دارفور: في الطريق إلى التدويل...

محمد جمال باروت...الوطن السعودية
في دارفور مأساة إنسانية حقيقية، لكن الكل يحاول أن يتعيّش منها لدوافعه ومصالحه وليس لإنسانويته. فماذا يعني قول أصحاب النظام ببكائية عن أن العرب سيذكرون السودان مثل الأندلس بينما يتحدثون بحدائية عن قدرتهم على حل المشكلة في هذا الإقليم المعذب والمهمش؟ وماداموا يستطيعون ذلك فلماذا لا يتم تنفيذه وقطع الطريق على عملية التدويل الجارية؟ ففي دارفور مأساة إنسانية جماعية حقيقية مع أنها ليست بمأساوية ما حدث في الكونغو ورواندا التي وقف الغرب يتفرج على ضحاياها. ولقد يمكن مسايرة فهم الضغط الكبير لوضع المأساة الدارفورية في طريق التدويل الذي قد ينتج عنه تدويل المسألة السودانية ككل في شروط تعثر المفاوضات مع الجنوب واحتمال فتح جبهة اقتتال في شرق السودان، على أنه جزء من وعي عالمي أو تفكير سياسي جديد بعالم قد غدا أكثر تشابكا وترابطا في مصيره من أي زمن آخر. وأن الزمن لم يعد زمن تفويض الولايات المتحدة الأمريكية لنظام جعفر النميري في استخدام قبائل المورلي التي يصفها حلمي شعراوي بجنجويد الجنوب ضد قبائل الدينكا والنوير الإفريقية في الجنوب من أجل ضمان مصالح شركة شيفرون النفطية، وهو بالمناسبة ما شكّل أحد عوامل انضمام القبيلتين إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يقودها جون جارانج، بقدر ما بات زمن تغليب" المبادئ" على " المصالح" في حل المآسي الجماعية في بعض الدول لكن هذا المنطق لا يستطيع أن يخفي حقيقة تمويه المصالح بالبلاغة الإنسانوية للتفكير السياسي العالمي الجديد.
إن ذلك يثير السؤال عن المصالح الأمريكية السودانية، والتي تبدو خليطا معقدا من مصالح مباشرة أو راهنة ومصالح مستقبلية، ففي المصالح المباشرة التي باتت مرهونة برمتها بموازين الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية يأتي الضغط الأمريكي لوضع المسألة السودانية في طريق التدويل في إطار إسباغ مسحة إنسانوية على الحرب ضد الإرهاب، من خلال وضع المسلمين الذين ينتمي إليهم الدارفوريون المندمجون بقوة في الحركات السياسية الصوفية والإسلامية "الحديثة" السودانية مثل حزب الترابي تحت مظلة الحماية بقدر ما يلجأ قادة الفصائل الدارفورية إلى تغذية هذه المسحة بإثارة الضجيج عن تمركز القاعدة في غرب السودان. ويشكل ذلك في العمق جزءا من عملية بلورة الطرح الوظيفي الجديد لنظريتي "الحرب العادلة" و"التدخل الإنساني" اللتين ينفرد الجيش الأمريكي بتدريسها في كلياته كمضمون إنسانوي لاستراتيجية الضربة الوقائية ومعالجة وضع الدول الفاشلة. فتجربة الملاذ الآمن في شمال العراق وجنوبه قد بينت جدواها في إضعاف القدرات التدخلية للسلطة المركزية وشلها، بقدر ما تشتمل المصالح المباشرة على عوائد رمزية وتصويتية داخلية أمريكية من خلال جذب الأمريكيين الإفريقيين من نطاق نفوذ الحزب الديموقراطي إلى نطاق نفوذ الحزب الجمهوري. بينما ترتبط المصالح المستقبلية بمخزون النفط الهائل الذي يتم الحديث عنه في الغرب السوداني، والذي تنقب عنه شركات آسيوية هندية وماليزية أو غير أمريكية.
لقد كان انتشار رائحة النفط يحرك دوما النزعات الإقليمية المحلية بشكل انفصالي، ففي جنوب اليمن كان استثمار النفط وبروز عائداته الريعية قد حرك الطموح الانفصالي لقيادة الحزب الاشتراكي اليمني، بينما يشكل في شمال العراق أحد أكثر تعقيدات المسألة الكردية في طرحها مفهوم الحكم الفيدرالي على أنه يعني الحق الإقليمي في الأرض، وفي الرسالة المنسوبة وقد تكون المزعومة من الرئيس جورج بوش والموجهة إلى بعض قادة الأحزاب الكردية السورية إثر اضطرابات القامشلي ومضاعفاتها، هناك إشارة إلى أن هذه الأحزاب قد ذكّرت الرئيس الأمريكي بأهمية عنصر النفط السوري في التدخل الأمريكي لـ" حماية" الأكراد السوريين، بينما استهجن بوش هذا " الإغواء" بأن اعتبارات الولايات المتحدة مبدئية إنسانية وليست مصلحية ضيقة. ولكن هذا الاستهجان لا يعني على مستوى الاستراتيجيات سوى أن المصالح قد باتت توضع في مروحة أشمل مؤنسنة وأخلاقوية للمصالح.
