لم لا يستريح من أثبتوا فشلهم....

ماجد رشيد العويد.... القدس العربي
لا يمكن لأحد أن ينسي خطاب القسم للسيد الرئيس الدكتور بشار الأسد الذي دخل سنته الخامسة من ولايته الأولي رئيساً للجمهورية العربية السورية، برغم ما يمر علينا نحن السوريين من أزمات، لماذا؟ لأن الخطاب جاء يزيح شيئاً من الخوف والغمة، أو هكذا اعتقدَ الكثير، عن كاهل شعب ناء تحت وطأة الفقر والقهر، والحرمان من كل شيء، ومبشراً بزوال عهد الجوع. إذ لا يوجد من هو مقهور مثل السوري الذي لا يفوقه في قهره غير ما كان واقعاً علي شقيقه العراقي أيام النظام الراحل إلي غير رجعة. ليس هذا الكلام بقصد النيل من الحكومة أو من أحد بعينه وإن كان الأمر لا يخلو أبداً من الإشارة إلي أن أغلب من في الحكومة هم فاسدون وفي وضح النهار، بدليل أن الرئيس ذهب إلي تغييرها أكثر من مرة لتحريك رغبته بالإصلاح ونقلها من خانة التمني إلي واقع معاش من المواطن الذي يسعي إلي الحصول علي ما يوفر له ما ضاع من إنسانيته التي قفز عليها البعثي وغيره ممن بيده الأمر.
وإذا ما أردنا أن نعدد ما يفتقده السوري قلنا باختصار إنه يفتقد كل شيء من لقمة خبز نظيفة إلي آخر ما يحقق له إنسانيته التي فُطر عليها. هو الآن فقير في ماله وفي علمه، فقير في ما يشعره بأنه إنسان له حقوقه في المواطنة. إنْ أكل فإنما يأكل ما يقيم له أوده، وإن تحدث فإنه ينبئ عن تخلف في المعلومة بالقياس حتي لأبناء دول مثل اليمن، التي أعتقد أنها أشد بلاد الله تخلفاً، وإذا ما فكر برفع الصوت قليلاً فسوف يساق إلي ما يكره، وهنا تراه ينكمش علي ذاته مؤثراً السلامة في البعد عن السلطان حتي لا يصاب بما يسبب له العطب في جسمه ونفسه وروحه. لهذا تجده علي غير ما هم عليه بعض أشقائه في العروبة مثل اللبناني مثلاً وإلي حد ما المصري. تجده علي شيء من الانفعال إذا ما تطلب الأمر بياناً عن الرأي في مسألة ما. بينما تجد أن المصري يذهب سلساً في التعبير عن رأيه إلي حدّ انتقاد رأس الهرم لا حباً في نقده وإنما في سبيل إرساء ما يؤسس لإنسانيته التي رحلت عندنا إلي موت مظلم.
إنسان بمواصفات إنساننا السوري الحالي لا يمكن له بحال أن يؤسس لنهضة أو إصلاح، لأننا في الحكم علي مذهب زياد بن أبيه لما قال في بترائه مهدداً بالويل والثبور وعظائم الأمور لمن لا يركن إلي كلماته ويعمل بها واني اقسم بالله لآخذن الولي بالمولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والمطيع بالعاصي والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتي يلقي الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد أو تستقيم لي قناتكم .
أجل لقد وصل بنا الحال إلي أننا عشنا مقولة ابن أبيه هذه عقوداً من الزمن في زحمة هائلة من الخوف والطوارئ والقوانين الاستثنائية الكثيرة.
ومما يلفت الانتباه هنا أننا دُرِّسنا في المدارس بلاغة هذه الخطبة وسواها من خطب الطغاة في تاريخنا، ومرّر علينا القوميون ما فيها من وحشية وطغيان، حتي صرنا نتغني بما فيها من بيان وبلاغة وننسي ما فيها من ظلم، إذ ما علاقة المقيم حتي يؤخذ بجريرة الظاعن وما ذنب المطيع حتي يؤخذ بذنب العاصي ؟.
