التغيير مسؤولية الدولة أم مسؤولية المجتمع...

السيد يسين ....الاتحاد

اقتربت ساعة الحقيقة! لم يعد هناك في العالم العربي مجال للمراوغة والتنصل من مسؤولية التغيير الشامل بالاستناد إلى حجج الخصوصية الثقافية أو ضرورة التدرج، خوفاً من الغزو الثقافي الأجنبي، أو تلافياً لانقلاب الأوضاع لو تم تطبيق الإصلاح المطلوب بسرعة. وينسى الحكام العرب أو - في الحقيقة- يتناسون أن الإيقاع ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين أسرع جداً من إيقاع القرن العشرين. لم يعد هناك مجال لاستخدام طريقة المحاولة و الخطأ، ولن يعطي أحد للنظم السياسية العربية فسحة من وقت تمارس التجريب السياسي الفاشل في شعوبها، والذي يهدف في النهاية إلى إقصاء الشعوب عن المشاركة السياسية الفعالة، والإسهام الحقيقي في عملية صنع القرار. وفي تقديرنا أنه لا إصلاح بدون ممارسة النقد الذاتي بطريقة جسورة. وهذا النقد الذاتي لابد أن تبدأ الأنظمة السياسية العربية من خلال المتحدثين باسمها بممارسته لتقييم أسباب فشلها في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي هذا المجال لا يكفي الاعتراف بالأخطاء بل ينبغي - كما أكد من قبل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر- ردها إلى أسبابها وإعطائها التكييف الصحيح.

ونحن في مجال الإصلاح السياسي وهو يأتي في مقدمة الإصلاحات المطلوبة، نحتاج إلى أن نقف وقفة نقدية متأنية إزاء الممارسات السياسية العربية المتنوعة، والتي من خلال تبريرات أيديولوجية متعددة أدت في الواقع إلى إقصاء الجماهير العربية عن المشاركة السياسية، وأدت في النهاية إلى ترسيخ حالة الاغتراب الاجتماعي، والتي جوهرها إحساس المواطنين بعدم القدرة على السيطرة على مصائرهم، وانعدام قواهم الفاعلة في رسم صورة مجتمعاتهم والإسهام في تنفيذها.

وهذه الممارسات السياسية العربية اتخذت صوراً شتى ولعل أهمها منذ عقد الخمسينيات صورة الانقلاب العسكري الذي سرعان ما يعلن عن نفسه أنه ثورة. بل إن الانقلاب العسكري يمكن أن يتكرر ضد الانقلاب الأول، ولا يتردد القائمون به بنعته بأنه ثورة تصحيح.

ولعل الانقلاب العسكري الذي حدث في مصر يوليو 1952 والذي سرعان ما تحول إلى ثورة شاملة يكاد يكون فريداً في الانقلابات العسكرية العربية.

ذلك أنه سبقته في الفترة من 1945 ونهاية الحرب العالمية الثانية، حتى عام 1952 تفاعلات جماهيرية شتي، قادها المثقفون والأحزاب السياسية والنقابات العمالية والمهنية في مواجهة مشكلتين أساسيتين هما المشكلة الوطنية ونعني إنهاء الاحتلال الإنجليزي، والمشكلة الاجتماعية ونعني الفجوة الطبقية الكبرى بين الأغنياء والفقراء في ريف مصر وحتى حضرها.

هذا النموذج الأول من الممارسات السياسية العربية ونعني الانقلاب العسكري الذي يتحول إلى ثورة يحقق العدالة الاجتماعية غير أنه يلغي في الواقع الحريات السياسية، حاولت بلاد عربية عديدة تقليده غير أنها فشلت، لأسباب متعددة، ولعل في مقدمتها سوريا والعراق.

ما الذي يمكن عمله إزاء هذه الممارسة السياسية العربية التي استمرت تقريباً طوال نصف قرن، إذا ما أردنا أن نقوم فعلاً بعملية إصلاح سياسي جذري؟ ليس هناك من طريقة سوى إلغاء نموذج هيمنة الحزب السياسي الواحد، فهذا هو الطريق الوحيد لإحياء التعددية السياسية.

ولكن كيف يمكن الخلاص من إرث الحزب السياسي الواحد؟ هذه هي المعضلة التي تحتاج إلى إبداع دستوري، وإلى فكر سياسي جديد. وهذا الإبداع وذلك الفكر لا يمكن أن تنتجهما النظم السياسية العربية الحاكمة، بل هما يحتاجان إلى عقول كل القوى الحية في المجتمع العربي المعاصر. الأحزاب السياسية لابد أن تصوغ رؤى جديدة تتجاوز الفكر التقليدي ورؤاه المكررة، والمثقفون والباحثون عليهم مسؤولية البحث المقارن وتحليل التجارب الديمقراطية المعاصرة للبحث عن حلول جديدة. وقد تكون الدراسة المتعمِّقة للتحول الديمقراطي الذي حدث في دول أوروبا الشرقية والتي انتقلت عبر دروب ومسالك شتى من السلطوية إلى الليبرالية مدخلاً مناسباً لمعرفة الكيفية التي يمكن عن طريقها تحويل طبيعة النظم السياسية، ومواجهة مختلف صفوف المقاومة التي لابد أن تستفيد بها النخب السياسية الحاكمة في مواجهة مطالب التغيير الشامل.

