خاص..البرغوثي: استغاثة طبيب وراء اعتقالي....

العربية نت

فتح أمين سر حركة فتح السجين مروان البرغوثي وزوجته فدوى قلبيهما لـ "العربية.نت" في تغطية شاملة عن ظروف السجن وملابسات التحقيق الصعبة بالإضافة لردهما المستفيض على ما تتناقله وسائل إعلامية عن الرغبة الإسرائيلية في تلميع صورته من خلال اعتقاله و"إعداده" ومن ثم إعادته إلى الحياة السياسية الفلسطينية كبديل للرئيس عرفات.

واستنطقت "العربية.نت" البرغوثي حول وسائل تعذيبه وظروف الاعتقال السيئة التي وضعه الإسرائيليون فيها بغية تحطيمه معنويا، ولم يكن  استنطاق فدوى البرغوثي صعبا، لكن المهمة العسيرة بالفعل تمثلت في كيفية الوصول لمروان فالإسرائيليون يعتبرونه واحدا من العناصر الرئيسة في تحريك الشارع الفلسطيني وتفجير المقاومة مما يحتم منعه حتى من التعبير عن آرائه ومن العسير تسريب أسئلة له في ظل منع المقربين منه من زيارته لكن "العربية.نت" تمكنت بعد جهد كبير من الوصول إلى البرغوثي في سجنه. وتتحفظ "العربية. نت" على نشر التفاصيل المتعلقة بكيفية الوصول للبرغوثي لأسباب أمنية خاصة بالأشخاص الذين سهلوا المهمة.

البرغوثي يحكي عن كيفية اعتقاله

وكشف البرغوثي لـ"العربية.نت" عن أدق تفاصيل اعتقاله في 15 /4 /2002 واضعا حد للشائعات التي اجتهد الكثيرون في التحدث عنها يقول البرغوثي عن ذلك اليوم الذي استطاع الجيش الإسرائيلي الوصول إلى العمارة التي كنت أتواجد بها في مدينة رام الله وبعد محاصرة المنطقة وفرض طوقا أمنيا عليها قامت قوات الاحتلال بإفراغها من السكان ولم يبق في داخلها سوى رجل وامرأة مسنين وطبيب وأنا.

وقد قام الجيش بتلغيم العمارة بالمتفجرات وكان الجيش يريد التأكد من خلو العمارة حتى يقوم بتفجيرها وأنا بداخلها ولكن وجود طبيب في العمارة أدى بي إلى أن أغير رأيي، فقد كان يتوسل لي بأن أسلم نفسي لأن الجيش الإسرائيلي يريد أن يفجر العمارة حيث قال لي الطبيب إن الناس سوف يتشردون وأنت سوف تموت وليس هناك مقاومة فلم أجد بدا من احترام معاناة الناس.

 قصدوا إفقادي توازني !

كانت فترة التحقيق قاسية جدا بكل معنى الكلمة فقد قضى مروان أول 21 يوما من اعتقاله في وضع سيء جدا  ولم يسمح له بالخروج إلا للحمام أو الطعام وكان ممنوعا من النوم طيلة هذه الفترة ولم يسمح له المحققون بالنوم سوى لساعات محدودة على المقعد وهو مربوط اليدين والقدمين يقول مروان عن ذلك "شعر المحققون أن الحرب بيني وبينهم هي حرب عقول فعمدوا إلى إفقاد توازني إلا أنني بقوة إيماني بالله وبعدالة قضية شعبنا تحملت الإرهاق".

ومنذ لحظة اعتقاله الأولى كان واضحا أن مروان سوف يخضع لعملية تحقيق غير عادية نظرا لأن نتائج عملية التحقيق معه سيكون لها نتائج سياسية كبيرة لذلك فقد كانت الأسئلة التي وجهت لمروان تختلف تماما عن الأسئلة التي يوجهها المحققون لأي أسير حول معرفة نشاطه، وقد ركز المحققون في عملية استجوابه عن علاقته بالرئيس عرفات وعن الانتفاضة وكتائب شهداء الأقصى ومسؤوليته عن العمليات التي نفذتها كتائب شهداء الأقصى ومسؤولية أبو عمار عن هذا الموضوع.