في استراتيجيات المصالح يعبر وضع المسألة السودانية في طريق التدويل عن طريق استئناف السياسة الأمريكية التي كانت نشطة لقضم النفوذ الفرنسي في إفريقيا الناتج عن ميراث الحقبة الاستعمارية وتبديله بنفوذ أمريكي، فواشنطن لم تغفر لباريس موقفها من حرب العراق بينما يقول المنطق الأمريكي لاستراتيجية الحرب الاستباقية إن فرنسا قد تدخلت مرات كثيرة في إفريقيا من دون أن تفكر بطرق باب مجلس الأمن الدولي، إلا أنها تطرق هذا الباب حين يتصل الأمر بتقييد أمريكا. المنطق هنا منطق مصالح وليس مجرد منطق" بريء" للأمن الجماعي. ولقد يمكن أن نفهم في هذا السياق مسارعة باريس للتدخل انطلاقا من تشاد مع أنها تنفي عن انتشارها العسكري صفة التدخل. وفي هذا السياق تمكنت واشنطن في إطار ما يمكن تسميته بحرب المواقع بينها وبين أوروبا أن ترمم العلاقات عبر الأطلسية التي تصدعت بنتيجة الانفراد بغزو العراق واحتلاله من جذب محور برلين- باريس إلى مدار التدويل، وتأمين مقدمات إجماع أوروبي لاستراتيجيتها الإفريقية.
لقد شجعت الولايات المتحدة في سياق تطويق النفوذ الفرنسي ومحاولة احتوائه على قيام قوة أمن جماعية إفريقية لاحتواء التوترات ومعالجتها إقليميا كتدبير إقليمي مضبوط من قبل مركز الطبقة الدولية المسيطرة، ويتم بالوكالة. من هنا فإنها لم تعق اهتمامات جامعة الدول العربية ولا اهتمامات الاتحاد الإفريقي بمحاولة الحل الإقليمي للأزمة السودانية. وما يبدو في السطح على أنه صحوة النظام العربي في استعادة قدرته على حل الأزمات باسم قطع الطريق على التدويل ليس في حقيقته سوى كوة أمريكية للفرصة ما قبل الأخيرة، فدور الجامعة العربية هنا لم يتم بسبب صحوة دينامياتها الإقليمية بقدر ما يتم في إطار فرضيات وخطط تصور استراتيجية أمريكية قريبة وبعيدة المدى، قد تفضي إلى إعادة تنظيم المصالح الفرنسية-الأمريكية تحت القيادة الاستراتيجية الأمريكية. وتبدو إدارة بوش في ربع الساعة الأخير من الانتخابات في ذلك وكأنها تعتمد خطط التصور الديموقراطية للمرشح كيري في الاعتماد على التعاون الدولي والإقليمي ومحاولة استنفادها.
إن السودان دولة وليس أمة, ويبدو الجيش اليوم قوته الأسمنتية الوحيدة المتبقية التي تلتهم كل موارد التنمية، وحاصل ذلك ضعف الدولة اقتصاديا. وصحيح أن الجيش السوداني لم يتمزق بعد مع أن ثلثي جنوده وضباطه على الأقل ينتمون إلى دارفور، إلا أن دعم الميليشيات كقوات شبه نظامية له يزيد من ضغوطات القوى النابذة في الدولة، ويمكن أن يؤول بالمركز العسكرتاري للسلطة إلى مركز نابذ للتوحد. فدعم جنجويد دارفور يكرر النتيجة العكسية لدعم نظام جعفر النميري سابقا لقبائل المورلي في جنوب السودان في دفع قبائل الدنكا والنوير للانضمام إلى الحركة الشعبية في الجنوب. إن الوقت لا يعمل لصالح السلطة العسكرتارية السودانية، واستعراض قوة الجيش السوداني في شوارع الخرطوم كما يفكر قادته لا يغير من حقيقة التفكك السياسي. وكلما أسرعت السلطة بتطبيق أقاويلها في القدرة على حل مشكلة دارفور كلما أخّرت طريق التدويل. ومادامت تقدر على ذلك فلماذا لا تفعله؟
*
كاتب سوري