الخاص. وقد حكم هذا الامر وهذه المزاجية الاوضاع الاجتماعية - الدينية للمسيحيين عبر التاريخ. فقد جاء عند ابن الاثير ان عمر بن عبد العزيز الخليفة الاموي امر ان يضع المسيحيون العمائم ويلبسوا الاكسية ولا يتشبهوا بشيء من الاسلام. ومنع عليهم استخدام احد من المسلمين, ولا ان يعمل ذمي عند مسلم, ونهى المسيحيين عن ضرب النواقيس وقت الآذان(1). كذلك - يقول المسعودي - ان الوليد بن عبد الملك سمع ناقوسا فقال: ما هذا? قيل بيعة, فأمر بهدمها(2).

الا ان الاصفهاني في كتابه الاغاني يقول ان امير العراقيين في زمن الامويين كان خالد العشري وكانت امه نصرانية فبنى لها بيعة في ظهر القبة بالمسجد الجامع في الكرمة فكان المؤذن اذا اراد ان يؤذن ضرب لها بالناقوس(3).

كما ان الاخطل الشاعر النصراني كان يدخل على الخليفة عبد الملك بن مروان بغير اذن وهو سكران وعلى صدره الصليب ولم يكن يمنعه احد(4).

واذا كانت هذه هي الحال فانه في العصر العباسي مالت المزاجية لمصلحة المسيحيين اكثر لأن اكثر الخلفاء لم يكونوا من امهات مسلمات. ويذكر جرجي زيدان في كتابه "تاريخ التمدن الاسلامي"(5) ان المهتدي والمنتصر بالله والمستعين بالله والمستضيء وغيرهم كانوا من امهات مسيحيات, لذا علا شأن المسيحيين, وخصوصا العلماء منهم, وبالاخص الاطباء حيث بلغ مثلا راتب جبرئيل بختيشوع, طبيب المأمون, حوالى 400 الف درهم في الشهر في حين ان الراتب الشهري للجندي, المسلم لم يتجاوز 240 درهما وراتب اعلى موظف حكومي, وهو قاضي القضاة, لم يتجاوز 4000 درهم شهريا. لكن هذا كله لم يمنع مزاجية الخلفاء العباسيين من التنكيل بالمسيحيين عندما يرون ذلك هواهم.

فالمتوكل امر بهدم الكنائس المحدثة بعد الاسلام ونهى ان يستعان بهم في الاعمال او ان يظهروا الصلبان في شعانينهم وطلب ان يرقعوا لباس رجالهم برقعتين تخالفان لون الثوب(6). وحتى هارون الرشيد عندما ظن بهم سوءا هدم كنائسهم واجبرهم على لبس اللباس المغاير للمسلمين(7). اما في العهد الفاطمي فقد كانت مزاجية الحاكم بأمر الله قوية الى درجة جعلته يتفنن في عذاب المسيحيين فأجبرهم على الدخول في الاسلام تحت حد السيف الا ان (ابنه) الخليفة الظاهر اعاد بناء كنيسة القيامة وسمح لمن دخل الاسلام عنوة ان يخرج منه ويعود الى النصرانية(8). والواضح ان القضية ليست قضية اسلام ومسيحية بقدر ما هي مزاجية السياسيين المسلمين تجاه المسيحيين وهذا بطبيعة الحال يعني الاطار السياسي.

وقد سُجلت في التاريخ حركة هجرة كبيرة من المسيحيين عندما شعروا بالضغوطات عليهم وقد تجلى هذا في هجرة الشوام ابان حكم جمال باشا السفاح الذي سبق الحرب العالمية الاولى بقليل(9).

وفي النقطة الثانية, لم يكن سهلا على المسيحيين ان يصدقوا حقا انهم في مأمن من كون المزاجية هي التي حكمت تاريخ علاقتهم مع المسلمين لذا كانوا يعيشون حالتهم دون ان يصنعوا مستقبلهم, وعقدة الخوف كانت مستمرة فيهم. لذا, فان علاقة بعضهم مع الغرب المسيحي ضد اخوانهم المسلمين كانت متأتية من هذا الخوف الكامن فيهم, فهم مثلا في زمن هارون الرشيد رغم معاملته الجيدة لهم, راح البعض منهم يتجسس لمصلحة الروم اعتقادا منهم انهم لن يكونوا بمأمن مع المسلمين, وعندما عرف بأمرهم نكّل بهم.

