الفساد والاصلاح السياسي...

حسين العودات ...السفير

 

لو اقتصر الفساد على الرشى المقدمة لموظف صغير أو كبير أو حتى شرطي ورجل تموين، لهان الأمر، ولوجدنا مبرراً في أن التفاوت بين الأجور والأسعار في البلدان العربية، يضطر صغار الموظفين وكبارهم لردم الفجوة بتقاضي الرشى، وحل مشاكل حياتية يومية على حساب حقوق الناس وتكافؤ الفرص ومخالفة القانون والنظام. إلا أن أمر الفساد تجاوز ذلك ليصبح العائق الأساس في إفشال عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والكابح الرئيس لمحاولات تحديث البلاد وغدا عقبة كأداء أمام تحديث الدولة وحاجزاً يصعب اجتيازه للوصول إلى استيعاب ظروف التطور وإنجاح برامج الإصلاح المفترضة والضرورية لحياة البلاد.
خرّب الفساد اقتصاد البلاد وقيم الناس وأخلاقهم وطرح مفاهيم جديدة وعديدة، استبدل بها مفاهيمه الخاصة ومواقفه سواء من العمل والأجر والدخل والاستهلاك أم من الأسرة والمجتمع والدولة، ومن الحقوق والواجبات، فلم يعد العمل مثلاً جهداً ومثابرة بل صفقات وخداع وابتزاز ولم يعد الأجر (تعب يمين وعرق جبين) بل احتيال ونهب ونفاق وتدليس، ولم يعد الاستهلاك يرتبط بالحاجة والمقدرة بل صار سفهاً ومظهرة واستعراضاً للغنى مما أودى بالطبقة الوسطى وقيمها ومواقفها وزاد فقر الفقراء وغنى النهابين، وصار الكل يقلد الكل في السباق الاستهلاكي (دون حاجة حقيقية لا فردية ولا اجتماعية ولا اقتصادية) يتهافت الناس عليه بأي ثمن على حساب الشرف والكرامة والاستقامة ونظافة اليد، وانتشر الجشع والحسد والسباق على النهب وذهبت القناعة إلى الأرشيف (ومن يأكل الفضة لا يشبع) كما أشارت التوراة. لقد رسم الفساد نهج حياة الناس وأعاد تشكيلهم الاقتصادي والاجتماعي والقيمي وكأنه فلسفة جديدة ومذهب جديد.
بدأ الفساد بهذا المعنى يشكل ظاهرة مع استقرار الأنظمة الاستبدادية في البلدان العربية، وكان ملازماً لها، ذلك أن الأنظمة الشمولية نفذت خطط تنمية عرجاء وسياسات اقتصادية مملوءة بالثغرات وفيها من الارتجال ما يؤسس لتنمية غير متوازنة واعتمدت على عصبة أو كتلة أو مجموعة أو على قطاعات رسمية وشعبية انتهازية وعلى أنصار وزعماء محليين متنفذين في مناطقهم وأوساطهم الاجتماعية، وكان بعض هؤلاء يسعون على الأغلب الى الحصول على الامتيازات والمكاسب دون حق. والفوز بالتفضيل على الآخرين من خلال دعمهم للنظام بدون شروط (باستثناء استمرار المغانم)، مما أسس ليس فقط للفساد السياسي بل أيضاً للفساد الأخلاقي والاقتصادي والاجتماعي، وبالضرورة وبسبب الرغبة في استمرار الفساد، إلى كبت الحريات وإلغاء دور المؤسسات الرقابية التشريعية والقضائية ووسائل التعبير والإعلام وخاصة في مجال الرقابة والنقد، وتنحية الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني عن المشاركة في الحراك الاجتماعي والرقابة وفي حياة البلاد، وتفضيل المحاسيب في العطاءات والمناقصات والتعهدات، مقابل أن يُترك للنظام الحرية في اتباع الأساليب التي يريدها لتحقيق أهدافه الخاصة وعلى هواه، دون حوار أو مشاركة أو رقابة.
