الصراع السياسي في فنزويلا .... رضي السماك ...اخبار الخليج

 

 

 

مثلما رفض الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز مطالبة معارضيه التنحي عن السلطة كان بوسعه أن يرفض أيضا الخضوع لابتزازهم باجراء استفتاء على استكمال ولايته الدستورية الرئاسية الحالية، فهو الى جانب أن الدستور يعطيه كامل الحق في استكمال هذه الولاية يمتلك التأييد والنفوذ الكافي في الجيش لفرض سلطته علاوة على أن الذين

أصروا على هذا التنحي ثم أصروا على اجراء الاستفتاء هم أنفسهم الذين خططوا ومولوا الانقلاب اليميني الفاشل في ابريل 2002 بدعم مفضوح من الـ «سي.آي.ايه« لكن شافيز الواثق من نفسه ومن وقوف شعبه الى جانبه قبل التحدي بالاحتكام الى اللعبة الديمقراطية وصناديق الاقتراع وربح بامتياز الجولة واستطاع أن يسدد هزيمة ساحقة الى خصومه في مشهد سياسي تاريخي فريد من نوعه مفعم بالدلالات والعبر سواء على صعيد تجارب التحولات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية بخاصة والعالم الثالث عامة أم على صعيد ما يقدمه شافيز من نموذج فريد نادر في تطور الممارسة الديمقراطية السلمية في الصراع السياسي والاجتماعي، وذلك اذا ما علمنا بأنه كان جنرالا عسكريا بل سبق له أن قام بمحاولة عسكرية فاشلة في مطلع التسعينيات وتعرض للسجن بسببها ثم خرج منه بمراجعة فكرية لنبذ مثل هذه المحاولات للتغيير بديلا عن المشاركة السياسية المشروعة في العملية الديمقراطية القائمة مهما كانت تحدياتها وتعقيداتها واستطاع بفضل مثابرته هذه وشعاراته البسيطة العملية المؤثرة في طبقات وشرائح واسعة من المسحوقين والمهمشين أن يربح معركة الانتخابات الرئاسية عام 1998م، وهذا النموذج «الشافيزي« هو ما ظل يفتقر إليه طويلا الجنرالات العرب في السلطة. ولأن انتصار شافيز بوصوله الى السلطة بدا غريبا في عصر جديد هو غير عصر انتصار الشعارات والبرامج اليسارية والثورية، أي في عصر زوال الحرب الباردة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وانحسار اليسار عالميا وسيادة نظام القطبية الواحدة بزعامة الولايات المتحدة وصعود العولمة وانفلاتها بلا قيود.. لكل ذلك تكتلت ضده جبهة سياسية اقتصادية عريضة من المصالح والقوى الداخلية والخارجية المتضررة من حكمه واستماتت لإسقاطه تارة بالانقلاب ثم تارة بالاضرابات وتارة أخيرة بالاستفتاء ومنيت بالفشل الذريع في كل هذه الوسائل. ولا يمكن فهم طبيعة حدة الصراع السياسي والطبقي الذي اندلع وساد فنزويلا منذ وصول شافيز الى السلطة انتخابيا دون فهم موقع فنزويلا الهام على خريطة النفط العالمي وما تشكله من أهمية بالنسبة لأكبر مستورد منها الا وهي الولايات المتحدة، إذ تحتل فنزويلا المركز الخامس في قائمة الدول المنتجة للنفط بحصة يومية قدرها 3.2 ملايين برميل وتصدر طبقا لأرقام عام 2001م (26.7 مليار دولار)، وتستورد منها الولايات المتحدة مليونين و540 ألف برميل يوميا بما يعادل 15% من وارداتها النفطية.. وهي بذلك لها اخطبوط من المصالح النفطية المتشابكة مع الأوليجاركية الفنزويلية المحلية عمادها على وجه الخصوص الشركة الوطنية للنفط «بتروفن« وهي أكبر شركة نفط في العالم وثالث أكبر مورد للولايات المتحدة.. وقد قام شافيز بتوجيه ضربة الى من يسمون بـ «جنرالات النفط« في هذه الشركة وذلك بإعادة توزيع ثروة البلاد النفطية لصالح الفئات المسحوقة والمهمشة في بلد هو من أغنى البلدان نفطيا فبادر إلى ضرب الفساد فيها بتغيير ادارة الشركة التي يتقاضى أعضاؤها مرتبات خيالية تتراوح بين 20 إلى 50 ألف دولار وفرض تشريعات يحق للدولة بموجبها تملك 20% من أرباح الغاز و30% من السوائل النفطية. وعلى صعيد آخر تبنى برنامجا للإنفاق السخي على الخدمات التعليمية والصحية، ودخل في علاقات وطيدة مع دول مغضوب عليها من واشنطون: كوريا الشمالية، كوبا، سوريا، ايران، الصين، العراق (إبان حكم صدام حسين) وزوّد كوبا بالنفط بأسعار تفضيلية (53 ألف برميل يوميا لمدة خمس سنوات)، ودفع بالجيش للإسهام في اصلاح المستشفيات والطرق والمدارس وانشاء مراكز الطوارىء وتنظيم الأسواق الشعبية. لكل ذلك جرى اصطفاف تكتل عريض من جبهة القوى المعارضة المتضررة من سياسات وبرامج شافيز ــ ومن ضمنها قوى يسارية ــ لكن المعارضة منيت بالهزيمة الماحقة في ثلاث جولات رئيسية من الدسائس والمؤامرات المدعومة أمريكيا: المحاولة الانقلابية في أبريل 2002م، ثم الاضرابات العمالية في أواخر 2002م وأوائل 2003م والتي حاولت أن تشل الصناعة النفطية للبلاد، وأخيرا الاستفتاء على بقاء شافيز الذي فاز فيه بنسبة 58% مقابل 41% للمعارضة في اقتراع شهد بنزاهته مختلف المراقبين الدوليين.