في انتفاضة الإصلاح: مجتمع ناطق ومجتمع صامت....

محمد جمال باروت.... الوطن السعودية

ما حدث في غزة تحت ما بات يطلق عليه البعض اسم" انتفاضة الإصلاح" ليس أكثر من مؤشر درامي شديد التوتر لمشاهد احتمالية أكثر توترا وتفاقما في المستقبل القريب المنظور وليس في المستوى المتوسط أو البعيد، قد تغري البعض باستباق الحديث في تاريخ الانتفاضة، وتصنيفه إلى الانتفاضة الأولى الشعبية المدنية والانتفاضة الثانية التي تعسكرت وانتفاضة الإصلاح الثالثة. لكن على فرض احتمالية هذا التصنيف في المستقبل القريب في بعض المنظورات فإن ما يميز ما يجري تحت اسم" انتفاضة الإصلاح" لا ينتمي من قريب أو من بعيد إلى الانتفاضة كما خبرها وعرفها وانخرط فيها الفلسطينيون، فهذه "الانتفاضة" لا تتم ضد الآخر الإسرائيلي بل هي "انتفاضة" فريق فلسطيني على فريق آخر. والجوهري هنا أن ما يسمى بـ"انتفاضة الإصلاح" ليس انتفاضة من نوع الانتفاضتين الأولى والثانية بل ثمرة "نهايتهما" المأساوية. وليست "انتفاضة الإصلاح" في حال تفاعلها الشديد الاحتمال سوى التعبير المأساوي عن تلك" النهاية" أو بكلمة أدق دخول الانتفاضة الحقيقية كما عرفها الفلسطينيون في مرحلة ما بعدها.
في "النهايات المأساوية" تحتل المفارقات عادة مقدمة المشهد، فليس صحيحا أن قادة" انتفاضة الإصلاح" شرفاء نزيهون وأن الفريق الآخر فاسد كما ليس صحيحا أن فريق دحلان الذي يقود" انتفاضة الإصلاح" غير وطني بينما الفريق الآخر هو مرجع الوطنية وممثلها المستقيم. ذلك أن دحلان ليس صناعة إسرائيلية - أمريكية بل حالة فلسطينية بامتياز.وفي اختلاط الحابل بالنابل تظهر الثنائية المؤلمة ما بين مجتمعين فلسطينيين، مجتمع فصائلي معسكر ناطق ومجتمع مدني صامت ليس له من صوت سوى الأنين، وتمكنت إسرائيل من" كنتنته" فعليا على مختلف المستويات، بشكل بات فيه كل كانتون فرضته حواجز الاحتلال الـ 762 ومستوطناته وجدار فصله مضطرا إلى أن يرتب حياته تعليميا وصحيا وخدميا واقتصاديا وفق الوضع "المكنتن" القائم على الأرض.
مايسمى بـ" انتفاضة الإصلاح" ليس حتى الآن أكثر من إفراز من إفرازات المجتمع الفصائلي المسلح، وتحديدا المجتمع الفصائلي الفتحاوي الذي بات سيد المجتمع السياسي الفتحاوي في ظل غياب أو تغييب مؤسساته السياسية والتنظيمية، ومن هنا ليس مفارقة أن يكون ما تبقى من مؤسسات السلطة، وهي بدورها مؤسسات فصائلية معسكرة بشكل أو بآخر تحت اسم أجهزة أمنية" شرعية" متعددة ومتصارعة تمتلك نظريا وحدها حق ممارسة العنف، هدفا لجماعة مايسمى بـ" انتفاضة الإصلاح".
من الطبيعي أن يستقطب الإصلاح الفلسطينيين، فهو مطلب وطني فلسطيني داخلي قبل أن يكون إملاء خارجيا. ولكن ما يحدث هو أن مراكز قوى نمت وتبلورت في عز "جبروت" السلطة، وتصرفها بمليارات الدول المانحة منذ قيامها وحتى اليوم قد تمكنت في شروط العجز "البنيوي" للسلطة عن إصلاح مؤسساتها من اختطاف شعار الإصلاح، وتحويله إلى مظلة بلاغية لخطة سياسية لا لبس في وضوحها هي خطة ملء الفراغ في غزة بعد انسحاب إسرائيلي شاروني من طرف واحد منه يراه فريق دحلان على مرمى النظر، ويتوقع تدفق مليارات إعادة الإعمار بعده.