يقول البرغوثي إنه أدرك بأن إسرائيل اعتقلته لتحاكمه نيابة عن محاكمة النضال الفلسطيني والقيادة الفلسطينية وأنهم لم يعتقلوه عبثاً ليحاكموه كمجرم أمام العالم وليس كمناضل فلسطيني يدافع عن وطنه لهذا رفض مروان منذ اليوم الأول التعاطي مع المحققين ورفض الإجابة على كافة الأسئلة التي وجهت له ولم يجب إلا عن الأسئلة السياسية أما دون ذلك فقد امتنع مروان عن الإجابة وخلال الـ 100 يوم التي تم التحقيق معه فيها ظل مروان على موقفه.
 

بعد هذه الفترة المرهقة بدأ المحققون يخففون جولات الضغط في التحقيق فأصبحت جولات التحقيق المتواصل تبلغ 16ساعة يوميا ثم أقل حتى انتهى التحقيق معه.
بعدها نقل مروان إلي سجن هداريم لمدة 4 شهور وكان في سجن هداريم مجموعة من المناضلين الذين عبروا عن سعادتهم بوجود مروان بينهم حيث أوضاع السجن القاسية ولكنه بروحه المرحة وثقافته التنظيمية العالية أعاد الحياة إلى السجن، فعقد الندوات ومارس الرياضة وكان يشعر المعتقلين بأنهم يعيشون محطة من محطات النضال.

ومنذ سنة ونصف نقل مروان إلي سجن الرملة حيث أمضى فيه 8 أشهر و في الرملة أعطي وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي "هنيكفي" قرارا بعزل مروان وإبعاده عن أي أسير فلسطيني لذا فقد تم وضعه في قسم العزل والانفراد وهو عبارة عن زنزانة انفرادية ذات أوضاع معيشية قاسية جدا وبعد الهدنة التي أعلنتها الفصائل الفلسطينية والتي شارك فيها مروان نقل إلي سجن شطه حيث أسوأ زنازين العزل في سجون الاحتلال فأمضى فيها شهرا بعد ذلك نقل إلي بئر السبع في شهر 9 /2003 إلى قسم العزل الانفرادي و قد قضى فيه مروان 9 أشهر في زنزانة رقم 5 بمفرده لذا يمكن القول إن مروان قضى سنتين في العزل الانفرادي.

واعتقلوا ابنه "القسام"!

لم تكتف قوات الاحتلال الإسرائيلي باعتقال مروان فقامت باعتقال ابنه القسام عندما كان عائدا لقضاء فترة الإجازة مع عائلته من مصر وقد كان لوقع اعتقال القسام على كل من فدوى ومروان أثار حزن بالغة، فدوى البرغوثي من ناحيتها لا تداري حزنها وتقول "في ذلك اليوم كنت فرحة بعض الشيء حيث أنني كنت أناقش رسالة الماجستير وكان من المفروض أن التقي القسام بعدها لأنه كان في طريق عودته من مصر لقضاء الإجازة معنا لأن لديه مسؤوليات تجاه إخوته وأسرته.

وقد تلقيت خبر استدعاء القسام إلى المخابرات الإسرائيلية أثناء عودته ولم يكن قد استدعي قبل ذلك فقد سافر مرتين قبلها و لم يحدث شيء كان الخبر مؤلما لي وبعد انتهائي من مناقشة الماجستير اتصلت بالمحامي الذي أخبرني أن القسام قد اعتقل، كان الخبر مؤلما وقد وقع علي مثل الصاعقة المدمرة شعرت بالدوار ولم أعرف ماذا أفعل بدأت أسير بالسيارة في كل الاتجاهات لا أعرف أين أذهب ولمن أتوجه وتذكرت مروان وكيف سيكون حاله عندما يصله الخبر وفجأة أوقفت السيارة وبدأت أبكي بمرارة لقد سيطرت علي مشاعر الأم التي نكبت في زوجها والآن في ابنها". 

