"الليبراليون العرب" هامشيون في بلدانهم ولا يستحقون دعمنا الزائد

جون الترمان

 

هذا النص أثار نقاشاً كبيراً في الفترة الاخيرة بين عدد من المتخصصين الاميركيين في الشرق الاوسط، تنشره "قضايا النهار" بموافقة الكاتب (ترجمة نسرين ناضر).

 

أثناء زيارته [الاخيرة] للقاهرة، خصّص وزير الخارجية الاميركي، كولن باول، وقتاً بين اجتماع رسمي وآخر للتحدث عن الاصلاح مع مجموعة صغيرة من المصريين ذوي التفكير الليبرالي. يحظى الليبراليون العرب حالياً باهتمام لا مثيل له من العديد من صانعي السياسات والمسؤولين الاميركيين على غرار باول. ويدعو ديبلوماسيون ومسؤولون في واشنطن ولندن وباريس وعواصم اخرى هؤلاء الليبراليين الى تناول الطعام (وفي معظم الاحيان الى شرب النبيذ) لأن عدداً كبيراً من الغربيين يرى فيهم الامل الاساسي لتحقيق الاصلاح في العالم الاسلامي. وغالباً ما يحصلون على مبالغ طائلة لتمويل منظماتهم التي لا تتوخى الربح. بعض هؤلاء الليبراليين، مثل الباحث الاميركي المصري سعد الدين ابرهيم، معروفون جيداً، في حين أن البعض الآخر، مثل الفيلسوف السوري صادق العظم، أقل شهرة.

لكن من شأن الدعم الغربي المتزايد لليبراليين العرب أن يضرّ بهم أكثر مما يفيدهم. فبدلاً من ترسيخ مكانة الليبراليين العرب في بلدانهم، تؤدي المظاهر العلنية لدعم الولايات المتحدة او أي دولة غربية اخرى لهؤلاء الليبراليين الى تهميشهم أكثر فأكثر. وفي نهاية المطاف، يؤدي هذا الدعم المضلّل الى عرقلة التغيير نفسه الذي يطالب صانعو السياسات الغربيون بإدخاله في السياسات العربية.

ليس غريباً أن ينطلق من يسعون الى الترويج للاصلاح في العالم العربي، من نواة من المصلحين الليبراليين. يتركّز هؤلاء في الجامعات والمنظمات غير الحكومية في مختلف انحاء الشرق الاوسط، وهم مجموعة متجانسة من المثقفين الذين يجيدون الانكليزية (والفرنسية في معظم الاحيان). إنهم مرتاحون مع الغربيين والغربيون مرتاحون معهم.

لكن تجدر الاشارة الى أن الليبراليين العرب، كمجموعة، يتقدمون في السن ويصبحون أكثر انعزالاً وتتناقص اعدادهم. يحظون بتأييد ضئيل بين السكان، وبشرعية أقل. في نظر مواطنيهم - لاسيما الشبان منهم - يمثلون أفكار الماضي الفاشلة بدلاً من آمال المستقبل الجريئة. إنهم يخسرون بسرعة المعركة للفوز بقلوب الناس وعقولهم.

ومن شأن الاهتمام الغربي المتزايد أن يلصق بهم أكثر فأكثر صفة المتواطئين مع الجهود الغربية المزعومة لإضعاف العالم العربي وإخضاعه. كما أن تخصيص طاقة كبيرة للتحدث في المؤتمرات وعلى المنابر الغربية، حيث يبشّرون المهتدين، يلهيهم عن العمل في مجتمعاتهم الخاصة. يبدو أن بعضهم يتبعون اسلوب أحمد الجلبي، الذي كان في السابق المنفي المفضّل لدى واشنطن، من خلال انتظار الولايات المتحدة كي تسلّمهم بلدانهم بنفسها. في حين ان مجموعات عربية محافظة تنفّذ بفاعلية برامج مبتكرة ومثيرة للاعجاب بهدف تقديم سلسلة من الخدمات تؤثّر في حياة الناس اليومية، يعتبر العديد من الليبراليين أن مهمتهم أُنجزت عندما ينتهون من كتابة مقال او عندما يتحدثون امام مؤتمر أجنبي.