لقد كانت الحاجة كبيرة للمسيحيين, كي يصدقوا انهم بمأمن مع المسلمين, وكانوا بحاجة كبرى كي يصدقوا انهم مواطنون متساوون في الدرجة مع المسلمين اخوانهم في الوطن نفسه, وقد ترجموا هذا الشعور من خلال الثورة الفرنسية التي نفضت عنها الثوب الديني لتلبس العلمانية والمواطنية المتساوية. لذا كانت طروحاتهم القومية بديلا من طروحات الخلافة الاسلامية. وقد نشر نجيب عازوري كتاب "يقظة الامة العربية" بالفرنسية عام 1905 في باريس, دعا فيه الى سلطنة عربية قومية لا بأس ان يكون فيها خليفة اسلامي الا ان السلطنة هي قومية عربية(10).

ثم قام الارثوذكسي سلامة موسى ينادي بفصل الدين عن الدولة وهكذا فعل شبلي الشميل وفرح انطون وغيرهم الذين وجدوا ان لا قيامة لوطن يحكمه رجال الدين او المنطوق الديني.

الا ان الطروحات القومية الجدية انطلقت مع خليل سعادة وتحديدا ابنه انطون سعاده المعروف (بالزعيم) من خلال اطروحته عن السورية الاجتماعية القومية, وميشال عفلق في طرحه عن البعث العربي.

ان هؤلاء الارثوذكسيين الذين تعبوا من سيطرة اليونان على كنيستهم ورفضوا هيمنة رجال الدين الغربيين بحثوا عن سبب الداء فوجدوا ان خلط المسلمين للتاريخ وتفصيله بحسب مزاجيتهم هو اساس العلة.

لقد درج بعض المسلمين على اعتبار ان بدء التاريخ القومي العربي هو الاسلام وبالتالي فلا حضارة ولا ثقافة ولا دولة ولا مواطنية قبل الاسلام. وعليه, فكل من دخل الاسلام صار مواطنا لدولة مسلمة ينضح بثقافة اسلامية ويثقل بالحضارة الاسلامية وحجتهم في ذلك هي اللغة العربية.

لهذا, قام المسيحيون ليقولوا نقيض هذه المفاهيم. ففضلوا اللغة العربية وهذبوها من "حوشياتها" وكتبوا بها. ولعل اعلاما كاليازجيين والمعالفة والبساتنة وجرجي زيدان ولويس شيخو اليسوعي وغيرهم كثيرين ازالوا تماما اي شك بأن المسيحيين متضلعين باللغة العربية وعارفين خفاياها وغناها.

ثم انتقل المسيحيون النقلة الاخرى, فبرهنوا باليقين ان الاقوام التي سكنت المنطقة العربية التي خرج منها الاسلام انما كانت في غالبيتها مسيحية (...) وان الحضارات المتعاقبة في المنطقة التي انتشر فيها الاسلام لم تكن حضارات منسية, فالاكادية والآشورية والبابلية رفدت العصر العباسي بالكثير من الفكر المتخمر لأسياد المعرفة من السريان, والكنعانية والفينيقية والعمورية كانت تعطي الشام زخماً كبيراً للخلفاء الامويين, وان الحضارة الفرعونية اثرت كثيرا في الفاطمية والفاطميين. وخلصوا في كل هذا الى ان الحضارة هي كم متوارث متداخل متفاعل, وان الدين لا يصنعها بقدر ما هو صنيعتها لأنه يستعمل ثقافتها لايصال رسالته.

واعتبروا انه ما دامت اللغة هي وعاء الحضارة فلتكن الحضارة عربية بوعائها العربي وقد ساهم في ايصالها الاجداد العرب وغير العرب الذين اتوا من الجزيرة العربية والذين كانوا قبلهم في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين وبلاد مجرى النيل.

لقد اعتبر المسيحيون العرب ان شرط مواطنيتهم هو ان تكون مواطنة غير مشروطة اي ان لا يخضعوا لأية مزاجية للحكام ولعل هذا ما يفسر تعلق اللبنانيين المسيحيين في ان يكون رئيسهم مسيحياً ولا شيء اكثر من ذلك. انهم يريدون المواطنة بكل حقيقتها وابعادها.

وعليه, اذا كانت الارادة الاسلامية حقيقية في اجراء النقلة النوعية من ارادة بقاء المسيحيين الى ازدهار الوجود المسيحي فهو اقرار المواطنة النهائية للمسيحيين ليس فقط في دولة واحدة عربية هي لبنان, بل على مساحة الوطن العربي, وهذا القرار رغم انه سياسي بامتياز ومصرح عنه بامتياز الا انه من الدساتير العربية, حتى لا تبقى دعوة الاستاذ جهاد الزين مشروطة دوما بمزاجية الحاكمين المسلمين.