البرغوثي يبكي بعد اعتقال ابنه

مروان من ناحيته واجه قلقا على ابنه القسام لأنه يعرف ماذا يعني خوض التحقيق في مثل هذه السن المبكرة ويلخص مروان البرغوثي رؤيته حيال اعتقال ابنه قائلا "لقد اعتقلت وأنا في سن مبكرة أكثر منه" ويروي مروان أن إدارة المعتقل كانت تؤخر عليه دخول المجلات والصحف التي تدخل إلى السجون وكانت تدخلها له بشكل أسبوعي أحيانا أي بعد "فوات الأوان" على إصدارها أما في يوم اعتقال القسام فقد فوجيء مروان بإدخال إدارة المعتقل كافة الصحف والمجلات في نفس اليوم لكي يقرا فيها نبا اعتقال ابنه القسام.

ويكشف محاميه عن مشاعر الأب وحس الإنسان الذي تملك المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي لدى سماعه نبأ اعتقال ابنه "في أول زيارة له بعد اعتقال القسام سألني عن القسام ثم بكى بمرارة الأب ولملم معاناته وقال لي لقد اعتقلت وأنا في سن مبكرة قبل سنه هذه وقد كانت ثقة مروان كبيرة بالقسام مثل ثقته ببقية أبناء الشعب الفلسطيني"
ويدفع القسام الذي كان يدرس منذ 8 أشهر الاقتصاد في القاهرة ضريبة أنه ابن مروان البرغوثي ويتوقع أن يتقدم القسام إلى الجلسة السابعة من جلسات محاكمته في منتصف الشهر القادم ويتوقع أن تكون هذه هي آخر الجلسات قبل جلسة نطق الحكم.

الحياة في زنزانة تحت الأرض

يعيش مروان في زنزانة انفرادية تحت الأرض مساحتها 3 متر مربع ويوجد بها سرير بطابقين بمعنى لا وجود لمكان للسير داخلها لصغر حجمها ومساحتها ولا يستطيع الجلوس على السرير لأن الطابق العلوي للسرير يجعل هذا الأمر صعبا وهو بذلك يقضي وقته إما نائما أو مستلقيا في زنزانتة ببئر السبع ترافقه الحشرات وإذا ما نظر من نافذ الزنزانة تقع عينيه على مزرعة جرزان كبيرة "عرس" الزنزانة لا تدخلها الشمس ولرؤية الشمس يخرج مروان في اليوم ساعة واحدة تعرف "بالفورة" وهي عبارة عن ساحة صغيرة المساحة مغطى سقفها بأسلاك شائكة بعدة طبقات مما يجعل مسألة دخول ضوء الشمس بشكل صحي مسألة صعبة ورغم ذلك فإن مروان معنوياته عالية جدا ويقول أحد محامي مروان لـ"العربية.نت" "عندما أزور مروان أكون محبطا لا أعرف ماذا سأقول له وعندما أراه وأسمعه أخرج بمعنويات عالية. إنه يرفع هامتي ومعنوياتي".

وحول مدى إمكانية بقاء مروان في العزل الانفرادي خصوصا بعد انتهاء محاكمته تقول زوجته فدوي "لم يكن عزل مروان لأنه غير محكوم، قرار عزله هو قرار أمني إسرائيلي أخذه وزير الأمن الداخلي والقرار ينص على أن وجود مروان بين الأسرى والمعتقلين هو خطر على أمن إسرائيل ويجدد هذا القرار كل ستة أشهر وفور انتهاء كل ستة أشهر يعرض على محكمة في السجن ويجدد له مرة أخرى، لقد تم التجديد له 3 مرات وفي 20/7 ستنتهي آخر 6 أشهر له في العزل بعد هذا التاريخ سيعرض مروان على محكمة جديدة. إما أن يصدر حكم برفع العزل عنه وإما أن يظل داخل العزل.