من غير المحتمل أن يحوّل الدعم الغربي المتزايد هؤلاء الاشخاص نحو مجتمعاتهم. بل خلافاً لذلك، من شأنه أن يعطيهم المزيد من المحفزات لإتقان لغة المنظمات الغربية التي تقدم لهم المساعدات. يقول أحد المسؤولين الاميركيين: "المتلقي النموذجي للمساعدات الاميركية في الشرق الاوسط هو ابن سفير، والدته المانية ويدير منظمة غير حكومية". حصول هذه المنظمات على المزيد من المساعدات الخارجية لا يعزّز طابعها المحلي بل على العكس تماماً.

بدلاً من الرهان على الليبراليين، من شأن السياسة الاكثر حكمة أن تتبع ثلاثة مبادئ: اولاً، الاستثمار في عملية التحرّر، ليس فقط بالنسبة الى من يدعمون الافكار الغربية بل ايضاً بالنسبة الى من يعارضونها. يعتبر الكثيرون ان الضغط على الحكومات العربية كي تحرز تقدماً في المسائل المتعلقة بحرية التعبير والتجمّع خطر جداً، لاسيما في خضم الحرب على الارهاب. لكن هذا ضروري. السوق الحرّة لتبادل الافكار هي السبيل الوحيد كي تكسب الاصوات الليبرالية دعماً شعبياً حقيقياً بدلاً من اعتبارها مجرد بديل مستوعَب من الاصوات القومية والمحافظة والراديكالية. غالباً ما نتحدث عن الحاجة الى أن تقوم الاحتكارات الحكومية القديمة الطراز والعديمة الجدوى في الشرق الاوسط، بالإفساح في المجال امام المنافسة. ومن هذا المنطلق، يجب أن نرحّب ايضاً بالمنافسة الصحية بين الافكار.

ثانياً، يجب أن تخفّض الولايات المتحدة بعض المعايير التي تطبّقها على المجموعات التي تدعمها. إنها محقة في منع التمويل عن المنظمات المرتبطة بالارهاب، لكن إرهاق المجموعات باختبارات سياسية حيث يكون عنصر الحسم الوحيد درجة الدعم للسياسات الغربية، يحقّق عكس النتائج المرجوّة. ولا تزيد هذه المقاربة من عزلة الولايات المتحدة فحسب بل تضعف ايضاً صدقية كل من قد يرغب صانعو السياسات والمسؤولون الاميركيون بالعمل معه.

أخيراً، يجب أن نبتكر انشطة لا تحمل سمة واضحة للحكومة الاميركية. يمكن تنفيذ بعض هذه الانشطة في شراكة مع الحلفاء الاوروبيين الذين يشعر العديد منهم أن خطراً كبيراً يحدق بهم نتيجة النزاع السياسي والاجتماعي في العالم العربي. اما الانشطة الاخرى فيمكن تنفيذها من خلال المنظمات غير الحكومية والجامعات وسواها من المؤسسات. ليس الهدف تغطية بصمات الحكومة الاميركية بل التعاون مباشرة مع شرائح واسعة في المجتمعات الشرق الاوسطية.

يجب ألا نتخلى عن الليبراليين العرب. الكثيرون منهم مناضلون شجعان في سبيل الافكار والمثل العليا الغربية. ومن شأن التخلي عنهم أن يوجّه اشارات خاطئة. لكن يجب ألا تركّز الولايات المتحدة كل آمالها على نجاحهم الكامل. تحقيق انتصارات جزئية مع شرائح واسعة من الناس في الشرق الاوسط افضل بكثير من تحقيق نجاح كامل مع نخب معزولة لكن غير نافذة. الجماهير التي يجب التحدث امامها عن الليبرالية في العالم العربي موجودة في القاهرة وبغداد وبيروت وليس في واشنطن ولندن وباريس. يجب أن يكون الداعمون الأهم لليبراليين العرب في حكومات بلدانهم وليس في حكوماتنا. اذا نسينا هذا، لا نسيء الى أنفسنا وحسب بل اليهم ايضاً.

 

مدير برنامج الشرق الاوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية

- خبير في الشؤون المصرية