اللبنانيون يحبون التغيير فماذا عن السوريين....حلال على اللبنانيين حرام علينا نحن السوريين...

 الطاهر ابراهيم... السياسة الكويتية

مضت اربع سنوات, منذ تم تعديل مادة في الدستور السوري تتعلق بالسن القانونية للرئيس المرشح للاستفتاء على رئاسة الجمهورية في سورية عشية اعلان وفاة الرئيس السابق حافظ الاسد, في يوم 10 يونيو عام 2000.

عود على بدء
وحتى لا نكون شهود زور, نذكر بان هذا الدستور الذي تم تعديله, كان قد اخضع, ومنذ اعتماده للمرة الاولى في استفتاء عام 1973, الى عدة تعديلات خلال ولايات الرئيس حافظ الاسد الخمس, التي اكتملت عدة اربعٍ منها سبعَ سنوات كاملة لكل ولاية, وتوفي في بداية الخامسة. وقد كان يحرص المعدلون على تغطية كافة الاحتمالات التي يمكن ان تطرا, بحيث لا يواجَه احد في النظام الحاكم ,الرئيس والقيادة القطرية ومجلس الشعب, الا بحل سحريٍ واحدٍ ومحسوب, وحسب القياس المطلوب, ولكن"بالدستور والقانون", كما تقول المسلسلات المصرية.
واذا كانت تعديلات الدستور السابقة تتم دون ان تظهر على شاشات التلفزيون, اي "من تحت لتحت" كما يقال في المثل, فان هذا التعديل رغم ما عليه, فان له انه قد تم تحت بصر وسمع المواطن السوري.
واذا كانت ولاية الرئيس الدكتور بشار الاسد من حيث الشكل الدستوري صحيحة وغير مطعون في شرعيتها, فان المواطن السوري ومنذ اليوم الاول بعد خطاب القسم, كان يرقب المضمون الذي يتوقع ان يقدمه الرئيس بشار,خلال ولايته هذه, الى الشعب السوري ,الذي يحكم على الافعال اكثر مما ينظر الى الاقوال.
ولا بد ان نذكر هنا, بان الذين قاموا بتعديل الدستور, قد ارتكبوا "جناية" دستورية, حسب نص الدستور نفسه, الذي اكد في احد مواده على انه لا يمكن تعديل الدستور الا من خلال موجب دستوري,وان يرفق بالتعديل مذكرة تفسيرية تبين الحاجة لهذا التعديل. لانه لم يكن عند وفاة الرئيس "الاب", حالة قاهرة تستلزم هذا التعديل. ولو كانت هذه الحالة موجودة, لارفق هذا الموجب الدستوري اللازم والملزم مع نص المادة المعدلة.
فقد كان هناك نائب اول يمكن ان يمارس الحكم,-وقد مارسه فعلا عندما رفع الدكتور بشار الاسد الى رتبة "الفريق" وعينه قائدا اعلى للجيش- وبالتالي لا يوجد فراغ دستوري يستوجب التعديل.
ويترتب على هذا الاجتهاد الدستوري,انه يحق لاي مواطن سوري ان يلاحق ,قانونيا, جميع الذين شاركوا في تعديل الدستور, -ابتداء برئيس مجلس الشعب السابق الاستاذ "عبد القادر قدورة" وانتهاء بحضرات النواب المحترمين- امام المحكمة الدستورية العليا بجناية الاساءة الى هذا الدستور, ويبقى هذا الحق قائما ما لم يسقط بالتقادم.
واستطرادا, الم يقم الاستاذ "قدورة" برفع الحصانة عن النائبين "سيف" و»الحمصي«, وحكم عليهما بالسجن خمس سنوات, لانهما طالبا بتعديل الدستور من تحت قبة البرلمان, مع انهما قاما بتقديم الموجبات لهذا التعديل, بينما الذين عدلوا هذا الدستور من دون موجب اصلا, التهبت الاكف لهم بالتصفيق.

