الغاية والمحاذير في استحداث منصب جديد للاستخبارات الأميركية...

هنري كيسنجر ...الشرق الاوسط

اقترح الرئيس الاميركي جورج بوش منصب مدير الاستخبارات القومي. وهو منصب جديد، وسيتولى المدير، والذي لن يكون ضمن مجلس الوزراء، ولن يعمل من البيت الابيض، تنسيق ميزانية الاستخبارات، والعمل مع العديد من وكالات الاستخبارات المختلفة لتحديد الاولويات. وقد ايد السناتور جون كيري دورا اكثر فاعلية لمدير الاستخبارات المقترح، وهو المنصب الذي اوصت به لجنة التحقيق في احداث 11 سبتمبر، فيما يعقد مجلس النواب والشيوخ جلسات استماع للاسراع بإقرار التشريعات بحيث يجري التصويت عليها قبل نهاية دورته في اوائل اكتوبر.
والى ذلك فللرغبة الحثيثة للقيام بعمل ما وسط الحملة الانتخابية ما يبرره من تعرض البلاد لخطر وشيك، والعواقب هي ان النظام الاستخباراتي الحالي غير قادر على التعامل مع التهديدات العاجلة. ووجهة النظر هذه ذات تأثير مزدوج. فإعادة التنظيم ستؤدي الى شهور، بل وسنوات، اذا كانت شاملة، من تعديلات في الهيئات التنفيذية، وكلما زادت التغييرات كان ذلك صحيحا. ومهما حدث، فيجب التعامل مع التهديدات على المدى القصير عن طريق تحسين البنية الاساسية التي تم التوصل اليها عقب هجمات 11 سبتمبر. اما بالنسبة للتهديدات على المدى الطويل، فيجب الاهتمام بألا يؤدي الانتقال السريع لنظام جديد الى ظهور نقاط ضعف غير ضرورية. ولذلك فالتفكير المتأني اهم كثيرا من السرعة.
وتقود الارهاب، الذي وصفته لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر بأنه هجوم من الاسلام الاصولي الراديكالي، جماعات خاصة تكنيكية تقيم في اراض دول ذات سيادة وتتمتع بتعصب يتعدى الولاء السياسي التقليدي. ومن هنا يجب تكييف اجهزة الاستخبارات لهذه الحقائق الجديدة، بفهم للمشاكل التي تتطلب حلا. ومن هنا فالتركيز الحالي هو على المركزية فيما يتعلق الخلاف الاساسي بسلطات مدير الاستخبارات المقترح، سواء ما اذا كان يجب ان يكون له حق التعامل في امور الميزانية، او عدم تبعيته للمكتب التنفيذي للرئيس. ان الافتراض الرئيسي يبدو في فشل كل جوانب اجهزة الاستخبارات الى نقص في جمع المعلومات وتنسيقها. ومن ملاحظاتي فإن المشكلة تنشأ عادة في مرحلة التقييم. فحالات الفشل الاستخباراتية الرئيسية الاربع في الثلاثة عقود الماضية توضح هذه النقطة وهي:
أولا: حرب 1973 في الشرق الاوسط، التي فاجأت الولايات المتحدة واسرائيل. ـ ثانيا: التجربة النووية الهندية لعام 1989، التي ادت الى انطلاق مرحلة جديدة من تهديدات الانتشار النووي. ـ ثالثا: هجمات 11 سبتمبر. ـ ورابعا: الفشل في العثور على اسلحة الدمار الشامل في العراق.
وفي كل حالات الفشل الاستخبارية تلك، فيما عدا 11 سبتمبر، كانت الحقائق متوفرة ولكن الصعوبات نشأت في ومع تفسير ما هو المقصود. وحتى هجمات 11 سبتمبر، فقد ارجعتها اللجنة الى فشل التخيل في الربط بين المعلومات المتوفرة.
وقبل حرب 1973 كانت الحكومتان الاسرائيلية والاميركية على وعي بكل تفاصيل الاستعدادات المصرية والسورية، ولكن الذي اساءوا تقديره هو الهدف. فلم يعتقد احد ان الجيوش العربية ستهاجم، لان جميع المحللين على كل المستويات كانوا على قناعة من هزيمتها في تلك الحالة، وكل حدث مهما كانت خطورته، كان يخضع لتفسير يؤكد هذا التصور. وحتى عندما سحب الاتحاد السوفياتي رعاياه من سوريا ومصر قبل 48 ساعة من نشوب الحرب، تم ارجاع ذلك للتوتر العربي السوفياتي.
