في علاقة المحكوم بالحاكم والحاكم بالمحكوم...

 ياسين الحاج صالح .... الحياة

"وفي اللحظة الراهنة من التاريخ, يحتاج العرب الى تحرير أنفسهم من زعماء يعززون مكانتهم بإفقار شعوبهم. وللقيام بذلك سيتعيّن على المواطنين العرب ان يتغلبوا على الرغبة في تقديس الحكام وغيرهم من رموز السلطة". هذا ما كتبه عبدالعزيز سعيد وناتان فانك في مقالهما "على العرب ألا يحزنوا على صدام, مفكرين بالمستقبل" ("الحياة", 25 تموز/ يوليو 2004). وقولهما مناسبة, أكثر مما هو موضوع, لتقديم بعض الانطباعات عن موقف العرب المعاصرين حيال السلطات والحكام في بلادهم, بانتظار دراسة أكثر منهجية حول الموضوع.

هناك بالفعل كثير من الرغبات الجامحة التي "يتعين على المواطنين العرب" أن يتغلبوا عليها, لكن ليس منها بأية حال الرغبة في "تقديس حكامهم أو غيرهم من رموز السلطة". بل لعل أولاها رغبتهم العنيفة في تحقير حكامهم وتخوينهم وازدرائهم ورميهم بكل أصناف النعوت الشنيعة. وهي رغبة لا تزيدها إلا اشتعالاً رغبة السلطات العربية في تقديس نفسها, وفي رؤية ذاتها منبعا للقيم, وفي حذف تاريخ بلدانها قبل تربعها هي على سدة الحكم, وفي تصوير عهدها حافلاً بالانتصارات والإنجازات والأمجاد. ولعله ليس هناك شعب في العالم تتعارض صورة حكامه في عيون أنفسهم وأجهزة إعلامهم مع صورتهم في نظر شعوبهم أكثر من العرب. وربما لهذا السبب بالذات تعتبر نظم الحكم العربية الإعلام جهازاً استراتيجياً يوازي ويكمل جهاز الأمن, ولا يقل اهمية عنه. ووظيفة الجهاز الأول هي بالضبط تمجيد الحكام وتقديسهم وذكر مآثرهم وفضائلهم وتذكير لا يكل ولا يمل بأفضالهم على شعوبهم, بينما وظيفة الثاني سحق احتمال بروز اية رواية معاكسة قد تقول إن الامبراطور عار أو تفكر برواية تاريخه. وكثيرا ما ينسج العرب عن حكامهم قصصا أشد سوءا من قصص هؤلاء السيئة. ومن المألوف إلى درجة الابتذال أن نعتبر حكامنا خونة وعملاء للأميركيين أو حتى للإسرائيليين.

إننا نغص باحتقار حكامنا, لا بالخشوع أمام قداسة رغبنا في إضفائها عليهم. وليس هذا أمراً طيباً بحال. بل إنه يتعين علينا أن نتغلب على هذه الرغبة في تدنيس الحكام, لأسباب متعددة ليس بينها أنهم مقدسون أو محض رجال دولة أكفاء. اول الأسباب أن تحقير الحكام الذي تحول إلى عادة ذهنية ومزاج مستقر اضحى آلية نفسية تساعدنا على تحملهم والتكيف مع سلطاتهم المنفلتة من كل عقال. بل لقد صرنا ندخر رصيدا مسبقا من الازدراء والشك فيهم كيلا نشعر بالصدمة حين يشرعون بمحاباة اقاربهم ومحاسيبهم ويهتمون "بتعزيز مكانتهم بإفقار شعوبهم", ويتخاذلون أمام الأميركيين أو الإسرائيليين. ثاني الأسباب أن الثبات على سوء الظن بالحكام يسهم في تثبيت موقف اضطهادي او بارانوئي حيالهم وحيال أسيادهم المفترضين, وهو ما يعزز الطابع الخارجي او البراني للسلطة السياسية في بلادنا ويضعف قدرتنا على استئناسها وتدجينها. ثالثها أن إدماننا على تسفيه الحكام جعل من سفاهتهم المفترضة جزءا ًمن نظام الطبيعة, ما أخرج تكوين الحكام وطبيعة أنظمة الحكم من السياسة والتدبر السياسي. رابع الأسباب أن التحقير الوسواسي للحكام يثبت في اذهاننا التوحيد بين السياسة والسلطة, وهو بالضبط المفهوم الذي ترغب السلطات في تثبيته, أي أننا نتواطأ مع الحكام من حيث نظن أننا نعارضهم. خامسها إن هجاء الحكام يبدو جزءا من مزاج ساخط شامل يصب جام هجائه على الذات العربية. وبينما لا يصعب فهم أسباب النزوع إلى هجاء الذات وإهانتها فإن دوام هذا النزوع جعل منه شعوراً قاراً بالنقص يفضي إلى فقد الثقة بالنفس والتسليم للغير. والحال ان التقديس والتدنيس وجهان لمفهوم غير ملائم للسياسة, مفهوم مطلق وشبه ديني. وهو مفهوم موافق للرعوية والسلبية واللامبالاة, ومتعارض مع المواطنة والمشاركة السياسية والتدخل الفاعل في القضايا العامة.