ولكن هذا غير مرتبط بالمحاكمة أو غيرها هناك أخوة محكوم عليهم بالتأبيد ولهم سنوات طويلة في العزل" وتتابع فدوى لـ "العربية.نت"، "أنا متابعة ومتخصصة لقضية مروان و اعتقد كما يعتقد مروان تماما بأنه طالما ظلت الانتفاضة قائمة فإن مروان سيظل في العزل لأن قضية مروان ترتبط ارتباطا كليا بالانتفاضة".

هل تلمع إسرائيل البرغوثي؟

منذ اعتقاله عمدت بعض وسائل الإعلام إلى إبراز أن الهدف من اعتقال مروان البرغوثي هو تلميعه إعلاميا من أجل إعداده لقيادة الشعب الفلسطيني خلفا لعرفات الذي تريد أمريكا وإسرائيل إقصائه وإزاحته عن المشهد السياسي الفلسطيني، ورغم صعوبة التوجه لمروان أو لزوجته فدوى بالسؤال حول هذه الجزئية إلا أن العربية.نت سألت فدوى ومروان عن رأيهما في هذا الموضوع.

يجيبنا مروان البرغوثي على السؤال بقوله "هذا شيء سخيف يجب علينا عدم التعاطي معه أو الدخول فيه هناك أناس كثيرون يبنون عقليتهم وتفكيرهم على روح المؤامرة ونظرية المؤامرة أنا لا أحب الدخول في مثل هذه السخافات".

أما فدوى فتلخص رؤيتها حيال الأمر قائلة "بعد متابعتي لمروان منذ بداية حياته النضالية وحتى هذا اليوم وعلى مدى سنوات الانتفاضة فإنني اعتبر أنه إذا قام أي شخص بعد هذا كله وبعد المحاكمة و قال أي شيء من هذا القبيل فإنني أشك بوطنيته وأشك بفلسطينيته لأن هذه الأمور قد تستوعب الحديث عنها في بداية الأشهر الأولى للاعتقال خلال شهر أو اثنين أو ثلاثة لكن بعد ما جرى لا يمكن أن استوعب أن ينطق شخص وطني بهذا الكلام لقد كنت أسمع في البداية أن مروان لن يقدم إلى محاكمة و أن كل ما يجري هو أشبه بمسرحية لتلميعه إن أي شخص دخل المعتقلات وعرف ماذا يعني أن تقاوم الاحتلال و أن تعتقل لا يمكن أن يتكلم بمثل هذا القول ثانيا إذا كان مروان بحاجة إلى هذا التلميع فلماذا هذا العذاب والذل ولو كان هو يريد ذلك لكان تلمع وهو بالخارج ولكان رمى نفسه بحضن أي شخص أو دولة كبيرة وهذا يكفي لتلميعه أكثر ألف مرة من أن يذوق العذاب من أجل التلميع".

وتزيد فدوى بقولها "أما ثالث شيء أريد ذكره هنا إلى كل من يتفوهون بمثل هذا الكلام تابعوا سيرة مروان لكي تعلموا صدق قولكم من عدمه مروان منذ بداية عمره انتخب في نادي القرية وفي السجن كموجه عام وفي جامعة بيرزيت في مجلس الطلبة فترأسه وفي المجلس الثوري لحركة فتح عام 89 وفي المجلس التشريعي الفلسطيني وانتخب أمين سر لحركة فتح ألا يجب على أمثال هؤلاء أن يسألوان أنفسهم هل يحتاج من يتم انتخابه وانتخب في كل هذه المواقع و من يملك كل هذه المقومات من حب الناس والجماهير وأبناء تنظيمه إلى تلميع؟".

البرغوثي: أنا رهينة لدى الاحتلال 

 انطلق مروان في رفضه للمحكمة وللمحاكمة من أنه ينتمي إلى سلطة أخرى وأنه اختطف اختطاف وأنه موجود كرهينة عند الاحتلال وتبعا لاتفاقية جنيف الرابعة لا يجوز محاكمته أمام محاكم إسرائيلية المحامون من جهتهم استندوا إلى اتفاقية جنيف الثالثة والرابعة وعلى الاتفاقيات الموقعة بين السلطة وإسرائيل.