مقاربة لبنانية
الساحة اللبنانية السياسية منشغلة الان بالاستحقاق الرئاسي, الذي يجب ان يحسم بطريقة ترضي غالبية اللبنانيين, بحيث يتم هذا الاستحقاق على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب". غير اني لن اوغل كثيرا في هذا الاستحقاق الا بمقدار ما يوصلني الى الهدف السوري.
فعندما قاربت ولاية رئيس الجمهورية السابق الاستاذ "الياس هراوي" على الانتهاء, سعت القيادة السورية, - حتى يستمر زمام لبنان في يدها- بان تتم الانتخابات النيابية التي تلي الاستحقاق الرئاسي, في وجود رئيس متعاون بحيث يضمن الحصول على اغلبية برلمانية.
وليس هناك من هو افضل من الرئيس "الهراوي" ,في ذلك الوقت, لضمان مجيء اغلبية برلمانية متعاونة, تاتي بحكومة تضمن بقاء السياسة اللبنانية من دون تغيير. ومن خلال هذا المنظور تم تعديل الدستور ومدد للرئيس الهراوي.
اليوم يعيد التاريخ نفسه, فيوشك ان يحل موعد الانتخابات النيابية اللبنانية بعد انتخابات رئيس الجمهورية باشهر قليلة, مع وجود مستجدات على الساحة. فالتفويض الاميركي الممنوح للقيادة السورية منذ دخول الجيش السوري الى لبنان عام 1976, قد تم سحبه او هكذا يظهر. بل يمكننا ان نقول ان الامر قد انعكس, بوجود الضغط والتهديد الاميركيين لسورية, بعد احتلال العراق, خصوصا بعد توقيع "بوش" لقانون محاسبة سورية وتحرير لبنان.
ولعل ما جرى في اللقاء الاخير الذي تم بين الرئيس الاميركي"بوش" والرئيس الفرنسي "شيراك" المتطلع منذ زمن, الى عودة النفوذ الفرنسي الى لبنان منذ ان اضمحل هذا النفوذ لصالح النفوذ الاميركي في العقود الثلاثة الاخيرة. اقول لعل ما جرى في ذلك اللقاء جاء ليضيف بعدا اخر الى الوضع السوري في لبنان .
فقد اتفق الرئيسان "بوش" و"شيراك" في لقائهما الاخير في باريس, كما جاء في مؤتمرهما الصحافي يوم 5 يونيو الجاري, على "حق لبنان في اختيار مستقبله دون تدخل قوات اجنبية" وان "يتم انتخاب رئيس جديد للبنان هذا الخريف", حيث تعني كلمة "جديد" رفضهما تعديل الدستور اللبناني, في اشارة واضحة الى معارضتهما ما جاء على لسان الرئيس السوري الدكتور بشار في مقابلته الاخيرة لقناة "الجزيرة" القطرية قبل شهرين, عندما قال:"ان التمديد وانتخاب رئيس جديد كلاهما امر وارد".
هذا الدخول على خط الانتخابات اللبنانية من قبل "بوش" و "شيراك" مجتمعين, ربما دعا القيادة السورية ان تدرك ضرورة ترك الامر للبنانيين, وان تظهر للناس بانها مع اللبنانيين على ما يتفقون عليه.
وما يهمني ان اصل اليه بعد هذه المقاربة اللبنانية, هو ان الرئيس السوري, وبعد ان ادرك فحوى ما اتفق عليه "بوش" و"شيراك", اراد ان يسبق هذا الاتفاق, فصرح لجريدة "القبس" الكويتية في زيارته الاخيرة للكويت قائلا: "ان الاخوة اللبنانيين يحبون التغيير".

حلال على اللبنانيين حرام على السوريين?
ونقف هنا عند هذه المقولة الاخيرة للرئيس بشار, لنؤكد على قضيتين هامتين:
اولا: ليس اللبنانيون وحدهم هم الذين يحبون التغيير. فاشقاؤهم السوريون, وهم اقرب العرب اليهم, يحبون التغيير خصوصا بعد طول سبات.
ثانيا: في سياق ما جرى ويجري في لبنان من انتخابات بلدية ونيابية ورئاسية, ومهما قيل عن بعض التجاوزات في هذه الانتخابات, فانها تمت باقتراع حر ومنافسات حزبية ضمن هامش لا باس به من الديمقراطية, وكل هذا حصل ويحصل والنظام السوري ليس بعيدا عما يجري. ويبقى من حق المواطن السوري ان يتساءل: لماذا يكون للبنانيين ,في ظل النفوذ السوري, هذا الهامش من الديمقراطية والحرية, في الوقت الذي نحرم فيه من ذلك نحن السوريين ?
واستطرادا فان القيادة السورية -والرئيس بشار الاسد على راسها- راضية كل الرضى عن التعايش الذي يسود احزاب وطوائف الشعب اللبناني.ولا يزعم احد ان هذا التعايش تم بعيدا عما يريده نظام الحكم في سورية.
بل ان الرئيس بشار ,كما نقل عنه زوار دمشق من الفعاليات اللبنانية, اكد في اكثر من مناسبة, "بان القيادة السورية حريصة على ان تبقى على مسافة واحدة من كل التوجهات والاحزاب اللبنانية".
ويقف المواطن السوري هنا ليتساءل: َلم لا يكون الرئيس بشار على مسافة واحدة من احزاب وتوجهات الشعب السوري? وحتى يتحقق ذلك لا بد من الغاء مادة الدستور التي تقول: "حزب البعث قائد للدولة والمجتمع",التي بقيت تؤسس للتمييز بين فئات الشعب السوري, وتجعل حزب البعث هذا فوق كل طبقات الشعب السوري على مدى اكثر من ثلاثة عقود.
المطلعون على احوال الشعب السوري, يؤكدون ان هذه المادة تطبق اسوا تطبيق في حياة المواطن. فالبعثيون لهم الافضلية في التوظيف في دوائر الدولة. وهناك مراتب معينة حكر على البعثيين, ابتداء من مدراء المدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية, وعمداء الكليات ورؤساء الاقسام فيها,ورؤساء الجامعات, والمديرين العامين في الشركات ورؤساء مجلس الادارة فيها, والوزراء والامناء العامون فيها والمدراء التابعون لكل وزارة في كل محافظة. اما في الجيش, فان الكلية الحربية التي تخرج مختلف ضباط الاسلحة في الجيش السوري, مقفلة على البعثيين فقط.

