عصر ازدهار الديموقراطية... ماذا لو كان العكس هو الصحيح....

جلال أمين.... الحياة

نحن نعيش في عصر يزهو بأنه عصر ازدهار الديموقراطية. فماذا لو كان العكس هو الصحيح؟ وكانت الحقيقة اننا نعيش في عصر من اهم سماته ما طرأ فيه على النظام الديموقراطي من ضعف, حتى في اعرق دول العالم في تاريخ الديموقراطية؟

لا يجب ان نستغرب على اي حال ان يصاحب تدهور الديموقراطية الترويج المستمر لازدهارها, فنحن نعيش في عصر يتكرر فيه الزعم بعكس الحقيقة: عصر يسمي نفسه عصر التنمية الاقتصادية او حتى عصر التنمية الانسانية, واحترام حقوق الانسان بينما هو اقرب الى ان يكون عصر استبدال ثقافة بأخرى, وقبل ذلك شاعت تسمية انتقال رؤوس الاموال من الدول الغنية الى الدول الفقيرة بـ"المعونات الاقتصادية", كما سمي انتصار الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي, ولو لفترة ما, بـ"نهاية التاريخ", وسميت الهجمة الرأسمالية الحديثة على دول العالم الثالث بـ"صراع الحضارات", كما سميت الحملات العسكرية على افغانستان والعراق, وكذلك اجراءات تكميم الافواه وكبت الاصوات المحتجة على هذه الحملات العسكرية, سميت كلها باجراءات "مكافحة الارهاب".

المدهش حقاً هو استعداد عدد كبير من الناس للتغاضي عن ظواهر مهمة وصارخة تدل على تدهور الديموقراطية, ومسايرة حملات الترويج لعكس ذلك. ما اشد استعداد الناس مثلاً للتغاضي عما اصاب النظام الحزبي من ضعف, اذ تضاربت بشدة برامج الاحزاب السياسية حيث اصبح من الصعب التمييز بين حزب وآخر وأصبح النجاح او الفشل في الانتخابات يتوقفان, اكثر فأكثر, على صفات شخصية في زعيم الحزب او المرشح للرئاسة, تكاد تكون منبته الصلة بقضايا سياسية او مصيرية تهم الناس, وأصبح سقوط رئيس في الانتخابات او فقده لمنصبه يتوقف على تصرفات شخصية لا تمت بدورها بصلة بمواقفه السياسية او كفاءته في تحقيق مطالب الجماهير.

فلنلاحظ ايضاً التدهور الذي اصاب مستوى المناقشات السياسية في الصحف والتلفزيون, واعتماد السياسيين في خطبهم وتصريحاتهم, على قدرتهم على التأثير في عواطف الناس اكثر من اعتمادهم على قوة الحجة وسلامة المنطق. بل انظر الى التغير الذي طرأ على هذه الصفات الشخصية نفسها للسياسيين وزعماء الاحزاب, وكيف صارت اقرب الى الصفات المطلوبة في رجال العلاقات العامة, الذين يمتاز بعضهم على بعض بمدى قدرتهم على استمالة الناس ولو بجاذبيتهم الجنسية, اكثر من قدرتهم على الاقناع او مدى ما يتمتعون به من النزاهة والاستقامة الخلقية.

ثم فلننظر الى تزايد حالات الفساد بين السياسيين, التي تنطوي على استعداد اكبر للاستسلام لاغراءات المكسب المادي الذي يمكن لهم الحصول عليه لو قاموا بتسهيل صفقات رجال الاعمال, واعتمادهم المتزايد على الدعم المالي الذي يقدمه لهم رجال الاعمال للوصول اصلاً الى مناصبهم السياسية.

كل هذه التطورات اصابت النظام الديموقراطي في الصميم. فدرجة الديموقراطية تقاس, في نهاية الامر, بمدى التأثير الذي يمارسه الشخص العادي في مضمون القرارات السياسية, بصفته مواطناً, بصرف النظر عن اصله او جنسه او طبقته الاجتماعية, او حجم ثروته او مستوى تعليمه. وهذا التأثير يتطلب تمتع هذا الشخص العادي بحق الترشيح في المجالس النيابية والتصويت لانتخاب اعضائها, من دون ان يعوقه في ذلك اي من هذه الاعتبارات: الاصل او الجنس او الطبقة الاجتماعية او حجم الثروة او مستوى التعليم, او اي محاولة لافساد عملية اختياره الحر بين مختلف البدائل المطروحة.

