إصلاحيون: "محقون فيما يثبتون.. مخطئون فيما ينفون"...

 محمد عابد الجابري.... الاتحاد

من المفارقات التي لازمت الفكر الإصلاحي السلفي منذ ابن تيمية، والذي اتخذ مرجعية له قولة الإمام مالك "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، أن هذا الفكر لم يلتزم بحد معين يفصل بين ما هو "أول الأمة" وما هو "بعد أولها"، إلا في مجال واحد هو المجال الذي كان يشكل المفكر فيه لدى الإمام مالك حين نطق بقولته تلك: أعني مسألة زيارة القبور والأضرحة وغير ذلك مما يصرف المؤمن عن التعلق بالله وحده لا شريك له. ففي هذا المجال وحده يتحدد "أول الأمة"، بصورة لا لبس فيها، بزمن النبي عليه السلام وعهد الخلفاء الراشدين. غير أن الفكر السلفي لم يقف عند هذا الحد بل انخرط بعد عهد الخلفاء الراشدين في الصراعات السياسية والمذهبية التي احتدمت زمن "الفتنة الكبرى" وبعدها إلى اليوم. ولم تكن وراء هذا الانخراط أسباب سياسية خاصة بكل عصر فحسب، بل كان وراءه، وما زال، سبب آخر أكثر أهمية وتأثيرا هو وراثة صراعات الماضي وتبني مواقف السلفيين القدامى وكأنها هي نفسها صراعات الحاضر. وهكذا ورث ابن تيمية –مثلا- مواقف الإمام ابن حنبل من الفرق التي عارضها يوم كان فاعلا سياسيا في الفتنة التي أثارها حول قضية "خلق القرآن" بعض رجال المعتزلة الذين كانوا قريبين من السلطان. لقد كانت معارضة ابن حنبل لموقف المعتزلة معارضة دينية اجتهادية من جهة، وسياسية ظرفية من جهة أخرى. وقد ورث الحنابلة ليس الجانب الديني في فكر ابن حنبل فحسب، بل تبنوا أيضا مواقفه السياسية إزاء خصومه، وعلى رأسهم المعتزلة. وهكذا صار المعتزلة طرفا خصما للسلفية الحنبلية منذ فتنة "خلق القرآن" إلى اليوم، مع أن المعتزلة قد انقرضوا وانقرضت معهم مسألة "خلق القرآن"، ولم يعد لها أي وجود غير جانبها التاريخي.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى ورثت السلفية الحنبلية صراعا آخر من الماضي وجعلت منه واحدة من قضاياها الرئيسة في الحاضر، أقصد بذلك موقفها –وموقف ابن تيمية بصورة خاصة- من الشيعة الإمامية، الذين ينعتون بـ"الروافض" لكونهم رفضوا إمامة كل من أبي بكر وعمر وعثمان. وقد نعتوا بهذا النعت في الأصل لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لكونه اعترف بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان وقال إن الصحابة قدموهم على علي بن أبي طالب، لمصلحة اقتضاها زمنهم. ومعلوم أن محمد بن عبد الوهاب سار على درب ابن تيمية مستعيدا ومتبنيا هو الآخر المواقف الظرفية التي اتخذها هذا الفقيه الحنبلي الكبير إزاء خصومه المذهبيين والدينيين، بما في ذلك موقفه من "الروافض": الشيعة الإمامية في عصره.

وواضح أن جميع هذه المواقف التي كان لها طابع سياسي في الماضي والتي استعيدت ليتم التعامل معها كجزء من حاضر كل تيار سلفي، قد اعتبرت –وما زالت تعتبر- عند السلفية/ التيمية الوهابية، على أنها تدخل في مفهوم "سيرة السلف"، أي فيما عبر عنه الإمام مالك بـ"ما أصلح أول" الأمة. وهذا موقف غير مبرر لا على مستوى المنقول ولا على مستوى المعقول، فضلا عن أنه ينزع من فكرة الإصلاح جوهرها الثابت، وهو تجاوز صراعات الماضي والاتجاه إلى المستقبل مع الاحتفاظ بأصول العقيدة، كأصل التوحيد.