غيض من فيض احباطات المواطن السوري
الان مع ظهور نتائج امتحانات الشهادة الثانوية وبدء موسم القبول في الجامعات, فان كثيرا من الشباب, يتجرعون الغصص لانهم لا يجدون مكانا لهم في الكليات التي يودون الالتحاق بها, بينما زملاؤهم من البعثيين يتم قبولهم في تلك الكليات بمجاميع اقل من مجاميعهم بكثير, بعد ان اضاف حزب البعث لهم علامات "كوتا" لم يحصلوا عليها في الامتحانات, لانهم من شبيبة الثورة البعثية.
الرئيس بشار الاسد زار كثيرا من الاقطار العربية, وبعضا من البلدان الاوربية, وفي كل مرة كان يلتقي مع الجالية السورية في تلك الاقطار والبلدان, -وهذه تحسب له- وفي كل لقاء كان يسمع شكاوى المغتربين من حرمانهم من جوازات السفر هم واولادهم.
وقد اكد كثير ممن حضروا اللقاءات, ان الرئيس كان يعد بانهاء هذه الماساة خلال مدة لا تتجاوز السنة, ومع ان حل هكذا قضية لا يحتاج الى سنة, ولا حتى لشهور قليلة, فان السنة مضت, والاجل حل, وليس هناك في الافق ,حتى الان, بادرة حل.
ذكرت فيما سبق مثالين عن معاناة المواطن السوري, والقضية اكبر بكثير من قبول في الجامعة وجوازات سفر لمغترب.
القضية تتعلق بمواطنين محرومين من كل ميزات المواطنة, التي يدفعون ضريبتها للوطن عن طيب نفس, دون ان يكون لهم حتى حق الاحتجاج عن حرمانهم من حقوقهم.
فحزب البعث وقيادته القطرية صادرا حرية المواطن في اختيار اعضاء مجلس الشعب بعد ان جعلا "كوتا" باكثر من نصف اعضائه للبعثيين. واصبح اعضاء مجلس الشعب ليس لهم من عمل الا الموافقة ,وبالاجماع, على تعديل الدستور وترشيح الرئيس لولاية جديدة.
رئيس الوزراء ومنذ عام 1981, صادر حق الاطباء والمهندسين والمحامين والصيادلة والمدرسين والعمال باختيار نقاباتهم عن طريق الانتخاب, واصبحت هذه النقابات, التي هي من اعمدة المجتمع المدني, وكانها احدى هيئات القطاع العام.
سورية التي كانت بيت الخيرات, اصبح الموظفون فيها -الذين لا يجدون موردا اخر- جميعا, بمن فيهم اساتذة الجامعات ,تحت خط الفقر. والدخل القومي للفرد الواحد -حسب دراسة قدمها الاقتصادي نبيل سكر- هو 1000دولار, وهو يراوح في مكانه منذ سنوات, بينما هو في لبنان اربعة الاف, وفي الاردن /1700/ وفي مصر /1500/.
الحرية اعتقلت في سورية منذ اليوم الاول لانقلاب مارس عام 1963, والقانون في اجازة. والديمقراطية اصبحت مخلوقا خرافيا, وكانها من رابع المستحيلات.
الدستور الحالي فصله حزب البعث على مقاسه, وكلما تورم جسم هذا الحزب من كثرة الشحوم, وكلما استجدت منفعة لهذه الحزب وقيادته القطرية, يعاد تفصيل هذا الدستور على المقاس الجديد. واخر مرة تمت اعادة التفصيل, اشرنا اليها في مقدمة هذا المقال. ومع ذلك فان قانون الطوارئ, في كل يوم يكسب موقعا جديدا من مواقع هذا الدستور, حتى فرغه من مضمونه الخاوي اصلا.
وكان اسوا منتوجات قانون الطوارئ هذا, هو تطاول اجهزة الامن, المتعددة الاسماء والمهام, على حرية وحياة المواطن السوري, حتى اصبح هذا المواطن ينام ويستيقظ, فيحمد الله انه لا يزال في بيته لم يذهب به زوار الفجر الى حيث لا يدري هل يعود الى اهله ام لا. وتغفو عيناه كل ليلة وهو يحلم بترك سورية والهجرة الى بلاد الله الواسعة, حيث لا يوجد فيها اجهزة امن ولا عناصر امن سوريين.
لقد نبت الشعر على السنتنا, ونحن نتغنى بما جاء في خطاب القسم, ونقول ورد في خطاب القسم كذا, ووعد خطاب القسم بكذا. وها قد مضى اكثر ولاية الرئيس بشار, - والاكثر له حكم الكل- ولم يتحقق الا النذر اليسير مما جاء في خطاب القسم هذا.
فالى متى ينتظر السوريون?,,,,

*
كاتب سوري عضو مؤسس في »رابطة ادباء الشام