عن القراءة الامريكية للحالة الاسلامية .....

فهمي هويدي.... السفير

عندي عدة ملاحظات بخصوص التقرير الاميركي حول الحالة الاسلامية، الذي نعرف انه لم يكن عملاً خيرياً ولا هو لوجه الله، ولكنه أعد لحساب وزارة الدفاع الاميركية، وصدر عن قسم بحوث الامن القومي بمؤسسة <<راند>> ذات الوزن المعتبر في واشنطن. ولان هذه خلفيته فقد جاء التقرير متعوباً عليه، ثم جديراً بالاهتمام والاحترام.
لست معجباً بالتحليل الوارد في التقرير، واستيائي لا حدود له من مقاصده، ولكني مقدر للجهد الذي بذل فيه، ومتفهم لحقيقة انه في نهاية المطاف يتحرى المصلحة الاميركية. ويرسم <<خريطة الطريق>> للنفاذ الى قلب المجتمعات الاسلامية، واستمالة المتدينين وكسبهم الى صف الرؤية الغربية، والاميركية بوجه أخص. ولست أخفي ان تقديري لجهد مؤسسة <<راند>>، وخاصة السيدة شيريل بينارد (زوجة زلماي خليل زاده السفير الاميركي في كابول، وهو مسلم من أصول أفغانية) التي كتبت التقرير، حين قارنت الجدية التي تم التعامل بها مع الموضوع، بالهزل والغوغائية التي اتسمت بها كتابات عربية عدة في الموضوع ذاته.
وقبل أن أستطرد في تسجيل ملاحظاتي حول التقرير، ألفت النظر الى ان ملف التيار الاسلامي ليس قضية الساعة، إلا اذا كنا نتحدث عن إرساء قواعد الديموقراطية والدفاع عن التعددية، السياسية والفكرية. ذلك ان مصير الاوطان، والامة كلها أصبح في خطر الآن، بحيث لم تعد هناك فرقة سياسية <<ناجية>>. والحاصل في العراق يشهد بما نقول، فالاحتلال وضع القوى الوطنية كلها في خندق واحد، المسلمين وغير المسلمين، والناشطين الاسلاميين والعلمانيين، والمؤمنين والملحدين، وعبدة الله وعبدة النار والشيطان!
بسبب من ذلك فإنني أقاوم بشدة في حدود ما أملك عملية الاستدراج التي تستهدف إما توسيع المناقشة حول موضوع التيار الاسلامي، أو الاشتراك في المناوشات الحاصلة بين الاسلاميين والعلمانيين، معتبراً ان من شأن ذلك إما إلهاء الامة عن تحديات الساعة، أو تشتيت الصف الوطني لإضعاف مواجهته لتلك التحديات. وأزعم في هذا الصدد ان الاعين ينبغي دائماً ان تظل مفتوحة صوب أهم تلك التحديات المتمثلة في الزحف الاميركي على المنطقة الذي يعد الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين احدى حلقاته وركائزه.
ولست هنا بصدد فتح باب المناقشة حول موضوع <<الاسلام المدني والديموقراطي>> الذي ركز عليه التقرير الاميركي، ليس فقط للسبب الذي ذكرته تواً، ولكن ايضاً لأننا لا نرفل في الديموقراطية ولا نملك ترف الاختيار بين أنواع نماذجها ومواصفاتها، وهل تكون إسلامية ام علمانية، وانما نحن ما زلنا نتحسس الطريق الى أي شكل من أشكال المشاركة والمساءلة، أياً كانت اللافتة المرفوعة فوقها.
ملاحظاتي حول الموضوع لا فيه، ومعظمها ينصب على الشكل والمنهج والمقاصد. وكنت قد تعرضت للتقرير في مقام آخر (مجلة <<المجلة>>)، كما ان الاستاذ سيد ياسين ناقش مضمونه في جوانب عدة على صفحات <<الاهرام>> خلال الاسابيع الاخيرة. وكانت مجلة <<المستقبل العربي>> قد نشرت خلاصة التقرير في عدد أول حزيران (يونيو) الماضي، علماً بأنه صدر في واشنطن في منتصف شهر آذار (مارس) من العام الحالي.