السيطرة على قطاع غزة قبل فوات الأوان هو" كلمة السر" الحقيقية في كل ما يجري، والتي عومت نفسها من خلال اختطاف شعار الإصلاح. ولذلك ليس فريق دحلان مجرد" عصابة" معزولة تمكنت في شروط إنهاك السلطة من رفع رأسها وفرض نفسها على الأرض بقدر ما هو تيار فتحوي فصائلي وسياسي حاضر وقائم داخل الانشقاق غير المعلن في اللجنة المركزية لحركة فتح ومجلسها الثوري، فمنظروه هم من قادة الجيل الوسيط في الحركة وتحديدا ممن كانوا في عداد قادة الانتفاضتين الأولى والثانية. وهذا ينطبق على دحلان بشكل نموذجي. وحين يقرقع السلاح فإن القنوات السياسية الطبيعية التي يفترض بها شكليا أن تكون إطار حل الأزمة تتعطل. ويغدو كل شيء خاضعا إلى منطق حسابات القوى. وفي إطار هذا المنطق فإن استراتيجية فريق دحلان هي استراتيجية حرب المواقع في الضفة الغربية واستراتيجية السيطرة في قطاع غزة. وتتم هذه الاستراتيجية باسم فتح وليس باسم شيء آخر، ومن هنا تعتبر نفسها ذرا للرماد في العيون انتفاضة داخل الانتفاضة، بينما ليست أكثر من خطة السيطرة على القطاع ومنع حركة حماس من ملء الفراغ.
في سياق ذلك يقع الرد العصابي الذي أطلقه محمد دحلان على تصريحات خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في أن حسابات شخصية وراء "انتفاضة الإصلاح"، وأنه لا يجوز التقاطع مع مشروع إقصاء عرفات، والذي وصل إلى حد الاستفزاز ودعوة حماس للانتقام للرنتيسي وشهدائها في فترة التهدئة الراهنة بدلا من توزيع شهادات" الوطنية". ولا تكمن دلالة هذا الرد في ظرفيته بقدر ما تكمن في ما يحتمله من رسالة حازمة إلى حماس في أن تبقى خارج الحلبة. وهي رسالة تتصل بما قبلها وبما بعدها. وتفهمها حماس جيدا. فعملية حرب السيطرة في القطاع تتم بالنسبة إلى دحلان باسم فتح، وتعني أن مركز السلطة سيكون لفتح وليس لحماس في حين أن دحلان لا يستطيع فعليا أن يحكم القطاع من دون مشاركة حماس، أو عبر عملية مغطاة إقليميا ودوليا للتطويح بحماس. وهو في السيطرة المحتملة على قطاع غزة في حال انسحاب شارون بالفعل من القطاع، وهو مشروع مليء بالألغام ومفتوح على احتمالات ومفاجآت ولن يتوقف عن العمل في الضفة الغربية باسم القوة الحقيقية الشابة والجديدة في حركة فتح نفسها. وهو ما سيزيد من تفاقم الصراع الفتحاوي.
غزة أولا وأخيرا مع كانتونات في الضفة هو جوهر عملية شارون على الرغم مما يواجهه من مصاعب وعوائق. الكنتنة حالة فعلية قائمة على الأرض، ولم تعد بحاجة إلى أكثر من مأسستها السياسية. وما يجري في غزة الآن وما سيجري خلال المدى المنظور القريب طردا مع بدء العد التنازلي في خطة شارون في حال سارت وفق ما هو معلن عنها ليس أكثر من تحضير" ميزانسين" أي إخراج الكنتنة الراهنة سياسيا ووضعها لا سمح الله في مشهد لم يكن أبدا المشهد الذي ضحى من أجله الشعب الفلسطيني.

* كاتب سوري