لقد بدأت الأنظمة الشمولية إعطاء الامتيازات غير السياسية لهذه الفئات في المرحلة الأولى مقابل دعم النظام بالمطلق وانتهت شيئاً فشيئاً إلى استيلاء المتنفذين من أهل النظام على كل شيء سياسي ومالي وسلطة ونفوذ، واتكائهم على هؤلاء الأفراد أو الفئات دون غيرهم ثم إبقائهم في مرحلة لاحقة صورة خارجية وغطاء يعمل أهل النظام تحته، حتى غدا الفساد عماد الدولة وبنيتها ولحمتها وحاملها، وكادت محاربته تصبح متعذرة لذاته وقوته ودخوله في البنية الاقتصادية أو الآلية الاقتصادية كنهج وأسلوب وعدم إمكانية الأنظمة الاستغناء عنه لأنه صار قادراً بما هو ظاهرة على إعاقة أي إصلاح وخاصة الإصلاح السياسي باعتبار هذا الأخير يشكل العدو الأول للفساد من خلال اعتماده على احترام القانون وتكافؤ الفرص وحرية المواطنين وضمان الحوار الصريح والسماح بتأسيس الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وإطلاق يدها في مجال العمل بالنقد والرقابة خاصة وأن الفساد هو المستهدف الأول في عملية الإصلاح السياسي، لذلك استنفر أرباب الفساد ليصبحوا العائق الأول أمام الإصلاح السياسي، واخذوا يستعيضون عنه بطرح شعارات وأهدافاً أخرى جزئية أو ذات أولوية ثانوية أو السعي لتغيير الحكومات أو كبار العاملين في الإدارة، وضربة هنا وضربة هناك والمهم أن لا يعطى الإصلاح السياسي الأولوية والجدية اللتين يستحقهما، وهكذا بقيت عملية الإصلاح تدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها.
تنامت قوة أرباب الفساد في معظم البلدان العربية، مع ضعف الأنظمة لأسباب عديدة داخلية وخارجية، بعد أن كانت بداياتهم متواضعة إبان فورة أموال النفط في السبعينات، وبعد أن كانوا في السنوات الأولى متسولين على أبواب مسؤولي النظام، ثم اصبحوا شركاء لهم خارج إطار القرار السياسي، شركاء بالنهب والسطو على المال العام وأخيراً ومنذ العقد الماضي أخذوا يتسللون إلى المؤسسات السياسية مداورة أو مباشرة ويدخلون مجالس الشعب والحكومات هم أو أزلامهم، بدعم من بعض الأجهزة الأمنية أو المتنفذين إضافة الى استخدام أموالهم لبلوغ هذا الهدف، ومع تطور الظروف واشتداد الهيمنة الأميركية وعدوانيتها الواضحة في تقرير مصائر البلاد ورغبتها المعلنة (بإعادة تشكيل المنطقة) أخذوا يهيئون أنفسهم ليكونوا فرسان الأنظمة المقبلة وأصحاب القرار السياسي فيها، ويعلنون صراحة ليس فقط مهادنتهم للأميركيين أو الدفاع عنهم بل عن تشرفهم بالتعاون معهم ولتذهب البلاد وشعوبها إلى الجحيم.
إن الأغنياء الجدد في بلاد العرب ومعظمهم اغتنوا بسبب الفساد وبفضله هم نسيج وحدهم، ينهبون شعوبهم ويهرّبون أموالهم ويكدسونها في بنوك أجنبية وكأن مهمتهم ضخ هذه الأموال إلى بلاد الآخرين ولا يهتمون حتى في الاستثمار في بلادهم ولا يدفعون الضرائب ويحتالون على الأنظمة والقوانين، ولنتذكر أن أحد رؤساء حكومات الجزائر صرح أن ما سُرق من المال العام في بلاده يزيد على (26) مليار دولار (وهو يعادل حينها ديون الجزائر الخارجية) وأن وزير الاقتصاد السوري الحالي قدر أموال السوريين في الخارج بين (75 125) مليار دولار، وأن أغنياء مصر استدانوا مليارات الجنيهات من البنوك المصرية دون أن يسددوها، والأمر نفسه في دول الخليج والدول العربية الأخرى. لقد استباحوا المال العام وحصلوا عليه بالاحتيال والنهب ومختلف الطرق غير المشروعة، وهاهم الآن يعملون لاستخدامه للسيطرة على الحكومات والسلطات وربما الأنظمة السياسية.
تقع خطورة الفساد وأربابه حاضراً في أمرين: أولهما إعاقته جزئياً أو كلياً للإصلاح الذي تحتاجه البلدان العربية كحاجة الناس للهواء وخاصة الإصلاح السياسي ومحاولتهم تأجيله أو إلغائه أو تشويهه أو قلب أولوياته، وثانيهما أنه وأنهم يهيئون المناخ للنفوذ الأميركي وتغيير الأنظمة على أمل أن يكونوا فرسان المرحلة المقبلة وبديلاً عن الأنظمة القائمة وجزءاً من المشروع الأميركي في المنطقة. ومن يعرف؟ فربما يكون ذلك أقرب من حبل الوريد.
(
) كاتب سوري