كفر, كفر, والبقية تأتي: مشايخ سورية وزمن الفساد....

نبيل فياض....السياسة الكويتية

تفترض الناس عموماً أن رجل الدين, من كافة الملل والنحل, هو صوت ضمير الأمة الحي, غيمة الإيمان التي تمطر طهارة زمن القحط والفساد, بسمة النظافة وقت تطاردنا غيلان الوجوه المتجهمة الكئيبة, لتنزع من أعيننا دهشة الفرح الطفولي وأمل انتظار ما لابد أن يأتي يوماً.
يختلف الناس عموماً في تعريف رجل الدين: فمنهم من يرى أنه الوسيط بين الله وبني البشر, »فما يحله في الأرض, يُحل كذلك في السماء«, ومنهم من يرى أن وظيفته طقسية - روحانية لمساعدة الجماعة على مزيد من التلاحم غير السياسي, ومنهم من يرى فيه مصلحاً اجتماعياً عمله أولاً مكافحة الفساد والأمراض الاجتماعية, ومنهم من يراه سياسياً مناضلاً ثورياً هدفه, كالمهدي المنتظر, إشاعة العدل في الأرض بعد أن امتلأت جوراً وظلماً.
مع ذلك, فقد قارب بعضهم, مثل نيتشه, خاصة في كتابه »عدو المسيح«, رجل الدين من منظور مختلف بالكامل. فهذا المفكر الهام, يعتبر رجال الدين - بلغته: الديوك الرومية - النماذج البشرية الأسوأ, والتي ادت إلى تلويث العقل البشري بعلل لا يمكنه الاستشفاء منها. ويصل في نهاية الأمر إلى نتيجة متطرفة, مفادها أنه إذا أردت أن تعرف حقيقة مسألة من زيفها, ما عليك إلا أن تسأل عنها أحد رجال الدين, وتعكس ما يقول. ولا اعتقد أن فويرباخ, خصوصا في »جوهر الدين وجوهر المسيحية«, خرج كثيراً عما طرحه نيتشه, وإن كانت لغة فويرباخ أقل شاعرية وحدة! (راجع هنا كتابنا: نيتشه والدين).
وقد أوردنا في كتابنا المذكور آنفاً إجمالاً لأنواع الخلل النفسي, التي ذكرها نيتشه, والتي رأى أنها يمكن أن تجعل من صاحبها رجل دين بامتياز. وباستثناء غبرييل مارسيل وربما كارل ياسبرز أيضاً, فقد سار المفكرون الوجوديون, في نقدهم لشخص رجل الدين, في هدى نيتشه, الذي يمكن اعتباره, مع سورن كيركغارد, أحد سلفيي الفلسفة الوجودية, التي شكلت يوماً الضمير العام في أوروبا الغربية بشكل خاص. ولم يكن الشيوعيون والعبثيون والفوضويون أقل حدة من الوجوديين في انتقادهم لشخصية رجل الدين.
هذا في الغرب حيث تهاوت صخور القداسات منذ أن وضع سبينوزا ازميله الصلد في قاعدتها بالذات, حتى بولتمان وهرتسوغ وفنكلستاين! أما في الشرق, فما زالت الهالات القديمة على حالها, بل يمكن القول إن الحالة العقلانية ارتكست مع هذا الانتشار الأفقي غير العادي للحركات الأصولية المعادية للعقل, ومحاولة بعضهم, قصداً أو دون قصد, تمييع الحدود بين ذاته وعالم الما وراء, بحيث يبدو أي انتقاد له وكأنه محاولة دنيوية مرفوضة لمد اليد إلى عالم الغيب.
وتحت اسم حماية المقدسات أو الدفاع عن التراث أو مواجهة حملات التغريب تمت مصادرة العقل لصالح النقل, بل إن المحاولات اللطيفة غير العنيفة في نقديتها أو نوعية المصادر التي تقاربها- بعكس فلهاوزن في تصديه لمسألة التقاليد Traditionenفي العهد القديم أو بولتمان في طريقته المسماة " إزالة الصبغة الميثولوجية عن المسيح "- والتي كان من روادها علي عبد الرازق ومن ثم فرج فودة وسيد القمني, أقامت العالم الإسلامي ولم تقعده, وانتهت بعزل علي عبد الرازق وقتل فرج فودة ووضع سيد القمني على أسوأ القوائم السوداء. ولم تكن هذه الحرب الظلامية على كل ما هو عقلاني نصرة للدين كما كانوا يضحكون على العوام, فالبشري أضعف وأهزل من أن يقاوم الإلهي.
وعدم الخوض في تفاصيل الماضي لا يلغي من كتب التاريخ يوم الدار وحرب الجمل وصفين والنهروان وكربلاء والحرة: كان الغرض منها عدم التشكيك بالسند المعرفي الذي يستند إليه رجال الدين هؤلاء حتى لا يُشكك من ثم بهم أنفسهم ويُسحب بالتالي البساط من تحت أقدامهم, فيفقدون ما هم فيه من عز وسلطة وثراء. الإلهي, إبستمولوجياً, لا يمكن للبشري الإحاطة به, سلباً أو إيجاباً, لأنه.
كما يقول لانغه في »تاريخ المادية«, لا يمتلك من القدرات الشعورية أو الادراكية التي تمكنه من ذلك, من هنا, فإن تصورات البشري لما هو إلهي لا يخرج عن إطار المفاهيم المتداخلة بقوة مع وضع هذا البشري الزماني-المكاني.
