الكانتونات السورية اللامتحدة....

نبيل فياض....السياسة الكويتية

لمن لا يعرف, فسورية مكونة من اثنيات كثيرة, هي: العرب, الاكراد, الارمن, السريان, الاثور (الاشوريون), الكلدان, الشركس, الالبان, الداغستان, التركمان, الشيشان,... ومن اديان عديدة, هي: الاسلام, ويضم الطوائف التالية: السنة, الشيعة, العلويون, الاسماعيليون بفرعيهم, القاسمي في السلمية ونهر الخوابي, والمؤمني في مصياف, المرشديون, الاحمديون (القاديانيون), الدروز, اضافة الى بعض البهائيين! المسيحية, وتضم الطوائف التالية: الروم الارثوذكس, الروم الكاثوليك, السريان الارثوذكس, السريان الكاثوليك, الموارنة, الارمن الارثوذكس, الارمن الكاثوليك, اللاتين, الكلدان, النساطرة, البروتستانت بكنائسهم الكثيرة: الاتحاد المسيحي, الانجيلية, المعمدانية والناصري! اضافة الى اقلية من شهود يهوه والمورمون واتباع كنيسة العنصرة! اليهود, ولم يبق منهم احد تقريبا! اليزيديون, الذين يهاجرون بانتظام الى المانيا تحديدا! بعض الصابئة والشبك والكاكائية!
ولمن لا يعرف ايضا, فهذا الوضع الفسيفسائي غير الصحي يلتصق ببعضه بصمغ القبضة الامنية الذي يتبخر على نحو بطىء لكنه راسخ, بفعل الترهل والفساد والروتين الممل! واذا كان الناظر الى هذه الفسيفساء غير الصحية من فوق يراها متماسكة, فحقيقة التماسك ستظهر تفتتا قاتلا ما ان يضع الناظر قدميه على ارض الواقع

في دول العالم المتحضر هذه الايام, تسود نغمة جميلة اسمها " التعددية", والالمان والدنماركيون, على سبيل المثال, يعملون على استيراد اقليات بعينها من الدول الناطقة بالعربية, كاليزيديين والصابئة المندائيين, في محاولة منهم لكسر روتينية اللون الواحد المزعجة للعين والنفس, واضفاء حالة من الدياليكتيك المعرفي المتجدد على النظريات الفلسفية القديمة التي اضحت بامس الحاجة الى روح جديدة تعيد اليها بعض ضيائها المنكسر!- فلماذا تحاول بعض دول العالم الاول المتحضر استيراد بعض من تجربة ثبت لدينا بالورقة والقلم انها مليئة بالمخاطر في دول المصدر? الجواب البسيط, يقول: ان الفرق في الشروط الموضوعية لتطبيق التجربة بين الطرفين هو السبب في نجاحها في الغرب وفشلها الدائم في الشرق الناطق بالعربية! - كيف?
دون حاجة للدخول في مقاربات بحثية لا طاقة للقارىء العربي على تحملها, يمكننا القول, ان مجمل عناصر تلعب دورها الابرز في تحويل هذا الفسيفساء الملون, الذي كان من المفترض ان يبدو جميلا, مقارنة مع اللون الاوحد, الى شريحة قابلة للانفجار في اية لحظة, وباخذ سوريا مثالا, يمكن تلخيص اهم العناصر الانفجارية على النحو التالي

التعصب الذي تدعمه الدولة: ثمة شكلان للتعصب في سورية, تدعمهما الدولة, بشكل او باخر, القومي والديني:
أ ¯ التعصب القومي: باستثناء الارمن الذين يدرسون لغتهم الخاصة بطريقة هامشية, ما من اقلية قومية في سورية تستطيع ان تعلم ابناءها بلغتها الخاصة, وهو الحق القومي الابسط, واذا كان باستطاعة كافة الاقليات غير الكردية انشاء جمعيات ومنتديات خاصة, لانها على الارجح لا تشكل ديموغرافيا على الاقل ادنى خطر على النظام, فالاكراد, الذين يعتبرون القومية الثانية في سورية, محرومون من كل تلك الحقوق, بما في ذلك حق التجنيس لبعضهم, من المقيمين في سوريا منذ اكثر من ربع قرن! والنقمة التي تغلي في صدور كثير من الاكراد احد ابرز عوامل فصم عرى لحمة الفسيفساء السورية