الملاحظة الاولى تتعلق بالجهة التي طلبت التقرير. وقد ذكرت انها وزارة الدفاع الاميركية، وان القسم الذي أعد التقرير هو المختص ببحوث الامن القومي. وهو ما يوحي مباشرة بأن قضية الحالة الاسلامية أصبحت ضمن اهتمامات وزارة الدفاع، وانها منذ 11 ايلول (سبتمبر) باتت أمراً وثيق الصلة بالامن القومي الاميركي. وهو أمر لا غرابة فيه، لان الضربة الموجعة التي تلقتها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر، حمّلت مسؤوليتها لجماعات التطرف الاسلامي، الامر الذي أضفى على تلك الجماعات أهمية استثنائية، سوغت إحالة ملف الحالة الاسلامية الى وزارة الدفاع.
الملاحظة الثانية ان التقرير يتحدث عن إعادة تشكيل المجتمعات الاسلامية. فيدعو مثلاً الى خلق أدوار نموذجية وقادة من بين دعاة الحداثة، عن طريق الترويج لهم بنشر وتوزيع أعمالهم، وتشجيعهم على الكتابة للشباب خاصة، وتوفير منابر علنية لهم، وإدخال آرائهم في مناهج التعليم الاسلامي.
ثمة مقترحات عديدة من هذا القبيل، تستدعي السؤال الكبير: كيف يمكن تفعليها على أرض الواقع؟ ذلك ان هذه المهام التشجيعية تتطلب توفير نفوذ هائل للادارة الاميركية لإنجازها. وهو اعتبار يستدعي الملاحظة الثالثة.
تتلخص تلك الملاحظة في ان الذين أعدوا التقرير تعاملوا مع العالم الاسلامي باعتباره ساحة بلا صاحب، مفتوحة وطيعة الى حد الامتثال الكامل لكل ما تطلبه واشنطن من دوله. فالتقرير لم يتحدث عن مطالبة الحكومات الاسلامية بكذا أو كذا، ولم يشر الى احتمال ولو بنسبة واحد في المئة لان ترفض بعض الحكومات هذه المطالب، الامر الذي يبعث على الاستغراب والدهشة، بل والتساؤل عن سر تلك الثقة التي تكلم بها التقرير عما ينبغي عمله في العالم الاسلامي، دون أي اعتبار للارادة أو السيادة، وباطمئنان لا حدود له لحالة <<عدم الممانعة>> في الدول الاسلامية.
الملاحظة الرابعة ان التقرير يعتبر ان العلمانية هي الحل. وانه لا سبيل للتخلص من الارهاب إلا بحصار التدين وتضييق نطاقه، بحيث يعزل الدين عن مجرى الحياة العملية، عن طريق فصله عن الدولة. وذلك لا يتأتى إلا من خلال أمرين، العلمنة والتغريب. ولهذا فالتوصيات صريحة في دعوتها الى <<تشجيع ودعم المؤسسات العلمانية والثقافية وبرامجها>> والى <<تطوير إسلام غربي، ألماني أميركي وفرنسي... الخ>>. والى <<الدعم المستمر لقيم الحداثة الغربية>>.
في منطق التقرير، فإن للحداثة طريقا واحدا يبدأ بالعلمانية وينتهي بالتغريب. وفي كل الاحوال فإن إضعاف التدين مطلوب لإنجاز المهمة. والنماذج التي يحتفي بها التقرير ويدعو الى احتذائها هي تلك التي انتمت الى الاسلام اسماً، ثم تمردت عليه وانتقدت تعاليمه وجرحتها، ويستشف المرء من القراءة ومن النماذج التي احتفى بها التقرير يلاحظ المرء انه كلما أوغل هؤلاء في نقد الاسلام وطعنه من داخله، كان ذلك دليلاً على <<الاعتدال>> والانخراط في طريق الحداثة، على النحو الذي يؤدي الى <<خلق وترويج نموذج إسلام مزدهر معتدل>>.
وفي حين تطرح العلمنة حلاً لمشكلة الامة الاسلامية، فإن التقرير لا يخفي دعوة صريحة الى تشجيع التصوف، وهو ما يعد نوعاً من الدعوة الى التعلق بما يمكن ان نسميه ب<<الاسلام الانسحابي>>، الذي يقلص التدين في دائرة <<روحية>> لا يتجاوز حدودها. فهو يتحدث صراحة عن أهمية <<تعزيز الصوفية>> و<<تشجيع البلدان ذات التقاليد الصوفية القوية على التركيز على ذلك الجانب من تاريخها، وعلى إدخاله ضمن مناهجها الدراسية>>. بل ويلح على ذلك في عبارة أقرب الى الامر تقول: لا بد من توجيه قدر أكبر من الانتباه الى الاسلام الصوفي.
