لماذا أهاجر من سوريا....

شعبان عبود... النهار

بخلافنا جميعاً, يستطيع الزميل (أحمد ع. ر.) الذي يعمل صحافياً لدى احدى المحطات الفضائية العربية الشهيرة, الجلوس على تلك الطاولة في قهوة "فندق الشام" مزهواً واضعاً احدى ساقيه فوق الاخرى على عادة الاميركيين, اي بطريقة لا تخلو من اعتداد بالذات, وربما غطرسة, ويستطيع كذلك أن يرمي وراءه قبل أن يمضي, غير مبال, هذه الجملة, ويتركنا نجترعها كما السم الزعاف: "اصمتوا كفوا عن الحديث, لقد صارت سوريا... كلمة نابية وصرنا نحن السوريين بدو الشرق...".

قالها بعد أن شرح مطولاً ظروف عمله ودخله المالي الذي يتقاضاه في تلك الدولة الخليجية, وبعد أن تحدث مطولاً عن النظافة في الشوارع, ونزاهة رجال شرطة المرور, ونظام السير الذي يحترمه الجميع, والنظام المصرفي الحديث, والقضاء العادل, ونظام التعليم العالي المستوى, والدولة التي تقدم الكثير من الخدمات لابنائها وشبابها, وقبل كل ذلك, عن الحرية والشفافية التي يستطيع في اجوائها اداء عمله الصحافي.

السوريون صاروا "بدو الشرق". ربما كان يقصد زميلنا ما أنجزته, وخلال زمن قياسي, تلك الدولة الخليجية الصغيرة, التي نالت استقلالها مطلع السبعينات من القرن الماضي, وهو تاريخ قيام الحركة التصحيحية التي وصل بموجبها الرئيس الراحل حافظ الاسد الى الحكم, مقارنة بسوريا التي استقلت منذ 57 عاماً, سوريا التي تعتبر عاصمتها أقدم مدينة مأهولة في العالم. اي البلد الذي عرف أقدم مدنيّة!!

* * *

على طاولة جمعتني مع خمسة طلاب وطالبات في احد مقاهي كلية الآداب بجامعة دمشق, سألتهم عن مشاريعهم بعد التخرج من الجامعة, كانت الاجابات متشابهة. ثلاثة منهم اجمعوا على الرغبة في الهجرة. قال أحدهم: "سأكمل دراستي, وأبحث عن فرصة, لا اعتقد أن مستوى التعليم هنا يؤهلني للعمل في الخارج, سمعة جامعاتنا سيئة, وعندما أجد فرصة العمل لن أعود ابداً".

وتابعت احدى الحاضرات من الطالبات: "البارحة كرهت نفسي عندما رافقت خطيبي الى مصرف التسليف الشعبي, من اجل التسجيل لقرض للزواج. كان هناك المئات من الشباب والشابات من أمثالي, كانوا يقفون في طابور طويل, حتى الزواج البسيط لم يعد شبابنا يقدرون عليه, هناك كرهت حياتي وخطيبي المسكين".

في اليوم التالي ذهبت الى "مصرف التسليف الشعبي", وبعدما شاهدت المئات من الشباب يقفون متلاصقين واحياناً متدافعين, أردت أن أعرف كم هو عدد الذين سجلوا لهذا القرض. التقيت مع أحد الموظفين في المصرف, فأخبرني ان عدد طلبات قروض الزواج في عموم المصارف السورية المختصة بلغ 4000 خلال خمسة ايام فقط. وبذلك يكون معدل الطلبات اليومية 800 طلب, مما يعني ان الغالبية العظمى من الشباب تعاني من ظروف اقتصادية قاسية.

* * *

في جلسة اخرى, ضمت أحد ابرز المحامين السوريين والسيدة زوجته الناشطة في قضايا المرأة, اضافة الى زميل صحافي يعمل لدى احدى الصحف المحلية, بقيت السيدة متشبثة برأيها: "هذا البلد لا يطاق, سرق منا عمرنا, لن أوفر أي فرصة للهجرة, لن أترك ابنائي للمستقبل المجهول, دفعنا الضريبة, كانت كبيرة, لا أمل في اي شيء".

كان زوجها يخالفها الرأي: "لمن سنترك سوريا اذا هاجرنا جميعاً, ومَن سيقوم بالتغيير. يجب أن نتسلح بالأمل".

ترد عليه بثقة وحزن: "أنظر الى نموذج ادوارد سعيد, لقد خدم القضية الفلسطينية في غربته, أكثر ألف مرة من القادة السياسيين والزعماء".

* * *

بدوره أخبرني رجل الاعمال والمستثمر (غ. ب.) وهو شاب في الثلاثينات من عمره, وحقق ثروة كبيرة خلال سنوات قليلة من هجرته وعمله في احدى الدول الخليجية, انه قرر إقفال منشأته التي بناها منذ عامين في احدى المحافظات السورية, وصرف عليها عشرات الملايين من الليرات, متذرعاً بالفساد الذي يعشش في نفوس الموظفين وبالاجراءات البيروقراطية التي تواجهه عند كل مرة يضطر فيها لمراجعة الجهات المسؤولة: "كنت أشغّل في المنشأة حوالى 45 عاملاً, اي أساعد العشرات من الأسر الفقيرة, تحملت الكثير, أنا غير مضطر لتحمل كل هذه المنغصات. في الخارج, يفرشون لي السجاد الاحمر عندما يعرفون أني أنوي الاستثمار في بلدهم. هنا يلاحقك الموظف الصغير والكبير, وكلهم يلمحون الى الرشوة. لا شيء يجبرني على العودة الى سوريا سوى هذا الطقس الجميل وهذه الطبيعة الآسرة التي منحنا اياها الله, وبقيت".

* * *

عندما زرته, كان الشاب (عبد القادر حاج طالب) سائق سيارة الاجرة, يتابع احدى مباريات كأس الأمم الاوروبية لكرة القدم. كان يشاهد احدى المباريات بمتعة وشغف, وما ان انتهت تلك المباراة, قال بحرقة: "أتعرف ما الذي يشدني? وجوه المتفرجين الاوروبيين, من النساء والشباب. ترى عليهم السعادة والصحة والفرح. ثم إن لعب الفريق وتحركه في المباراة يشدك ويمتعك. اما هنا, لا تستطيع تحمل مشاهدة الفريق السوري دقائق, ولا تثق به, ترى حركاتهم بطيئة. ويبدو كما لو أنهم جائعون, لم يأكلوا منذ ايام. وقبل كل شيء تشعر أنهم جميعاً أتوا الى الفريق بالواسطة, كل لاعب عنده مسؤول في الدولة أوصله الى المنتخب الوطني ويدعمه. وهذا هو سبب الخسارات المتوالية والدائمة. لا يوجد أمل, لا في الرياضة ولا في أي شيء".

* * *

في أغلب المرات التي كنت أُطلب فيها "للتحقيق" لدى احد الاجهزة الامنية في موضوع صحافي كتبته. كان ذلك الضابط يردد العبارة الشهيرة "لا تنشر غسيلنا الوسخ في الصحافة الخارجية".

لا أعتقد ان الكآبة والاحباط اللذين يجللان وجوه الكثير من الشباب السوريين, عبارة عن غسيل وسخ. الكتابة عن هذه الكآبة وذاك الاحباط, يدفعها الرغبة في رؤية وجوه فرحة وسوريا نظيفة.

(دمشق)

(&) راجع مقال بسام ناصر الدين: لماذا أهاجر من لبنان? ("قضايا النهار" 20/7/2004).

شعبان عبود