وينظر مروان إلى قضية محاكمته من منظور سياسي إذ يعتبر أنه لا يريد أن يقبل على نفسه تسجيل أول سابقة قضائية خطيرة على الشعب الفلسطيني تقضي بمحاكمة نواب منتخبين من الشعب أمام محاكم إسرائيلية على أنهم مجرمين وخارجين عن القانون، وليس على أساس أنهم مناضلون ومقاومون من أجل الحرية ويحاول الإسرائيليون أن يصفوا الانتفاضة بالإرهاب وأن يأتوا بمروان كمهندس للانتفاضة ويحاكموه أمام محاكمهم كإرهابي لذا فإن رفضه للمحكمة وللمحاكمة وعدم التعاطي معها وعدم طلب استئناف هو جزء من هذا الرفض لمحاكمة الانتفاضة ووصفها بالإرهاب.
 

تقول فدوي البرغوثي إن "التاريخ سيسجل هنا سابقة لمروان لقد أدخل مروان من خلال رفضه عدة مصطلحات جديدة للمحاكم الإسرائيلية تتعلق بشرعية الإجراء من عدمه وشرعية المحاكمة من عدمها لأول مرة نرى في محاكمة فلسطيني حضور دائم لجلسات المحاكمة من قبل قناصل وممثلين عن وزارات خارجية من دول العالم وقد حضر القنصل الفرنسي والبريطاني وحضر ممثلون من جنوب إفريقيا وآخرون كثيرون وللأسف لم يحضر أي مسؤول دبلوماسي عربي كل هذا كان يخدم المقاومة الفلسطينية والنضال الفلسطيني على عكس ما أراده الإسرائيليون من محاكمة مروان".

المقاومة من أجل المقاومة لن تأتي بنتيجة

يرى مروان أنه طالما ظلت إسرائيل تحتل الشعب الفلسطيني فما علينا إلا أن نقاومها ونفاوضها ويعتبر أن المفاوضات بدون مقاومة على الأرض هي استهزاء كما أن المقاومة وحدها هكذا لمجرد المقاومة لن تأت بنتيجة "يجب أن تكون المقاومة مربوطة بفعل سياسي ناضج وواعي ليحفظ نتاج هذه التضحيات وهذه المقاومة".
البرغوثي يكشف عن دوره في "الهدنة" 
 

تواصل مروان رغم ظروف اعتقاله القاسية مع جماهير وقادة الشعب الفلسطيني من خلال محاميه الذين كانوا ينقلون له نبض الشارع وآراءه وحبه له وعندما بدء الحديث عن هدنة فلسطينية لم يكن مروان منعزلا عنها إذ شارك مروان في وضع اللبنات الأولى لهذه الهدنة ويكشف البرغوثي طبيعة الدور الذي لعبه قائلا "كان الإخوة في حركات الجهاد الإسلامي وحماس يبعثون لي لأخذ وجهة نظري في بعض القضايا التي تتعلق بالهدنة وكانت بواسطة المحامي وقد كانوا يأخذون ردودي على ما يسالون ويطرحون ثم تطورت هذه الأمور إلى مناقشة بعض التفاصيل الخاصة بالهدنة مثل ما أهمية الهدنة وما أهم شروطها وما هي المقترحات التي تريدها الفصائل.

وقد اقتربت وجهات النظر من بعضها البعض حتى وصلت إلى حد التفاهم بعدها قررت عدم التعاطي المباشر مع قيادات الفصائل وفضلت ربط الإخوة في حركتي حماس والجهاد بقيادة فتح خارج المعتقل والتي كنت أطلعها على كافة التفاصيل التي تجري وفعلا بعد الوصول إلى حالة الوفاق هذه تم إرسال وفد من حركة فتح إلى دمشق لمناقشة مزيد من التفاصيل حول الموضوع".
 