أما في ما يتعلق بموضوع اسلحة الدمار الشامل، كما يوضح تقرير لورد بتلر حول الاستخبارات، فقد انهارت عملية التقييم عندما قفز المحللون من ادلة لا جدال فيها، مثل عقد من انتهاكات صدام لوقف اطلاق النار عام 1991، وتشييد مصانع ذات اهداف مزدوجة لانتاج العناصر الكيميائية والبيولوجية، وجهود للحصول على مواد نووية، واجراءات من الخداع واخفاء البرنامج، الى الاقتناع بأن القدرة الواضحة على الانتاج، قد ترجمت الى مخزون من الاسلحة. (في اوائل عام 1998 ذكر الرئيس كلينتون في خطاب يشرح فيه قصف العراق ارقاما للمخزون من الاسلحة البيولوجية والكيميائية) وقد تقدم هذا التقييم خطوة اكثر مما يجب. ولكن ما نعرفه الان لم يكن ليغير من تلك الحسابات.
فمعظم القرارات الاستراتيجية تتعلق بإحكام بخصوص العواقب. ويجب على اجهز الاستخبارات توفير الحقائق ذات الصلة بالقرار، ويعتمد توجه السياسة والاختيار النهائي على عدد من العوامل الاضافية التي يجب على القيادات السياسية اتخاذها. ووجود مدير للاستخبارات في المكتب التنفيذي للرئيس يمكن ان يمحو هذا الفصل، ويمنح الاستخبارات نفوذا غير متناسب في صنع القرار السياسي ويبعد اجهزة الاستخبارات عن التحليل.
وبالمثل فإن دمج الاستخبارات الخارجية والداخلية تحت اشراف مسؤول واحد، لا يخضع للمراجعة من أي مؤسسة في الجهاز التنفيذي للسلطة، فيما عدا الرئيس، يثير القلق. وهذه ليست بالطريقة التي تواجه بها معظم الديمقراطيات التحديات، فالمقارنة المتكررة بهيئة اركان الحرب تتجاهل حقيقة ان رؤساء الاركان، في الوقت الذي يستمتعون فيه باتصال مباشر بالرئيس، يجب عليهم تطوير افكارهم يوميا، في تفاعل مع الادارة المدنية للبنتاغون. وحتى فترة متأخرة، كانت السياسة المعتادة هي اقامة حاجز بين اجهزة الاستخبارات الخارجية والداخلية لمنع ظهور هيئة استخبارات واحدة بسيطرة لا تخضع للاشراف. غير ان احداث 11 سبتمبر اظهرت ان هذا الجهد تعدى حد المعقول، وعرقل التعاون في ما يتعلق بالارهاب، فيما لا يعني ذلك ان القضاء على الفروق تماما هو افضل الحلول.
أما من الناحية العملية، فإن مشاريع اعادة التنظيم المقترحة تلغي مواد قانون الامن القومي لعام 1947 الذي يجعل رئيس وكالة الاستخبارات المركزية هو مدير الاستخبارات الاجنبية للحكومة بأكملها. ولم يتمكن رئيس وكالة الاستخبارات المركزية من تنفيذ سلطاته النظرية بسبب اصرار اجهزة الاستخبارات الاخرى، ولا سيما البنتاغون، على استقلالية دورهم في عملية الاستخبارات. اما تعيين مدير جديد للاستخبارات القومية، بصلاحيات أعلى من مدير وكالة الاستخبارات المركزية، فسيكون ناتجه أحد أمرين:
في عالم تنبع القوة فيه من المعرفة، فإن هذا الوضع سيقتضي إنشاء بنية بيروقراطية جديدة وهائلة الحجم، لإعادة توجيه سريان المعلومات الاستخبارية في كل الاجهزة الحكومية، واستخلاص خلاصة المعلومات الاستخبارية من كل الأجهزة المختصة. وفي هذه الحالة تثور الأسئلة التالية: من أين يمكن تجنيد العناصر البشرية للقيام بهذا العمل؟ وهل سيحدث ذلك بإلغاء بعض الأجهزة القائمة حاليا، وإذا كانت الإجابة بنعم، فأي هذه الأجهزة يمكن الغاؤها؟ أما في غياب مثل هذه البنية، فالمدير الجديد لن يكون أكثر من نقطة تجميع وتنسيق لاقتراحات الأجهزة القائمة. وفي الحالتين فإن مدير وكالة الاستخبارات لن تتوفر له فرصة الاتصال المباشر بالرئيس، لأن المدير الجديد سيصبح المستشار الأساسي للرئيس في الشؤون الاستخبارية، ويمكن أن ينتج كل ذلك عن نوع من التقييم الأحادي للقضايا الاستخباراتية ربما لا يتوافق مع الظروف العملية والخيارات المتاحة.