الملاحظة الخامسة ان التقرير وهو يشخص أزمة العالم الاسلامي، فإنه أرجعها الى عاملين هما التخلف وفقدان الصلة بالعالم الخارجي، وهي قراءة ليست مستغربة من وجهة النظر الغربية. وقد نتفق معها جزئياً، باعتبار ان للعاملين تأثيرهما الذي لا يشك فيه على أزمة العالم الاسلامي، ذلك التشخيص يتجاهل عاملاً غاية في الاهمية، هو الدور الذي مارسه الغرب في تكريس تخلف العالم الاسلامي، من خلال تمزيقه ونهب ثرواته ومساندة الاستبداد فيه، حتى لا نكاد نجد منطقة في العالم تعرضت للضغوط والانهاك من جانب قوى الهيمنة الغربية مثلما حدث مع العالم الاسلامي. وهو الذي تعرض للافتراس منذ كسرت شوكة الدولة العثمانية، بعدما سرى في جسدها التحلل منذ أوائل القرن الماضي، الامر الذي يسّر على الدول الغربية تقسيم تركتها في <<سايكس بيكو>> وبسط هيمنتها عليها بعد الحرب العالمية الاولى.
الملاحظة السادسة هي ان التقرير يميز في فرز الحالة الاسلامية بين أربع فئات هي: الاصوليون وهم المتطرفون الذين يرفضون الديموقراطية ويريدون فرض إرادتهم على المجتمعات بكل وسيلة وإلزام الناس بآرائهم وتصوراتهم للدين والحياة التقليديون الذين يريدون مجتمعاً محافظاً ويتشككون في الحداثة والتجديد الحداثيون أو الليبراليون الذين يريدون تطوير الاسلام من داخله العلمانيون الذين يطالبون بالفصل بين الدين والدولة ويريدون تطبيق النموذج الغربي في العالم الاسلامي.
من السياق ان نفهم ان الفريقين الاول والثاني أقرب الى الالتزام الديني، وان الشريحتين الثالثة والرابعة أقرب الى المحيط العلماني، فالحداثيون على تخومه والعلمانيون في قلبه. وهذا الفرز يستدعي ثلاث ملاحظات فرعية هي:
انه لا يكاد يرى إمكانية بلورة تيار وسطي إسلامي ديموقراطي مثلاً يجمع بين المحافظة والتجديد، ولا يرفض النموذج الغربي لكنه أيضاً لا يتعامل معه باعتباره مثلاً أعلى، وانما يتفاعل معه من زاوية نقدية تحترم إيجابياته وترفض سلبياته.
انه يتعامل مع الحالة الاسلامية على أساس الفرز بين طبقاتها وتياراتها، ويريد استمالة وإغواء بعض تلك التيارات. ومنطق الفرز هذا اعتمدته إدارة الرئيس كلينتون التي هيمن فيها الحزب الديموقراطي، ولكن الادارة الحالية الجمهورية لا تعترف به، وتتعامل مع الحالة الاسلامية من منطلق قمعي واستئصالي يستهدف الجميع، دون تفرقة بينهم أو تمييز. وذلك أوضح ما يكون في التعامل مع المسلمين في داخل الولايات المتحدة ذاتها. فقد احتملتهم إدارة الرئيس كلينتون، واتسع صدرها لهم، وبعضهم كانوا يدعون في مناسبات مختلفة الى البيت الابيض. أما في ظل الادارة الراهنة فقد أدرج جميع الناشطين المسلمين، حتى أولئك الذين يعملون في المجالات الاغاثية والخيرية، ضمن القوائم السوداء، فمنعت أنشطتهم وصودرت أموالهم ووضعوا تحت المراقبة. أما الذين كانوا يدعون الى البيت الابيض في السابق، فقد أودعوا السجون ولفقت لهم التهم والقضايا المختلفة.
الملاحظة الثالثة ان تصنيف الفئات الاربع داخل الحالة الاسلامية، رغم انه لا يعبر عن منطق ورؤية الادارة الحالية، إلا انه يستوقف المرء من عدة زاويا. الاولى انه يتجنب الكسل العقلي الذي يفضله البعض، ممن يضعون الجميع في سلة واحدة، دون إدراك لطبيعة التمايزات بينهم، والثانية انه يذكرنا بموقف السابقين من الباحثين والعلماء المسلمين الذين التزموا الموضوعية والمسؤولية في تعاملهم مع الفرق المختلفة التي حفلت بها المجتمعات الاسلامية بصرف النظر عن نقاط الاتفاق والاختلاف معها. فما كتبه ابن حزم أو الشهرستاني عن <<الملل والنحل>> استعرض كل الفرق التي عرفت في زمانهم، حتى تلك التي ضلت طريقها. وهو ما فعله ابو الحسن الاشعري في مؤلفه <<مقالات الاسلاميين>>، الذي أدرج تحت اللافتة الخوارج والمعتزلة والروافض وغيرهم من الفرق التي انتسبت الى الاسلام من أي باب.