ب- التعصب الديني: اضافة الى ان الناس في سورية مصنفين بحسب انتمائهم الديني الى ابن ست وابن جارية وابن امة, فالقائمون على الامر في البلد, والذين ينضحون في غالبيتهم الساحقة بالطائفية (في بانياس, على سبيل المثال, يسكن علي زيود وعز الدين ناصر في الحي العلوي, ويسكن عبد الحليم خام في منطقة سنية), ينفخون على الدوام بطائفيتهم القاتلة في كير الطائفية الذي كان قد اوشك يوما على الاختفاء, بل ان من هو غير طائفي ولا ديني اساسا ضمن التركيبة السورية الغريبة, لا يستطيع الا ان يكون طائفيا, اقله لان الجو العام المريض طائفيا لا يمكنه الا ان يفرض نفسه, اضافة الى ان الفوائد الانية للطائفية, مهما كان خطرها مخيفا على المستوى البعيد, يغري كثيرين باستغلالها لمصالحه! - وبالمناسبة لا يمكن الا ان نتذكر هنا الحديث الطائفي المقيت لوزير دفاعنا السابق بحق الطائفة المرشدية, والذي لم يلق اي استنكار رسمي معلن رغم قباحته: فاذا كان القائمون على الامر بهذه العقلية, فماذا يمكن ان نتوقع من الشعب العادي الذي يعتبر هؤلاء امثولات حية " تمشي على الارض الافتقاد الى التربية الوطنية التي تتجاوز حدود الطائفة او الانتماء الاثني: فمنذ البداية الاولى, قبل احدى وعشرين سنة, عمم البعثيون, ومن قبلهم الناصريون وان بحدة ايديولوجية اقل, شكل فهمهم الشوفيني اللاانساني للانتماء الوطني, وفرضوه بقسريتهم المعهودة على الجميع, بغض النظر عن انتماءاتهم وميولهم, وهكذا, فبدل التاكيد على الهوية السورية الانسانية التي يمكن ان تشمل الجميع, من العربي الى الكردي فالارمني...الخ, اجبر السوريون جميعا على حمل اللقب: عربي سوري, حتى وان كان واحدهم تركمانيا او اشوريا, ووصل مسلسل التعصب القومي البغيض الى قمته مع حلقات تلفزيونية لاحد مدعي العروبة, اتحفنا فيها صاحبها انذاك, بحديث لا علاقة له بالوثائقية العلمية او الموضوعية النقدية, تفلسف من خلاله عن الفينقيين العرب والاراميين العرب والسومريين العرب ... الخ! وكله, طبعا, برعاية الدولة وتصفيقها!
3-
الانتشار غير المسبوق للحركات الاصولية المتطرفة في صفوف السنة السوريين, برعاية الدولة ومباركتها, وما يعنيه ذلك من تفش لظواهر اجتماعية مَرَضية خطيرة, مثل التكفير وذيوله الجنائية, ورفض الاخر, وما ينتج عنه من ردات فعل عند الاطراف الاخرى الامر الذي ينذر بتحويل القطر الى جزر طائفية او اثنية لا تعرف ادنى اشكال التواصل المعرفي! ان الانتشار غير العادي للفساد من ناحية, والامكانات المادية الخارقة للجماعات المتطرفة من ناحية اخرى, يجعل من امكانية ضبط هذا الامتداد السرطاني للحركات الاصولية المتطرفة التكفيرية ضربا من الخيال, دون ان ننسى بالمناسبة ان كثيرا من رموز السلطة ليسوا بعيدين, كبنية فكرية, عن هذا التطرف. وقد حاول بعضهم التفتيش عن غطاء سياسي