أضف الى ذلك أن مشاريع إعادة تشكيل الاستخبارات قد أصبحت لا حصر لها. فهناك تقرير مجلس الشيوخ، وتقرير لجنة سكوكروفت، ومشروع هامري للتجميع المركزي للمعلومات، وترك الوظائف التحليلية للأجهزة القائمة. ومن هنا فما نحتاج إليه في الوقت الحالي، وبصورة عاجلة، هو إتاحة الفرصة لأنفسنا للتفكير والتأمل لهضم كل هذه المشاريع وصياغتها في مفهوم واحد متجانس. ويمكن ترك هذه المهمة لمجموعة صغيرة من الرجال والنساء من ذوي الخبرات الواسعة في العمل الحكومي، ويمكن أن تحدد لها فترة زمنية قصيرة نسبيا، ستة أشهر على سبيل المثال، وأن تكون المبادئ التالية هي المرشد لعملها:
* إقامة توازن بين دواعي المركزية وضرورة التعدد. * الا يحدث مزج للمعلومات الاستخبارية الاجنبية والمحلية، بل تنسق من خلال فرق عمل تتوافق مع المهمة المطروحة. * وأخيرا يجب أن توضع ضمانات محددة للتطوير المنهجي لنوعية الأداء والمعلومات، وطبيعي أن لا يتم ترك هذه المهمة للأساليب الروتينية.
والى ذلك فخطة اعادة التنظيم لن تفعل فعلها من غير اهتمام بمعنويات الرجال والنساء العاملين في المؤسسات الاستخباراتية. وعلى الرغم من الصورة الشائعة عنهم، في مختلف أنحاء العالم، باعتبارهم مخططين بارعين مراوغين يهيمنون على السياسة، فان العاملين في مجال الاستخبارات في العالم الفعلي، عرضة لضغوط سايكولوجية غير عادية. وهناك مناخ الغموض السياسي الذي يحيط بهؤلاء العاملين المنعزلين عن مواطنيهم بجدران أمنية، والمشتغلين في اطار ثقافة السرية التي لا يمكن تفاديها. ومع ذلك فنجاحهم غير المعلن، والذي لا يمكن التحدث عنه، أمر مسلم به جدلا، فيما يتم توجيه اللوم لهم على سياسات ناجمة في الغالب عن اساءة التقدير الاستراتيجية أكثر من كونها اساءة لتقديرات استخباراتية.
وفوق ذلك، فقد ظلت المؤسسات الاستخباراتية عرضة للهجوم طوال 30 عاما، منذ أن فتح تدفق الهجمات بواباته في سنوات السبعينات من جانب الكنيسة، ولجان تحقيق في الكونغرس، وتدخلات لاحقة في سنوات الثمانينات والتسعينات، والتي كشفت عن أسماء الكثير من العملاء وجميع العمليات السرية تقريبا، فيما عكست هذه الهجمات الصراعات السياسية في تلك الفترة. فالليبراليون هاجموا الأوساط الاستخباراتية لكونها آيديولوجية وتوجهها الحرب الباردة أكثر مما ينبغي في مقابل اتخاذ المحافظين موقفا انتقاديا لأنهم كانوا لا يعتبرون الوسط الاستخباراتي آيديولوجيا بما فيه الكفاية، وعلى غير دراية واسعة بعنصر القوة في الشؤون الدولية. والى ذلك أكد تحقيق سنوات الثمانينات، الذي أثارته كارثة ايران الكونترا، المزاعم المتعلقة باساءة استخدام السلطة كما كان حال تطهيرات أخرى في سنوات التسعينات. ومن هنا أصبح من الحتمي التأكيد خلال فترتي عمل المديرين، من ويليام كولبي وجون دويتش، على تقليص الاعتماد على العملاء، والتركيز على الوسائل التكنيكية لجمع المعلومات الأقل ارتباطا بالمزاعم، وفي بعض الأحيان بواقع اساءة الاستخدام. وكان هذا عاملا أساسيا من العوامل التي أسهمت في نقص المعلومات الاستخباراتية البشرية في ما يتعلق بالتهديد الارهابي الذي لاحظته جميع اللجان التي تعاملت مع الاخفاقات الاستخباراتية الأخيرة.
ولكن كل هذه الأسباب في الحاجة الى اعادة تنظيم الاستخبارات، خلقت نوعا من عدم الاستقرار بين العاملين في مجال الاستخبارات. فالآلاف من الرجال والنساء المخلصين، والذين شاركوا، وبناء على طلب حكومتهم، في بعض اهم المعارك في فترة الحرب الباردة، مثلما يقفون في الوقت الحالي أيضا في الخطوط الأمامية من الحرب مع الاسلام الآيديولوجي المتطرف، على علم بأن اخفاقاتهم يجب تصحيحها، ولكنهم، وفي المقابل، يستحقون الاعتراف بخدماتهم حتى وان كانت الهياكل التي يؤدون وظائفهم في إطارها تخضع للتعديل وإعادة النظر.
* خدمة «ربيون ميديا» ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»