وهذه الملاحظة الاخيرة تستدعي استطراداً يتطلب وقفة خاصة.
ذلك ان المرء وهو يلحظ ذلك الاهتمام الاميركي بالفرز بين التيارات الاسلامية ومحاولة الافادة من بعضها استثماراً لحضورها ورصيدها في المجتمعات المسلمة، ينتابه شعور هو خليط من التوجس والحزن. التوجس لان هذه المحاولة الاميركية ينبغي أن ترفض ويقطع عليها الطريق، والحزن لان الفكرة نحن أولى بها، لكنها مغيبة عن واقعنا، حيث لا نرى اعتماداً لمبدأ الفرز، ولا نلمس جهداً لاستثمار ما هو ايجابي في الحالة الاسلامية لصالح النهوض بالمجتمع والدفاع عن ثوابته ومصالحه العليا. والمدهش، والمفجع أيضاً، اننا نلمح في ثنايا خطابنا الثقافي ازدراء لتلك الحالة على إطلاق، وإنكاراً واستهجاناً لمبدأ وجودها.
آية ذلك ان البعض آثر ان يسوق لفكرة اغتيال الحالة الاسلامية عن طريق التلاعب بالالفاظ، أو التنطع اللغوي ان شئت الدقة. فالناشطون في الفرق باختلاف اتجاهاتها، ليسوا <<إسلاميين>> كما ذكر الشهرستاني، وكما هو الاشتقاق العادي الذي يطلقه أسوياء البشر عليهم وعلى غيرهم، من القوميين والليبراليين والشيوعيين والناصريين. لكنهم في خطاب الاغتيال <<إسلامويين>> حيناً و<<إسلامنجيه>> حيناً آخر، و<<متأسلمين>> في قول ثالث. ومن المفارقات البائسة في ذلك ان الذين يعطون أنفسهم حق إطلاق تلك الاوصاف، يقفون في المربع المعادي لكل ما هو إسلامي. بل منهم من قضى حياته منتمياً الى الحركة الشيوعية التي دعت الى الالحاد وفرضته منهجاً دراسياً في مدارسها. ولا يقف الامر عند ذلك الحد وانما وجدنا منهم من نصّب نفسه أيضاً <<مفتياً>> يحدثنا عن <<صحيح الدين>> والفاسد فيه!
سمعت أحدهم يتحدث مرة عن العلامة الكبير الدكتور يوسف القرضاوي ويصنفه باعتباره <<متأسلما>>، فقلت ان أهل السلف لو علموا ان شيوعياً أطلق على الشيخ القرضاوي مثل هذا الوصف، لاعتبروا ذلك من علامات الساعة الصغرى!
من أغرب ما قرأت في هذا السياق، مقال نشرته مجلة <<الهلال>> المصرية في عدد حزيران (يونيو) لأحد الاكاديميين (الدكتور ماهر شفيق فريد) اعتبر فيه ان اقتراب عدد من كبار المفكرين من التدين <<أكبر كارثة حاقت بالفكر العربي الحديث>>. وكان بذلك ينتقد موقف الدكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، الذي ادّعى عليه ان يقترب من <<المنظور السلفي الاصولي>>. واستطرد قائلاً ان ذلك <<المنحى المحزن>> ينسحب أيضاً وبدرجات متفاوتة على التطور الفكري لطه حسين والعقاد وهيكل والمازني وزكي نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي واسماعيل مظهر وعلي عبد الرازق ومنصور فهمي وخالد محمد خالد ومصطفى محمود وغيرهم.
في عدد أول يونيو نشرت <<الهلال>> رداً مفحماً كتبه الدكتور محمد رجب البيومي طرح في مستهله على الدكتور شفيق فريد السؤال التالي: هل يكون هؤلاء جميعاً بقاماتهم العالية والرفيعة مخطئين في رجوعهم الى الحق، ويكون وحده المصيب الذي اكتشف ما وصفه بالكارثة الاليمة؟!
إن الاميركيين وهم يحللون الحالة الاسلامية ويسعون للافادة من حضورها القوي، انما يتحرون مصلحة بلادهم، ولكن السؤال الذي يحير المرء هو: لمصلحة من يتبنى هؤلاء الاخيرون مواقفهم تلك؟
(
) كاتب مصري