إن هذا المسلك في التفكير والعمل يجعل الإصلاح يتحدد دوما بـ"الأخر"! فالموقف السلفي الذي من هذا النوع يتحدد ليس فقط بالدعوة إلى سيرة الخلفاء الراشدين، بل أيضا بمعاداة جميع الخصوم السياسيين والمذهبيين الذين عاداهم دعاة السلفية منذ الفتنة الكبرى إلى اليوم. وهكذا يمتص الصراع مع خصوم الماضي قدرا كبيرا من الجانب الإصلاحي في الحركة السلفية، وذلك على حساب الجوانب التي تهتم بمشاكل الحاضر والمستقبل.

ومع أن رائد السلفية الحديثة جمال الدين الأفغاني تبنى موقف ابن عبد الوهاب من زيارة القبور والأضرحة والطرقية الصوفية وما أشبه، فقد ركز مجمل تحركاته ضد الاستعمار الذي كان يغزو الأقطار الإسلامية في القرن التاسع عشر، داعيا الأمم الشرقية إلى النهوض واكتساب القوة والمنعة. ومن هنا كان أفق تفكيره وتفكير صاحبه محمد عبده يختلف عن أفق تفكير ابن عبد الوهاب من حيث إنهما اعتبرا المظاهر التي قام ضدها هذا الأخير عائقا أمام النهضة والتقدم وبناء مستقبل جديد، وليس فقط انحرافا عما كان عليه "أول الأمة". ومع ذلك فإن الأفغاني لم يتحرر كليا من سلطان "الآخر" على مضمون سلفيته. ولم يكن "الآخر" هذه المرة محصورا في دائرة الماضي فحسب، بل كان حاضرا في الحاضر أيضا وبقوة. يتعلق الأمر بوجهة نظر أخرى في الإصلاح تنادي باتباع نفس السبل التي سلكتها أوروبا نحو الإصلاح، ومنها سبيل التحديث، تحديث الفكر وتحديث الوسائل.

لقد سلك جمال الدين الأفغاني مسلكا جعل من سلفيته الإصلاحية حركة "ثورية" براغماتية ظرفية تسترشد "أصلح أول الأمة" دون التسلح بنظرة مستقبلية متعددة الأبعاد. لقد كانت نظرته إلى المستقبل تقف عند مقاومة الاستعمار. أما الوضع الداخلي للأقطار الإسلامية، فلم يكن لديه عنه أي تصور واضح سوى ما عبر عنه الإمام مالك بـ"ما أصلح أول الأمة".

ولكي يأخذ القارئ الكريم فكرة واضحة عن مضمون الإصلاح عند الأفغاني وموقفه الرافض للتجديد والتحديث نورد فقرات من مقالة بعنوان "ماضي الأمة وحاضرها وعلاج عللها"، أملى الأفغاني مضمونها على صاحبه محمد عبده الذي حررها ونشرها في المجلة التي كانا يصدرانها من باريس باسم "العروة الوثقى" سنة 1884، وهي مقالة تلخص بوضوح موقف التيار السلفي الحديث من الإصلاح.

تنطلق المقالة من لفت انتباه القارئ إلى أن أمة العرب لم تكن شيئا مذكورا قبل الإسلام فأصبحت بفضله أمة عظيمة ذات حضارة زاهرة، ثم آل أمرها بعد ذلك إلى الفرقة والضعف والانحطاط، حتى أصبحت طمعا للطامعين. ثم تتساءل المقالة عن الدواء الصالح لعلاجها. وقبل أن تجيب تنتقد الآراء المنادية بالإصلاح بواسطة وسائل العصر الحديث فتقول:"ظن قوم في هذا الزمان أن أمراض الأمم تعالج بنشر الجرائد وأنها تكفل إنهاض الأمم وتنبيه الأفكار وتقويم الأخلاق". وترد المجلة -أعني الأفغاني بقلم محمد عبده- على هذا الرأي بالقول:القراء قليلون بسبب انتشار الأمية، ومن يقرأ منهم لا يفهم ما يقرأ على حقيقته بل يفهمه فهما خاطئا "فلا يكون منه إلا سوء التأثير فيشبه غذاء لا يلائم الطبع فيزيد الضرر أضعافا". هذا في حين أن الوقت ليس فيه متسع، وأن الحوادث تتعاقب وتتزاحم. أما أولئك الذين يرون أن سبيل النهضة هو "إنشاء المدارس العمومية دفعة واحدة في كل بقعة من بقاعها (= الأمة) وتكون على الطراز الجديد المعروف بأوروبا حتى تعم المعارف جميع الأفراد في زمن قريب، ومتى عمت المعارف كملت الأخلاق واتحدت الكلمة واجتمعت القوة"، فهم مخطئون في ظنهم، لأن هذا "العمل العظيم إنما يقوم به سلطان قوي قاهر... له ثروة وافرة تفي بنفقات تلك المدارس"، والحال أن الأمة ضعيفة.