غير أن الحزب الواحد قد لا يكون بالضرورة نتاجاً لانقلاب عسكري تحول إلى نظام سياسي حاكم من خلال حزب سياسي، ذلك أنه لدينا النموذج التونسي حيث يهيمن الحزب الدستوري على مجمل الفضاء السياسي في تونس بحكم شرعيته التاريخية في تحقيق الاستقلال الوطني بقيادة الحبيب بورقيبة.

في هذه الحالة يحتاج الإصلاح السياسي إلى أفكار جديدة تتجاوز ما تم من سياسات إصلاحية شكلية في تونس، من السماح بالتنافس على منصب رئيس الجمهورية، أو زيادة نصيب أحزاب المعارضة في المشاركة السياسية وإن كان ذلك بمقدار محسوب.

هذه مجرد أمثلة على ممارسات سياسية عربية تمت خلال نصف القرن الماضي وثبت - بما لا يدع مجالاً للشك- فشلها الذريع، لأنها أدت في الواقع إلى السلبية المطلقة للجماهير، مما أدى إلى تعثر جهود التنمية بالمعنى الحقيقي للكلمة. وإذا كنا ركزنا في مجال تغيير طبيعة الأنظمة السياسية العربية على ضرورة تصفية التراث السلبي لهيمنة الحزب السياسي الواحد أيا كانت صورته، فإن هناك مسؤوليات تقع على عاتق الأحزاب السياسية المعارضة.

ولعل أهم هذه المسؤوليات تتعلق بتجديد رؤاها السياسية وإعادة مراجعة برامجها، وعدم الوقوف بشكل أيديولوجي جامد أمام صياغاتها القديمة التي تمت في مناخ القرن العشرين. هناك حاجة ملحة للتجدد السياسي الذي لابد أن يقوم على القراءة النقدية الواعية للمتغيرات العالمية.

لقد تغيرت بنية المجتمع العالمي تحت تأثير سقوط الاتحاد السوفيتي ونهاية عصر الحرب الباردة، وانفراد الولايات المتحدة الأميركية بالمسرح العالمي، وتحولها إلى إمبراطورية كونية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ومن ناحية أخرى سقطت اقتصادات التخطيط، وساد اقتصاد السوق، وارتفعت شعارات حرية التجارة وخصوصاً بعد إنشاء منظمة التجارة العالمية. وبرزت العولمة باعتبارها هي العملية التاريخية الكبرى في القرن الحادي والعشرين بتجلياتها السياسية والاقتصادية والثقافية.

ونشهد منذ نهايات القرن العشرين التحول الحضاري الحاسم من نموذج المجتمع الصناعي إلى نموذج مجتمع المعلومات العالمي الذي يتحول - ببطء وإن كان بثبات- إلى ما يسمى مجتمع المعرفة، والذي ينمو في البلاد المتقدمة بخطوات متسارعة، مصاحباً في ذلك نمو اقتصاد المعرفة، حيث ستصبح المعرفة هي المولدة للثروة، وبالتالي ستكون هي وليس غيرها أهم مصادر الإنتاج.

كل ذلك يتم في إطار مناخ عالمي يسيطر عليه الإيقاع السريع غير المسبوق في تاريخ الإنسانية، بفضل ثورة الاتصالات الكبرى ومن قبلها شبكة الإنترنت، والتي غيرت بشكل حاسم حقاً نوعية وطبيعة المعاملات الإنسانية والاتصال بين البشر بالرغم من تعدد الثقافات.

هل أحزاب المعارضة السياسية العربية استطاعت أن تستوعب كل هذه التغيرات الكبرى، وتعكسها في مجال صياغة رؤاها السياسية التي تطرحها بديلة للرؤى السياسية التقليدية أو الفاشلة للنظم السياسية والحاكمة؟!

لا نظن أن هذه الأحزاب السياسية قد قامت بالجهد المعرفي والفكري الضروري في هذا المجال. ومن هنا يمكن القول إن التغيير العربي الشامل قد لا يأتي من قبل النظم السياسية الحاكمة التي ما زالت تمانع في دخول حلبة التغيير الشامل، ولكنه قد يأتي من قبل الأحزاب السياسية المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني لو أدركت عظم المسؤولية التاريخية الواقعة على عاتقها.