الهدنة التي ساهم مروان في وضع ملامحها الأولى استمرت 51 يوما وانتهت عمليا بعد قيام إسرائيل باغتيال الشهيد المهندس إسماعيل أبو شنب وقد رأى مروان ضرورة التوصل إلى الهدنة من خلال فهمه بضرورة تجاوز مرحلة الوصول إلى اقتتال فلسطيني داخلي إضافة إلى تجنيب قطاع غزة احتمال اجتياح محتمل كما كان مروان مقتنعا بأنه يجب علينا كفلسطينيين إفهام العالم أننا لسنا عقبة أمام تحقيق السلام بل إن الإسرائيليون هم العقبة، وقد كان مروان على يقين بأن شارون لن يجعل هذه الهدنة تتم أو تستمر وأنه سيقوم بتخريبها بأي شكل كان.

موقفه من مبادرة شارون

يرى البرغوثي أن شارون لا يريد الانسحاب الكامل من قطاع غزة بل يريد إعادة الانتشار وإذا كان شارون يريد ذلك فليفعل ولكن يجب ألا يترتب على السلطة التزامات، وإذا ما كان شارون لا يرى في القيادة الفلسطينية طرفا فيجب عليها ألا تتعاطى معه وعلينا في نفس الوقت أن نقول للعالم إن لنا أشياء كثيرة ويجب علينا أن نبادر ونقول فلتخرج إسرائيل برا وبحرا وجوا و يوضح مروان ذلك بقوله "عندما تخرج إسرائيل من برنا وبحرنا وجونا ويكون لنا ممر فيلادلفيا ويكون لنا الطريق التي تربط الضفة بالقطاع وتكون غزة كاملة السيادة إذا تم هذا كله فإنني أوافق على وقف أي هجوم في قطاع غزة".

مروان .. ابن الشارع الفلسطيني والانتفاضة

أحب مروان أبناء الشعب الفلسطيني وكان ينظر إلى معاناتهم وكأنها معاناته الخاصة لذلك وضع أمامه هدفا واحدا هو دحر الاحتلال والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية والاعتراف بها وقد تربى مروان على مباديء حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وكان من أوائل من أسسوا حركة الشبيبة في الضفة الغربية ولما كانت حركة فتح رائدة العمل الفلسطيني المسلح فقد آمن مروان أن من حق الشعب الفلسطيني الدفاع عن نفسه وتحقيق أماله وطموحاته بكافة الأشكال سواء المقاومة منها أو السياسية.

لقد آمن مروان بالمنهج السياسي لحركة فتح مثلما آمن بنهجها العسكري لذلك كان يقول دائما يجب إعطاء فرصة للمفاوضات وللسلام ولكنه كان يشكك في أن تؤدي اتفاقية أوسلو إلى تحقيق رغبات الشعب الفلسطيني وبعد عودته إلي أرض الوطن عام 94 تردد على المدن والمخميات والقرى الفلسطينية من أجل توجيه الناس وتوعيتهم حول أوسلو، وقد رأى في السلطة الفلسطينية نواة للدولة الفلسطينية ولكنه لم يكن يرى فيها نهاية الهدف أو المطاف.

البرغوثي .. أب ديمقراطي

منذ بداية حياته آمن مروان بالديموقراطية لذلك وجدناه يعرض على زوجته أن تكون حرة في اتخاذ قرار ارتباطها به ولأنه رأى بها طريقا لتحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة والمساواة فقد آمن بضرورة الديموقراطية في عملية البناء السياسي لذلك عمد إلي بدء مؤتمرات في حركة فتح لأنه عندما عاد إلي أرض الوطن كانت فتح غير منظمة و كان أعضائها مشتتين ومنهم المبعدين والمعتقلين والمطاردين فجمع بينهم من جديد يقول مروان: "إن فتح هي حزب السلطة الفلسطينية وبقوة فتح تقوى السلطة الفلسطينية وبضعف فتح تضعف السلطة الفلسطينية "لذلك فقد عمد إلى جمع كادر فتح من جديد.