ما نحتاجه هو التحرر من ثنائية البطل/ الخائن من أجل بلورة ضوابط وقواعد مدنية للسياسة والسلطة. لكن لا شك أن أي تقدم في هذا الاتجاه سيكون مهددا بالانتكاس في كل لحظة إن لم يواكبه نزع لشخصنة السلطة ونزع للقداسة التي يضفيها الحكام على أنفسهم.

الأكيد أن الحكام العرب لا يعانون من فرط رغبة شعوبهم في تقديسهم, والدليل على ذلك أجهزة الأمن التي تحصي على الرعية المبهورة أنفاسها, والدليل أيضاً أن الحكام تولوا مهمة التقديس بأنفسهم.

لكن من في بال سعيد وفانك هو صدام حسين الذي ينصحان العرب بألا يحزنوا عليه. يصعب تفنيد رأي له كل قوة الحكم المسبق (التعبير لماركس), لكن العرب لا يقدسون صدام حسين ولم يقدسوه يوما. إن كرههم للسياسة الأميركية وذل الهزائم المهينة التي ألحقتها بهم إسرائيل يسمم حياتهم. ويكفي أن تهاجم الولايات المتحدة الأميركية العراق حتى تمحو الحدود بين رفض اعتدائها وبين الدفاع عن صدام حسين. وفي 1990 حين غزا العراق الكويت ظل موقف أكثرية العرب فاتراً لا يختلف عن موقفهم من التدخل السوري في لبنان حتى بدأت القوات الأميركية تتدفق على المنطقة. ففي ظل الاستقطاب الحاد الذي نشأ عن مناخات الحرب الوشيكة اندفع من يعارض التدخل الأميركي إلى تأييد صدام حسين, فيما وجد من يعارض نظام صدام واحتلاله للكويت نفسه مدفوعا إلى تأييد الأميركيين. ولا يزال اليوم كثيرون يعارضون مجرد التفكير بأنه كان من الممكن فك الارتباط بين تأييد صدام ورفض الاقتحام الأميركي وبين مناهضة صدام واحتلاله وتأييد الأميركيين.

وما حصل عام 1990 تكرر عام 2003. ومع ذلك كان صوت معارضي الطغيان الصدامي والاحتلال الأميركي معاً قوياً ومسموعاً. والشرط التكويني للعالم العربي, أو أفضل هنا بالذات أن نقول الشرق الأوسط, هو شرط حربي مدوّن في جينات النظام. فالنظام الشرق اوسطي نظام الحرب المستمرة, ومنذ تكونه في نهاية الحرب العالمية الأولى لم تكد تنقضي عشر سنوات دون حرب كبيرة. والحرب, كما ربما لا يخفى على فانك وسعيد, هي البيئة المثلى للثنائيات: معنا أو ضدنا, مع أميركا أو مع صدام. ونظرية الفسطاطين لأيمن الظواهري هي الخلاصة العقلية لنظام الحرب هذا. ولا شك أنه يصعب على العقول والإرادات أن تفلح في شق خط ثالث في ظل شرط استقطابي بالغ الحدة كشرط الحرب, وبالخصوص عند الطرف الأضعف.

الحرب أيضا, وقد يكون هذا هو الشيء نفسه, هي البيئة المثلى لإنتاج القداسة والأبطال والخونة, وبالخصوص لتغريز العقل في دبق المقدس كما تغرز ذبابة في صحن دبس. وأن نعيش حرباً دائمة, وان نُهزم دائماً وبصورة منهجية, أمر يكفي لفهم التسمم النفسي والثقافي والقيمي الذي يعيشه العرب المعاصرون دون الحاجة لنظريات حول قداسة الحكام.