ولكن كل هذه التطورات التي ذكرتها من شأنها إما ان تميز بعض المواطنين عن بعض من دون وجه حق, فتعطي لبعضهم ثقلاً اكبر من غيرهم في اتخاذ القرارات, او تفسد عملية الاختيار بين البدائل المطروحة إما بحجب المعلومات اللازمة للاختيار الصحيح, او بتشويه المعلومات المتاحة, او بتوجيه الارادة في اتجاهات ضد مصالح اصحابها باستخدام مختلف وسائل الترغيب والتخويف.

ليس القيام بتزوير الانتخابات اذاً الا صورة واحدة, وهي صورة بدائية للغاية ومفضوحة تماماً, من صور تدهور النظام الديموقراطي. بل هي بسبب كونها بدائية للغاية ومفضوحة, اقل خطراً مما ذكرته حالاً من طرق تشويه ارادة الناخبين. فالجميع يعرفون ان النظام السوفياتي او النازي لم يكونا ديموقراطيين, والجميع يعرفون ايضاً ان معظم النظم التي تسمي نفسها ديموقراطية في العالم الثالث, هي ايضاً نظم غير ديموقراطية. ولكن المهم الآن ان ندرك ان تدهوراً خطيراً قد طرأ على النظام الديموقراطي حتى في الدول التي كانت قد سارت شوطاً بعيداً في مضمار الديموقراطية السياسية خلال القرن الماضي, وان من اخطر الامور الاستسلام للوهم الشائع بأن العالم ككل سائر نحو المزيد من الديموقراطية.

***

لا شك في ان ما ساعد على الاستسلام لهذا الوهم استمرار خضوعنا لذلك الاعتقاد الشائع بفكرة التقدم, اي بأن المجتمع الانساني يسير بصفة عامة وفي شكل مطرد من الاسوأ الى الافضل, والاعتقاد بأن المجتمعات المتقدمة اقتصادياً وتكنولوجياً, هي ايضاً وبالضرورة, المجتمعات الاكثر تقدماً في مجالات التنظيم الاجتماعي والسياسي, ومن هذه المجالات تطبيق الديموقراطية. ولكن الحقيقة هي ان من الممكن جداً, بل وعلى الارجح, ان يكون النجاح في جانب معين من جوانب التنظيم الاجتماعي على حساب جانب آخر, وان يكون للتقدم الاقتصادي والتكنولوجي ثمن يدفعه المجتمع في مجالات اخرى من مجالات العلاقات الاجتماعية والسياسية. وليس هناك سبب قوي يبرر الاعتقاد بأن الاشياء الطيبة تأتي دائماً معاً, وان الاشياء السيئة تأتي دائماً مجتمعة. وفي مجال التطور الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي, ليس من الصعب بالمرة ان نرى لماذا صاحب التقدم الاقتصادي والتكنولوجي خلال الجزء الاكبر من القرن العشرين تقدماً في مجال الديموقراطية, ولكن بدأت التطورات الاقتصادية والتكنولوجية منذ الربع او الثلث الاخير من ذلك القرن تحدث تأثيرات سلبية على مسيرة النظام الديموقراطي.

ان التطور الديموقراطي في الدول الصناعية خلال القرن العشرين كان وثيق الصلة بزيادة قوة النقابات العمالية التي نتجت بدورها عن زيادة حجم المشروبات الصناعية مما سمح بتجمعات اكبر للعمال في مكان واحد, وزيادة نصيب الصناعة في الناتج القومي, وارتفاع نسبة العمال الصناعيين الى إجماع القوة العاملة. والعمال الصناعيون هم لأكثر من سبب اشد قدرة على الممارسة الفعالة للعمل السياسي من المشتغلين بالزراعة. ولكن يبدو ان هذا التطور الذي نتج من تطورات تكنولوجية في الاساس, في دول اوروبا الغربية والولايات المتحدة, قد بلغ اقصى مداه قرب نهاية الربع الثالث من القرن العشرين, حين بدأ اتجاه معاكس نتج بدوره من مزيد من التطور التكنولوجي, ولكنه ادى هذه المرة الى تدهور القوة السياسية للعمال الصناعيين, بما في ذلك تدهور ملحوظ في قوة النقابات العمالية, مما ساهم بشدة في نشوء هذه الظاهرة التي نتكلم عنها وهي الضعف الذي اصاب النظام الديموقراطي.