لم يكن مروان يؤمن بالديموقراطية كفكرة فقط بل طبقها في حياته اليومية داخل بيته فكان يأخد رأي الأغلبية مع أولاده وفي النهاية يقنع أبنائه بأن الأقلية يجب أن تأخذ برأي الأغلبية، وكان دائم الدعوة إلى سيادة القانون والنظام في المجتمع الفلسطيني كما كان حريصا على تفعيل دور المرأة في المجتمع وقد ساهم مروان في إنشاء عدد كبير من الفصول الدراسية للإناث في مدارس القرى الفلسطينية لأنه كان يدرك أن الفتاة الفلسطينية ستفقد تعليمها إذا لم تجد فصلا دراسيا لها في قريتها.

فدوى ومروان .. قصة حب باكرة

تشترك فدوى البرغوثي مع زوجها مروان بأكثر من قاسم مشترك فهما من نفس العائلة ومن نفس القرية ويجمعهما عائليا الجد الرابع، ولم تكد تتم الرابعة عشر حتى ربطتهما علاقة إعجاب متبادل مع مروان الذي لم يكن قد بلغ سن الثامنة عشر بعد، و بعد اعتقاله أول مرة ازدادت هذه الرابطة قوة حيث بدأ مروان يعرب عن إعجابه الشديد بفدوى من خلال الرسائل التي كان يرسلها من داخل السجن مع المفرج عنهم إليها ولم ينتظر الأهل خروج مروان من السجن إذ تم قراءة الفاتحة ولم يخرج مروان بعد.
 

تحكي فدوى عن علاقتها الباكرة بمروان " كنت مرتبطة به عاطفيا ولم أرغب بالزواج من أحد غيره وكان يتغنى بي أمام أصدقائه وأقربائه وبعد اعتقاله تم بيننا ارتباط غير رسمي وهو داخل السجن ولم أره مطلقاً أثناء فترة الاعتقال حيث قضى في السجن من العام 78 حتى عام 83 وبعد خروجه من السجن ارتبطت معه".

و مروان إنسان صريح لا يعرف النفاق يعرف ما يريد وما قد يترتب عليه ولأنه إنسان يؤمن بضرورة أن يتخذ الإنسان قراراته المصيرية بحرية فقد شارك زوجته فدوى همومه وأماله وأحلامه منذ بداية حياتهما هذا ما تكشفه فدوى التي تتابع قائلة "بدا لي منذ بداية حياتنا ان مروان إنسان صريح لا يحب أن يعيش مع أحد بطريقة غير واضحة ومن البداية أوضح لي أن علي أن أتزوجه بإرادتي وقناعتي وعندما كان ارتباطنا غير رسمي طلب مني أن اتخذ قراري وهو بداخل السجن لأن هذا يعني له أشياء كثيرة تتعلق بموافقتي ورضاي عن دوره في المقاومة.

وكان يقول لي بأن خروجه من السجن لا يعني عدم عودته إليه فطالما الاحتلال موجود فسيستمر بالنضال من أجل تحرير فلسطين، وهو بذلك معرض لأن يعتقل مرة أخرى أو أن يستشهد فالمهم أن أتحمل كل الأعباء التي قد تترتب على ذلك, وكان جوابي له بأنني سوف أتحمل كل الأعباء ففلسطين ليست لك وحدك بل لجميع الفلسطينيين ولي أيضا".

 في جامعة بيرزيت

في العام 83 دخل مروان جامعة بير زيت وكان عضوا في مجلس الطلبة وكانت فدوى تدرس في كلية المجتمع، تزوجت به يوم 21/10/1984 فوجدت أن حياتها معه هي تلك الحياة التي رسمها لها وأخبرها عنها تتابع فدوى لـ"العربية.نت" فتقول "إن الحياة التي عشتها معه هي نفسها الحياة التي توقعها مروان وعندما كانت تسأله فدوى عن متى سنجد وقتا للراحة كان يقول لها: أعدك بأننا سوف نستريح بعد أن تتحرر فلسطين وأننا سوف نكمل الدكتوراه في الخارج".
 

كان مروان صادقا مع نفسه ومع الآخرين ويشعر ويتعذب من غيابه عن أقربائه وأصدقائه لكن النضال والواجب الوطني نحو شعبه ومشاركته في بناء الوطن كان همه الأكبر.

