تحرير المقاومة الوطنية في العراق....

فهمي هويدي....الشرق الاوسط


موضوع المقاومة العراقية أصبح في حاجة ملحة إلى تحرير بعد التفجيرات التي استهدفت خمس كنائس في بغداد، وفي ظل التصاعد الملحوظ للعمليات التي أصبح يقتل من جرائها يومياً عشرات العراقيين الأبرياء. ذلك ان مثل هذه العمليات هي أكثر مايسيء إلى المقاومة الوطنية، ويشوه صورتها الأمر الذي لا أستبعد معه أن يكون ذلك هو الهدف والقصد النهائي لها.
بسبب من ذلك، فأرجو أن نتفق على أن مصطلح «المقاومة الوطنية» ينصرف مباشرة إلى شيء محدد هو الاحتلال وما يتصل به. ذلك أن أحداً لايستطيع أن ينكر على الشعب العراقي حقه في المقاومة، المعترف به قانوناً وشرعاً وعقلاً. وأي عنف يمارس خارج تلك الدائرة، هو من قبيل التخريب والفوضى، واثارة الفتنة وتصفية الحسابات، وهو ليس سحباً من رصيد المقاومة فحسب، وانما هو أيضاً تثبيط للعمل الوطني وصرف له عن معركته الحقيقية والأساسية.
لقد أثبتت المقاومة، بالمعنى الذي حددناه وجودها، ووجهت إلى قوات الاحتلال، وما زالت، ضربات موجعة، كان لها صداها في قرارات سلطة الاحتلال، التي اضطرتها ضغوط المقاومة إلى اتخاذ عديد من الاجراءات ، من تشكيل مجلس الحكم ، إلى تحديد مواعيد تسليم السلطة واجراء الانتخابات. وعند الحد الأدنى ، فإن المقاومة نجحت في اقناع الادارة الأميركية بأن لحم العراق أكثر مرارة مما توقعوا، وأن كلفة الاحتلال غالية، الأمر الذي وضعها في مأزق، اضطرها إلى البحث الدؤوب عن كيفية الخروج منه. فكان اللجوء إلى الأمم المتحدة لاضفاء غطاء شرعي وأخلاقي على الوجود الأميركي في العراق، وكانت تلك المحاولات المتعددة لاستدعاء قوات أخرى من خارج العراق تخفف من العبء عن الأميركيين وتتقاسم معهم الخسائر.
غير أن المقاومة الوطنية لم تكن وحدها في الساحة التي انفتحت أبوابها على مصارعها بلا ضابط ولا رابط، منذ استباحة العراق بالغزو، وما استصحبه من تدمير لمرافق الدولة ومؤسساتها، ونهب لوثائقها وآثارها، فضلاً عن مواردها بطبيعة الحال. وقد شمل التدمير والنهب المصانع التي جرى تفكيكها مع ما تبقى من مختلف خلايا العافية في البلاد. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن الغزو بالطريقة التي تم بها، والتداعيات التي تلاحقت بعده، أول عمل ارهابي تعرض له ما سمي بالعراق الجديد.
ولم يعد سراً أن الأعمال الارهابية التي قامت بها قوات الاحتلال مستمرة حتى هذه اللحظة، تشهد بذلك عمليات القصف والترويع التي لا يزال يتعرض لها العراقيون، باسم ملاحقة «الارهابيين» واجهاض عملياتهم، مثل ما شهدت به فضيحة سجن «أبوغريب» ، التي كشفت النقاب عن عذابات ومعاناة آلاف العراقيين الذين لم تتوقف سلطة الاحتلال عن اعتقالهم، بسبب الاشتباه أو لأي أسباب أخرى.
لقد وقف ارهاب النظام السابق عند تدمير المجتمع، ولكن ارهاب الاحتلال ذهب إلى أبعد، لأنه قام بتدمير الدولة ذاتها، وأشهر على الملأ استباحة العراق. وحين حدث ذلك، فإن البلد أصبح منطقة جذب لكل من هب ودب. وكما أن الاحتلال لم يقف عند حد لتحقيق غرضه، فإن الناشطين الذين ظهروا في الأفق، وجاءوا من داخل البلاد أو قدموا من خارجها، بدورهم لم يقفوا عند حد، ولم يعرفوا حرمة في ممارساتهم. وحين قامت سلطة الاحتلال بحل الجيش العراقي وتسريح الشرطة، مرتكبة بذلك احدى الحماقات الكبرى، فانها وفرت لمن يريد، وبالمجان، طاقة عنف مسلح يمكن توظيفها في أي اتجاه.
ازاء ذلك تواجدت في الساحة العراقية، وفي وقت واحد، عناصر وجماعات تعددت بتعدد الأهداف والمصالح التي استهدفتها، وتدل الشواهد على أن أهم تلك العناصر والجماعات تمثلت فيما يلي :
* المقاومة الوطنية التي ضمت خليطاً من الناشطين الاسلاميين والقوميين العراقيين، الذين انضمت إليهم عناصر من الجيش استشعرت المهانة والجرح.
