رد على "العزيز أدونيس" و"الصديق جهاد الزين"....بياننا ضد تقلبات النظام الأمني السوري...

 ميشيل كيلو...النهار

بعد الردود التي تلقاها الصديق جهاد ضد مقالته, اعتقد انه بقي هناك ما يقال. وأوله عدم وجود همّ لدى المعارضة السورية اسمه "اثبات انها ليست على صلة مشبوهة بأوساط خارجية وتحديدا الولايات المتحدة الاميركية". ليس لدينا مثل هذا الهم او التطلع, لأسباب كثيرة اهمها وجود حذر خارجي قوي جدا لنظامنا, وكونية السياسة الحديثة, واختلافنا المزمن مع النظام على فهمه وطرق ادارته للمسألة الوطنية والقومية, ومواقفنا من اولويات هذه المسائل, التي لا تضعنا في موقف ضعيف في ما يتعلق بمسائل الخارج والداخل, واخيرا ادراكنا ان ليس كل علاقة مع الخارج هي بالضرورة من طبيعة مشبوهة.

هذا "الانجاز" الذي يسجله الصديق جهاد لنا, ليس اذن "المرض" - حسب تعبيره - الذي دفعنا الى الاعتراض على زيارة علاوي لبلدنا. ان ما دفعنا الى اصدار البيان هو, بالاحرى, امر آخر - استغرب شخصيا كيف فات الصديق العزيز - يتصل بتقلبات السياسة السورية, التي تكرر اليوم ما سبق ان فعلته بعد مفاوضات الكيلومتر 101 عام 1994 - 1995, وتتخذ مواقف متناقضة ومتقلبة من مشكلة حيوية, قالت الى البارحة انها قضية مبدئية لا يجوز اللعب او التلاعب بها.

هل اسرد لصديقي سياسات النظام العراقية بعد عام 1970, والتي وضعت سوريا البلد والدولة في مواجهة دائمة مع العراق كبلد وكدولة, بحجة ايديولوجية تنصب على يسارية نظام البعث السوري ويمينية نظام البعث العراقي. ثم اكتشف السوريون بعد عام 2000 ان العلاقة بين البلدين, التي الحقت ضررا يصعب تصوره بهما وبالعرب, نجمت عن نفور شخصي بين رئيسي البلدين وعن حسابات لا تمت بصلة الى مصالحهما العليا, ورأوا سياستهم وهي ترمي بنفسها على صدام حسين, الذي كانت القوى الديموقراطية - ولا تزال - تصدر البيانات وتكتب المقالات وتتخذ المواقف ضده وضد نظامه, وضد ما يشبهه من انظمة عربية, ليس نكاية بالنظام السوري - كما قال طارق عزيز في دمشق قبل الحرب بشهر خلال ندوة عقدتها جهة شبه رسمية للتضامن مع العراق, طالبنا فيها باستقالة صدام حسين وانهاء حكم الحزب الواحد واخلاء سبيل المعتقلين السياسيين وتشكيل حكومة اتحاد وطني في العراق.. الخ بل انطلاقا من ثقافتنا السياسية, التي جعلت معارضتنا الاكثر تقدما في تطورها السياسي ووجهات نظرها الخ... واعطتني شخصيا الشجاعة لأن اصرخ في وجه ضابط مخابرات كبير اتهمني واتهم المعارضة بالصدامية, خلال لقاء جرى عام 1982 في سجن التحقيق العسكري: لو كنا في العراق, لكنت انت ضابط مخابرات كبيرا في نظام صدام حسين, ولكنا نحن في السجون او امواتا?

وهل ثمة حاجة لأن اذكّر جهادا بالاتفاق السوري الامني مع برهم صالح, نائب علاوي, قبل زيارة الاخير لدمشق بأسبوعين, وقال بضرورة تهدئة العراق - التخلص من المقاومة, بغض النظر عن موقفنا منها - وما قد يعنيه هذا من انقلاب محتمل في السياسة السورية حيال الخارج الاميركي, خاصة بعد ان قررت اميركا قبول اصلاح المنطقة بالتعاون مع حكوماتها?

استغرب كيف فات معنى هذه التطورات الصديق جهاد وكيف قرأ البيان باعتباره موجها ضد علاوي وحده, ولم يقرأ فيه التعبير عن حق اي سوري- مثقفا كان ام غير مثقف - في ان يعلن استياءه من الآن فصاعدا من زوار بلده الذين لا يحبهم. وانا لا احب السيد علاوي ولا احترمه, لاعتقادي انه يمثل نقيض ما نحن بحاجة اليه في هذه الحقبة من قادة رهانهم اخراجنا من ورطتنا الراهنة بقوانا اساسا وبأفكار تعبّر عن حاجاتنا وتطلق قدرات مجتمعاتنا في اطار من الحرية والديموقراطية الليبرالية - هذه للعزيز ادونيس - يعرفون كيف يفيدون من معاونة قوى العالم الخارجي, ما دام خروجنا من ورطتنا مستحيلا دون اطار عالمي ملائم. نريد قادة يراهنون علينا ولا يراهنون على الخارج وحده, او يأتون على ظهور مصالحه واستراتيجياته ودباباته, خاصة ان كان هذا الخارج هو الولايات المتحدة, القوة التي تنتهج اساليب استعمارية تقليدية في التعامل معنا, اساسها العنف والاحتواء والتطويع, والتي تعلن ان هدفها جعلنا ملائمين اكثر لتحقيق سياساتها ومصالحها.

وبما ان السيد علاوي رمز بارز للانضواء في هذه السياسة الاستعمارية, فاننا نخشى - وبحق كما اعتقد - ان يكون تعامل سوريا معه بداية تطور جديد يأخذها الى حيث تعلم ونعلم. وزاد من خشيتي اعتقادي ان بلدي ليس حصينا في وضعه الراهن ضد تطور كهذا, وان هذا الاحتمال الذي اكتب عنه منذ عام - في جريدة "النهار" ايضا - هو خيار لا مفر منه, اذا ما بقيت بنية النظام على حالها, واستمرت طريقة ادارته التي تجعل منه نظاما امنيا, اولويته المطلقة البقاء في السلطة بأي ثمن, والامتناع عن اجراء اي تعديل او تبديل حقيقي في خياراته وطرق اشتغاله, وفي تعريفه لمصالحه واولوياته.

هل عرفت الآن لماذا اصدرنا البيان? ليس لأن لوبياً صدامياً ورطني او ورط غيري, كما تقول, فنحن في نظر اللوبي الصدامي عملاء اميركيون - هذه تهمة وردت حرفيا في مقالة كتبها صديق عراقي قديم هو فاضل الربيعي ضدي لأنني طالبت بمحاكمة صدام حسين - بل لأننا نخشى ان يعاد انتاج الصداميات العربية القائمة في اطار خارجي - اميركي تحديدا - ادواته الداخلية اشخاص من طراز السيد علاوي, فتكون الطامة الكبرى, سواء بالنسبة الى الديموقراطية وقواها وفرصها في المنطقة وعندنا, ام بالنسبة الى الليبراليين من امثال شخصك الكريم, الذين اعتقد انهم يرفضون بدورهم بديلا كهذا.

اخيرا, لم افهم لماذا رد صديقي جهاد على البيان, اذا كان ما جاء فيه من معلومات صحيحا, كما يسلم هو نفسه في رده? هل وصلنا الى زمن صار فيه الاعتراض على عملاء الخارج يثير استهجاناً وطنياً?

(دمشق)

كاتب سوري