البرغوثي استقبل القسام بفرح غامر

كانت أول فرحة حقيقية أمكن لفدوى أن تلاحظها على وجه مروان هي إخباره بأنها حامل بالقسام وقد تكون دهشة فدوى اكبر من فرحته فحياتهما لا تؤشر بان مروان يريد أن يكون له ابن يزيد على كاهله ثقل الحياة تقول فدوى "كان الأمر غريبا بالنسبة لي لأننا ما زلنا طلاب وليس لدينا وقت للاهتمام بالطفل ولم أرد أن أخبره لكن كان لا بد من ذلك وفوجئت ودهشت عندما رايته سعيد جدا وقال لي "إنه أسعد خبر في حياتي"، انه يحب الأطفال جدا ويتمنى أن يكون له أطفال".

ولد القسام في 1985 حين كان مروان في السجن محكوما إداريا وكان مروان أول شخص في مجموعة الشبيبة الأولي الذين حكموا إداريا سنة 1985، كان مروان يومها مضربا عن الطعام وظروفه صعبة للغاية،  وعندما خرج مروان من السجن كان عمر القسام 5 أشهر وعندما رآه أخذه بين يديه لكي يحمله ويلاعبه كان واضحا مدى حب مروان للأطفال رغم عدم وجود وقت كافي للرعاية.

عندما أنجبت ابنته الثانية ربا بتاريخ/ 28 /11 / 86 كان مروان مطارداً ولم يستطيع رؤية ابنته لفترة طويلة عندما أنجب ابنه الثالث شرف  20 / 4/ 89 كان مروان مبعدا إلي عمان ولان فدوى كان يجب أن تلد في رام الله حتى يتم إضافة المولود إلى الهوية الإسرائيلية وإلا فقد المولود مواطنته الفلسطينية فقد حرم مروان من رؤية ميلاد ابنه الثالث الذي أطلق عليه اسم شرف نسبة إلى الشهيد شرف الطيبي الذي كان زميله وصديقه في شبيبة جامعة بيرزيت كما حرم من رؤية ميلاد ابنه الرابع عرب 25/8/90 لنفس السبب السابق.

لم يكن لمروان وقت لقضائه مع أبنائه ليمنحهم عواطفه فكان ينتهز أوقات الفراغ القليلة ليقضيها معهم في أيام الجمعة وكان يأخذهم إلي الملاهي أو إلي أي مكان يرغبون به وكانت السعادة تغمره في هذه الأوقات التي كان يقضيها مع أولاده تقول فدوى:  وكانت علاقته مع أولاده أقوى من علاقتهم معي والسبب انه ليس لديه وقت للتدقيق في التربية التي كنت أتحمل مسؤوليتها أنا، وكان يقول لي انه استطاع تربية نفسه بنفسه وان المهم للأطفال هو أن نوفر لهم جو من الهدوء والطمأنينة وما عليك سوى الابتعاد عن التفاصيل في تربية الأطفال ورغم ذلك فقد كان ذهنه مشغولاً جدا بالتفكير بهم.

كان مروان يحاول أن يشعر أطفاله بالرفاهية والعطف حتى لا يشعرون بالنقص مما جعل العلاقة قوية بينهم وزاد من محبتهم له إحساسهم بأنه دائم التفكير بهم ونظرتهم إليه على أنه خط الدفاع الأول لهم أمام كافة الأزمات التي قد تنشا مع فدوى الأم التي كانت تحاول أن تسد فجوة ابتعاد مروان عن أولاده بعلاقتها مع أبنائها.

لا يحب ربطات  العنق

تكشف فدوى عن جانب في شخصية زوجها أضحى طابعا مميزا له فهو لا يحب لبس ربطات العنق وقد كان لبسه لها أحيانا كأنه عقاب له تذكر فدوى أنه في إحدى المرات كان شرطا في إحدى المقابلات لبس "الكرافتة" فكنت ألاحظ كيف كان يومها ممتعض يقول مروان "أنا لم أخلق لألبسها وهي لم تحاك لي".