* ناشطون اسلاميون قدموا من الخارج، واختلفت دوافعهم في ذلك.
* مجموعات لاحصر لها من فرق المخابرات الأجنبية، وكانت الاسرائيلية والأميركية في المقدمة منها.
* ميليشيات جماعات المعارضة العراقية، خصوصاً الشيعية والكردية.
* انصار النظام السابق، الذين ظلوا على الولاء له وحالمين باستعادته.
* عصابات النهب المسلح التي استفادت من الانفلات الأمني لتحقيق أكبر قدر من المغانم.
ونظراً لتعدد الأهداف واختلافها، فقد تواجدت إلى جانب المقاومة الوطنية، عناصر التخريب والهدم والفوضى والفتنة. ولست أريد أن أنزه المقاومة عن الوقوع في الخطأ، ذلك أن تعدد جماعاتها واختلاف اجتهاداتها ومنابعها الفكرية، أدى إلى تورط بعضها في أخطاء جسيمة أساءت بدورها إلى المقاومة وشوهت صورتها. وربما كانت عمليات قتل المختطفين بقطع رؤوسهم من أفدح تلك الأخطاء وأكثرها جسامة. ومثل هذه الممارسات تكرس حقيقة الفوضى التي عمت البلاد، والانفلات الذي لم يعد يعرف ضابطاً ولا رابطاً. وهو انفلات على مستوى الوطن، وفي داخل الجماعات ذاتها.
في اجواء تلك الفوضى، جرى استهداف علماء أهل السنة، ووقعت التفجيرات البشعة في المدن الشيعية المقدسة، ومارست ميليشيات جماعات المعارضة تصفية حساباتها مع القوى الأخرى المنافسة، وجرى قتل حوالي 35 من كبار العلماء العراقيين في التخصصات العلمية المختلفة، وطالت التصفيات والاغتيالات المناطق الكردية، ونسفت مخافر الشرطة، وزرعت السيارات المفخخة في الشوارع العمومية، إلى أن جاء الدور أخيراً على الكنائس.
من المسؤول عن تلك الجرائم، لا أحد يعرف بالضبط، وليس هناك جهد كاف مبذول في هذا الصدد، والبحث الجاد الذي تم حتى الآن ، قام به الأميركيون للعثور على المسؤولين عن التمثيل بجثتي اثنين من جنودهم في الفلوجة. ورغم أن تلك الجرائم قيدت ضد مجهول حتى الآن، الا أن المعلوم الوحيد الذي يمكن القطع به أنها لا يمكن أن تنسب إلى المقاومة الوطنية من أي باب.
هكذا فإننا لا نستطيع أن نجيب على السؤال : من الجاني؟ إلا أن بوسعنا أن نجتهد أكثر في الاجابة عن السؤال : من المستفيد؟
فالذين يريدون اثارة الفتنة في الداخل مستفيدون من الوقيعة بين المسيحيين والمسلمين، أو بين السنة والشيعة أو بين العرب والأكراد. وهؤلاء كثيرون، نستطيع أن نتصور بعضهم على الأقل، وهم ممن لا تخفى هويتهم على فطنة القارئ. وفي مقدمة هؤلاء من سبقت الاشارة إليهم، ممن يريدون أن يصرفوا الانتباه عن قضية الاحتلال، كما أنهم يريدون تشويه صورة المقاومة وفض الناس من حولها في الداخل، اذ هم بذلك يغتالونها معنوياً ويضعفونها في ذات المربع الذي يصنف فيه المخربون الارهابيون.
واذا جاز لي أن اجتهد في التسمية، فإنني اعتبر أن على رأس هؤلاء المستفيدين، الأميركيون والاسرائيليون، وجماعات الفوضى في الداخل والمعادون للمقاومة. فالأميركيون يريدون تخفيف الضغط على قواتهم بكل وسيلة، لأن من شأن ذلك التخفيف ان يقلل من الأخبار السيئة التي تفد إلى واشنطن كل يوم من بغداد، وهي الاخبار التي تسيء إلى موقف الرئيس بوش في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
والاسرائيليون سوف يسعدهم لا ريب أن ينفجر العراق من الداخل وتشتعل فيه الحروب الأهلية، حتى لا تقوم له قائمة في المستقبل. وهم خبراء في الدس والوقيعة، أما دعاة الفوضى فأمرهم لايحتاج إلى بيان، إذ يكفي أن يكونوا كذلك، حتى يرحبوا باحراق الكنائس والمساجد والحسينيات، وقل مثل ذلك عن الرافضين للمقاومة، الذين سوف يسارعون الى التصفيق بمجرد سماع خبر تفجير الكنائس، لأنهم سوف يهرولون بعد ذلك الى وسائل الاعلام المختلفة لكي يتهموا المقاومة، ويحذروا من مساندتها وتأييدها، بزعم أن ذلك سوف يعني تأييد الخراب والموت، وهو ما حدث بالفعل في اليوم التالي للهجوم على الكنائس في بغداد.