إذاً لن ننسي أبداً خطاب السيد الرئيس لأن فيه المنفذ إلي بناء إنسان سوري سوي معافي من الخوف والقمع، بعيداً عن شعارات البعثي وتمسكه بقوة السلاح بالحكم حباً بما يوفره هذا الأخير من امتيازات، لا رغبة في بناء بلد قوي يملك أن يتصدي لمكر العدو الذي تعددت مشاربه ونحن علي الذلة باقون. أجل يجب أن يكون السيد الرئيس سورياً أكثر منه بعثياً ينتهي إليه حملة الأفكار كلها من السوريين فهو رئيس لهؤلاء جميعاً لا لفئة منهم، وبالتالي هو مسؤول عن أصحاب الاتجاهات الدينية والعلمانية بفروعها جميعاً إن صح التعبير. هو رئيس علي هؤلاء ولهم. لا يفرق بين أحد منهم كما هو مفترض، ومن هنا تأتي أهمية سن قانون للأحزاب. بل سأذهب إلي أبعد من هذا وأتجرأ فأقول لمَ لا يستريح البعثي الذي أثبت فشله عبر ما يزيد علي أربعة عقود عن تحقيق أي مقدار بسيط من التنمية، ويكل السيد الرئيس أمر حكومته لآخر يُشترط فيه النزاهة علي ما تعلمناها بمعناها الأخلاقي الصرف، طالما أن رئيس الحكومة عندنا لا يتحدث في الشأن السياسي فلم لا نأتي به وهو يفقه في أوليات النزاهة والأخلاق ويتولي أمر العباد في هذا الوقت العكر من زماننا السوري؟.
جرّبنا علي مدي العقود الفائتة رؤساء وزارة لم يصيبوا الثراء فقط ولكنهم أصابوه بعد أن أصابوا البلد في مقتل. الزعبي مثالاً.. فعلي مدي ثلاث عشرة سنة وهو ينهب البلد نهباً منظماً ولو بحثنا في أصله لوجدناه كان معدماً فقيراً، والفقر ليس عيباً، ونقله الحزب من حالة العدم إلي ثراء لا يُصدق. وعليه فأن يتناسل كرسي الحكومة زعبياً وراء الآخر فهذه هي المأساة بعينها. هذا الوضع يطعن حزب البعث في شعاراته، فأية اشتراكية هذه التي غوّلت الكثير من أمثال الزعبي؟ أليست الاشتراكية تعني فيما تعني توزيع الأرزاق علي العباد بالتساوي، أم هي خلق إقطاع آخر غير الإقطاع الذي تغني المناضلون بالقضاء عليه؟
أيضاً هنا لن ننسي ولا يملك أحد أن ينسي أن السوريين حققوا في عهدهم الجديد قليلاً مما يتمنون، أعني تماماً ما أقول: قليلاً مما يتمنون، وهم يسعون، يقودهم في سعيهم هذا إصرار متين، باتجاه ما يحقق لهم فوزهم بحريتهم، التي تصونها القوانين، ونيلِهم حقوقهم الإنسانية أسوة بغيرهم من البشر، حرية القول والتعبير في ما يمس وضع البلد فيشارك السوري عبر رأيه في إعادة صياغة بلده وتنميته، ونقله من حالة الركود التي نشهدها إلي حال أفضل يكون فيها الوطن للجميع. ولا تنحصر بالطبع الحقوق في أن أقول رأياً علي صفحات الجرائد، بل تتعداه إلي ما هو أبعد.. إلي صناعة اقتصاد البلد وفق مفاهيم جديدة يشترك في إنتاجها وصياغتها ذوو العلم والمعرفة. يأتي هذا في ظل بناء قضاء نزيه ولا يكون هذا القضاء نزيهاً بغير استقلاله، وجعله في منأي عن الجوع والحاجة. ويتبلور هذا كله في ظل إصلاح سياسي شامل يقود البلد إلي مكانه الحقيقي، عبر إعلام حر ناضج يري مصلحة البلد لا مصلحة بعض الأفراد، فهو صاحب حضارة عبر تاريخه كله فما معني أن يتخلف اليوم عن الركب، ويصير من البلاد المتأخرة في كل شيء. والمضحك المبكي أن الأحكام العرفية التي كان زياد ابن أبيه أول من فرضها في تاريخنا الإسلامي، أن هذه الأحكام تمتد إلي يومنا هذا!! فهل يعقل أننا أمة مشاكسة كما ذهب إلي مثل هذا ابن أبيه فأخذ العراق القديم بجملة من القوانين الصارمة، أم هو الحكم وملذاته والخوف من فقدان الامتيازات؟ إلي جانب أن هذه الأحكام قد فُرضت علي العراق آنذاك ليس بفعل تهديد خارجي وإنما لأجل بسط السيطرة علي الناس لإخضاعهم للحكم الأموي في الشام. كما هو الحال اليوم فقوانين الطوارئ والأحكام العرفية إنما تعمل للإخضاع ذاته، وليس بقصد صيانة الداخل من التخريب في ظل تعرض البلد للهجمات من قبل العدو. مأساة السوري هي في أنه لا يمارس دوره كإنسان منتج، وهذه الملايين العشرون تبدو ضعيفة خاوية أمام عدد محدود ممن بيدهم الأمر، ولهذا تجد أن الاقتصاد مخرب وأن القضاء مخرب وأن الحياة الاجتماعية من سوء إلي آخر أعمق في سوئه. وأما كيف تسير الحياة في سوريا فعلي البركة .
كاتب من سورية