يبرر من خلاله هذا التبني الاغرب للحركات المتطرفة الارهابية, فكان ان هداه تفكيره المصلحي وسوء حظ سوريا الى مقولة مفادها ان لهذه الحركات دورها المفصلي في الصراع العربي الاسرائيلي, دون ان ينظر الى الوجه الاخر للعملة, اي مستقبل الوطن بعد تسرطن هذه العقلية ضمن الفسيفساء الهش, اوالوصول الى معاهدة سلام مع هذا العدو خوف الدولة غير المبرر من خطة مدروسة للحد من التوسع الهائل للعقل النقلي الاصولي, الا اذا وضعنا امام اعيننا اساطير التكفير الموروثة منذ ايام ابن تيمية وابن قيم الجوزية وتسلل ذلك الى اللاوعي الجمعي السوري, عند الطوائف كافة! ويبدو ان الدولة, التي تفتقد اساسا الرجال المنطقيين الذين يمكن ان يدركوا ان محاربة التطرف لا تكون بالسلاح بل بالفكر, تنتظر تحركا من نوعية استفزازية بعينها كي تفعل المسالة امنيا! وما حصل في حماة مؤخرا, كما تناقلته وسائل الاعلام العالمية, يؤكد بالكامل ما نقوله باستمرار!
5-
افتقاد سوريا تماما لمراكز بحوث اجتماعية يمكن ان تساهم بقوة في وضع تصور مستقبلي للوضع السوري الامثل, يمكن ان يساعد صانعي القرار في رسم لخطة على المدى الطويل تساهم بقوة في حل الازمات السورية الاجتماعية المستعصية! ويزداد الامر سوءا حين نعرف ان الجامعة السورية, التي نالها من الفساد ما نالها, لم تعرف حتى الان الف باء علم الاجتماع بمعناه العلمي الموضوعي! دون ان ننسى خلو سوريا شبه الكامل من الوسط الاكاديمي المؤهل للنهوض بالناس اجتماعيا, وابسط الامثلة على ذلك, افتقاد سورية عموما من معاهد الخدمة الاجتماعية المهمة في حين ان معاهد من هذه النوعية تعتبر في بلد كمصر من الامور البديهية للغاية منذ اكثر من نصف قرن!
6-
الدور السلبي للاعلام النفاقي السوري الرسمي, الذي لم يكتف بعدم تسمية الامور بمسمياتها الحقيقية وتوصيف الحالة المرضية بما تستحقه من الفاظ, بل انه ينافق حتى القمة, خاصة التلفزيون المغرق في باطنيته, حين يمشي في الاتجاه المعاكس, واصفا سوريا بعبارات لا تقنع الاطفال, من امثال " وطن الحرف ", وهو الذي تمنع فيه الكتب زمن الفضاء المفتوح على اعلى المستويات, او " الشعب اللاطائفي ", ومدن سورية مقسمة كلها طائفيا, او " الشعب المحب ", وهو الذي يؤدلج رفض الاخر المخالف تحت عناوين كثيرة!
ان سورية هي البلد الاقرب الى العراق, لا جغرافيا وتاريخيا فقط, بل وكتركيب تعددي ديموغرافي ايضا, وعوض ان يتعلم السوريون من الدرس العراقي الصدامي, الذي اوصل العراق الى حالة تفتيت لا مثيل لها في العصر الحديث, نجدهم يصرون على دفن الراس في الرمال, مهللين لوطن اللاطائفية واللاشوفينية, ومظاهرات الاكراد تجتاح البلد من القامشلي الى دمشق, والتكفير يمسك باعناق المنابر من حلب الى حماة فحمص فدمشق حتى اخر القرى في الريف السوري!
الكارثة قادمة لا ريب! هل من مصغ!?