وتضيف المقالة: فإن قالوا "يمكن التدرج مع الاستمرار والثبات وافقناهم على الإمكان، لولا ما يكون من طمع الأقوياء". ثم تعترض اعتراضا جوهريا على المدارس الحديثة التي على النمط الأوروبي وتقول: إنه بقطع النظر عن كل ما ذكر فإن العلوم الأوروبية الحديثة بعيدة عن الأمة فهي لا تعرف "كيف بذرت بذورها وكيف نبتت واستوت... وأينعت وأثمرت... ولا وقوف لها على الغاية التي قصدت". وإذن فالنتيجة المرتقبة هي "أن ناقلي العلوم الأوروبية، مع ما عرفوه من ضعف الأمة التي ينتمون إليها ومن قوة الأمة التي ينقلون عنها يكونون بين أمتهم كخليط غريب لا يزيد طباعها إلا فسادا". فقد شيد "العثمانيون والمصريون عددا من المدارس على النمط الجديد وبعثوا بطوائف منهم إلى البلاد الغربية ليحملوا إليهم ما يحتاجون إليه من العلوم والمعارف والصنائع والآداب وكل ما سموه تمدنا". فماذا كانت النتيجة؟ ويجيب الأفغاني بعد أن يشير إلى تقليد المتخرجين من تلك المدارس وأعضاء تلك البعثات لأوروبا وفكرها وطريقة حياتها، يجيب قائلا:"علمتنا التجارب ... بأن المقلدين من كل أمة ... يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها، وتكون مداركهم مهابط الوساوس ومخازن الدسائس، بل يكونون... شؤما على أبناء أمتهم، يذلونهم ويحقرون أمرهم... ويصير أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين".

ثم تتساءل المجلة بعد ذلك عن الوسيلة الناجعة في علاج الأمة وإنهاضها، وتجيب: إن سبب الضعف والمرض هما انحراف الأمة عن أصول دينها الذي به نهضت في الماضي وبفضله سادت على الأمم. واذن:"فعلاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان عليه في بدايته ثم إرشاد العامة بمواعظه الوافية بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق وإيقاد نار الغيرة وجمع الكلمة وبيع الأرواح لشرف الأمة".

لا شك في أن القارئ قد شعر بأن مضمون هذه المقالة سواء على مستوى التحليل أو على مستوى القبول والرفض مضمون ما زال حيا بين ظهرانينا، كخطاب وكبرنامج واستراتيجيا. إن منطق المقالة منطق برغماتي واضح : إنها تطلب ما يؤتي ثماره في أسرع وقت. إن النهضة هنا تلخص في قضية واحدة هي النهوض لمقاومة خطر الاستعمار الأوروبي. وبما أن هذا الخطر محدق على الأبواب، بل هو مخيم في بعض جنبات الدار، فإن الوقت لا يرحم، وليس هناك من وسيلة أقرب ولا أسهل من توظيف الرأسمال الموجود، الحاضر في القلوب (الدين)، للتعبئة والتجنيد والنهوض لمقاومة الغازي المستعمر.

تلك قضية جمال الدين الأفغاني داعية الشرق إلى النهوض والوقوف في وجه الاستعمار الانكليزي، وهي قضية نبيلة بدون شك، تحمل معها معقوليتها ومشروعيتها، فهي من هذه الناحية ليست موضوعا لا للمراجعة ولا للنقد. غير أن الخطاب الذي استعمله الأفغاني في هذه القضية ليس خطاب إثبات وحسب، بل هو خطاب نفي ورفض قبل أن يكون فيه إثبات. والنفي الذي لا يُرَتَّبُ على إثبات لا يفتح الباب أمام نفي النفي: أمام التقدم. وفي أصحاب هذا النوع من الخطاب قال الفيلسوف الألماني ليبنز: مثل هؤلاء "محقون فيما يثبتون، مخطئون فيما ينفون".