في انتقالنا من التعميم إلى التخصيص, يمكن القول إن مشايخ سورية, أي رجال الدين فيها من المسلمين, يتمتعون بكل الميزات المذكورة آنفاً, خاصة وأن البعثيين, كما أشرنا على الدوام, يحاولون الرفع من سوية المشايخ, كي يدفعوا عن ذواتهم تُهم الكفر والعلمنة, التي ما انفك المشايخ يرمونهم بها, بنوع من الابتزاز المستهلك! وهكذا.
فقد كان باستطاعة رجل الدين هذا, الذي يكفر كل من لا يدور في فلكه صباح مساء, إقناع رئيس وزراء غاية في الذكاء والثقافة واللاطائفية, كعبد الرؤوف الكسم, أن الكتاب الفلاني, الذي يناقش مسائل تاريخية يعرفها كل من قرأ في التراث الإسلامي, سوف يشعل فتنة " نحن بغنى عنها", وكانت النتيجة صدور قرار على أعلى المستويات بمنع الكتاب وملاحقة كاتبه!
ولأنه لا أحد يطلب العنب من الشوك, فقد كان من غير العقلاني absurd أن نتوقع من المشايخ موقفاً إيجابياً من مسائل حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الإنسان, فتلك التعابير كانت على الدوام النقيض المباشر لما يطرحه رجال الدين من أحادية رأي واستبدادية مفهوم ورفض المقاربة العقلية لما يعتبر نقلاً فوق العقل. من هنا, فقد ساهم المشايخ, ورجال الدين عموماً, في إضفاء مزيد من الاستبداد على الواقع السوري بتجلياته الكثيرة, في الأربعين سنة الماضية.
ولأن المشايخ يفتقدون الحد الأدنى من اللاذاتية بحيث يوافقون على نقائضهم المفاهيمية مثل حرية الرأي والليبرالية والتعددية, فنحن نستطيع أن نستوعب الأسباب التي تجعلهم الأكثر صمتاً في مواجهة الاستبداد, لكننا بالمقابل, لا نستطيع حتى الآن أن نستوعب ما الذي يجعلهم يصلون بالصمت إلى حده الأعلى وهم يشاهدون بالعين المجردة, أهم معلولات الاستبداد, أي الفساد, وقد استشرى في كل زاوية وحارة ومؤسسة في سورية?
بغض النظر عن موقفنا الشخصي من بعض ممارسات كردية أثناء مطالبة الأكراد بحقوقهم الأبسط, التجنيس, فإن مشايخ الأكراد, الذين يحتكرون منذ زمن القرار الديني في دمشق, صمتوا بالكامل أمام هذا الحق الطبيعي, من ناحية أخرى, يعرف كل سوري أن المطالبين بالحقوق المدنية الفعلية والديمقراطية وباحترام حق الاختلاف ضمن التعددية لا يمتون بصلة إلى أي وسط إكليروسي, بل هم من الجماعات الليبرالية أو اليسارية, التي قد تكون النقيض الفعلي لما هو بعثي أو كهنوتي! ومن تجارب عايشناها مؤخراً, يمكننا القول بثقة لا ينقصها الوضوح, إن الطرف المشائخي أو المحسوب على المشايخ, في ظل هذه الثورة " الكلامية " التي تعيشها سورية اليوم, هو الأكثر عدائية للديمقراطية والنَفَس التعددي, تحت عناوين غير قابلة للنقاش, من منظورهم طبعاً.
إن الكارثة الفعلية التي تكاد تطيح اليوم بسورية, التي تحاول تلمس طرق للخروج من الاستبداد, هي الفساد. فالفساد بكافة عناوينه, الخافتة أو المتلألئة, هو العدو الأوحد للشعب السوري ومستقبله, الفساد, الذي لا يفرق بين شرطي المرور, الذي صار عادياً أن يطالبك بما له بمناسبة ودون مناسبة, والمسؤول الرفيع, الذي يرفض المساومة في حصته من الصفقة, صار السوس الذي ينفر الناس من الواقع السوري, ابن البلد قبل الغريب! مع ذلك, فمن على المنابر المتاحة لهم, المحظورة على غيرهم من غير المدجنين, لم نسمع يوماً إدانة لفاسد أو تشهيراً بواقعة فاسدة, بل هنالك من يؤكد أن كثيراً من المشايخ, وأحدهم يقبع الآن خلف القضبان في أحد السجون السورية, ليسوا بعيدين كثيراً عن صفقات الفساد, أو عن تسويق هذا الفاسد أو ذاك لأن لديه ما يملأ الفم بحيث لا يعود بالإمكان غير التمجيد بحمده.
إذن, كيف يملأ هؤلاء أوقات الذين ينصتون إليهم اسبوعياً, ممن يعدون بالملايين? بالتكفير, فمرة نكتشف أن الشيخ محمد حبش كافر, ومرة أخرى يتنافسون في تكفير محمد شحرور, وفي نوبة ثالثة يكفرون صادق العظم, وهكذا, لا يصدقون سماع رأي نقدي حتى يفتتحوا " رالي " تكفير, يتبارى فيه الجميع في سوق رعيتهم إلى حائط اللاعقلانية المسدود! والدولة السعيدة بشد الانتباه عن المسائل الحساسة غير المرضي عنها, تصفق بشدة لحلفائها المعممين, " الضمير الحي المفترض للأمة ", كما قلنا من قبل!
قديماً قيل: اسمعوا أقوالهم ولا تعملوا أفعالهم! والآن نقول: لا تسمعوا أقوالهم, ولا تعملوا أفعالهم.

*
كاتب سوري - دمشق