نتج هذا التدهور في قوة العمالة الصناعية من ناحية من تدهور نصيب الصناعة في الناتج القومي, وانخفاض نصيب العمالة الصناعية في اجمالي القوة العاملة, لمصلحة قطاع الخدمات والمشتغلين فيه. ولكن حتى العمالة الصناعية اصابها تغير ملحوظ في هيكلها لمصلحة اصحاب المهارات العالية وعلى حساب المشتغلين بالعمل اليدوي او العضلي. وقد تعرضت الديموقراطية لضربة قاصمة نتيجة كلا الامرين. فالمشتغلون في قطاع الخدمات اقل تجانساً وأكثر تبعثراً ومن ثم اقل قدرة على ممارسة النشاط السياسي كقوة موحدة, من العمال الصناعيين, ومن ناحية اخرى فإن اصحاب المهارات العالية من المشتغلين بالصناعة قد يجدون الفجوة التي تفصلهم عن سائر العمال الصناعيين اكبر من تلك التي تفصلهم عن ارباب العمل, وقد يجدون مصالحهم واتجاهات ولائهم مختلفة اختلافاً كبيراً عن مصالح واتجاهات المشتغلين بأعمال يدوية او روتينية, ومن ثم قد لا توجد رابطة سياسية تجمعهم بهذه الفئات الاخيرة. اضف الى ذلك ما قد أسفر عنه التطور التكنولوجي من نمو الشركات العملاقة في قطاعي الصناعة والخدمات على السواء, وخروجها اكثر فأكثر لممارسة نشاطها على نطاق العالم الواسع, مما زاد من ضعف العاملين في هذه الشركات في مواجهة ارباب العمل والقائمين بالادارة, وزاد من تدهور قوتهم في المساومة مع ارباب العمل, اذ اصبح من السهل الآن, بالمقارنة بما كانت عليه الحال في الماضي, إحلال العمالة الاجنبية محل العمالة الوطنية بنقل الاستثمارات من بلد الى بلد, ومن ثم تدهورت ايضاً القوة السياسية للعمال الصناعيين.

ولكن مع تعاظم القوة الاقتصادية لهذه الشركات العملاقة, زاد ايضاً نفوذها السياسي, ليس فقط تجاه العاملين فيها, بل وأيضاً ازاء السياسيين ورجال الحكومة, اذ اصبحت لهذه الشركات القدرة ليس فقط على التهديد بالخروج باستثماراتها الى خارج البلاد, بل وأيضاً على إفساد السياسيين ورجال الحكم وإملاء رغباتها عليهم. لقد اصبحنا اذاً إزاء شريحة جديدة من اصحاب القوة الاقتصادية الذين تكاد تعجز أي قوة على ردعهم, سواء من أسفل, أي من جانب العاملين في شركاتهم, أو من أعلى, أي من جانب أصحاب المناصب السياسية الكبيرة, بعد ان كان الاثنان, العمال والسياسيون على السواء, قادرين على ممارسة هذا الردع منذ مدة لا تزيد كثيراً عن ثلاثة عقود.

في ظل نمو القوة الاقتصادية للشركات العملاقة, حتى زاد حجم انتاج مبيعات بعضها عن حجم الناتج القومي لبعض الدول, وفي ظل نمو العولمة, حتى اصبح في أقصى أطراف الأرض ذا أثر على الأطراف الاخرى, أصبحت شؤون السياسة الداخلية والخارجية من صميم اهتمامات هذه الشركات العملاقة ومجالاتها من مجالات تخطيطها للمستقبل. نعم, كانت السياسة دائماً متأثرة بالاقتصاد, ولكن ما كان من الممكن لأصحاب شركة صناعية صغيرة ان يهملوه أو يتجاهلوه من شؤون السياسة الداخلية أو الخارجية, منذ خمسين عاماً, بسبب ضعف أثره في الانتاج والتسويق, لم يعد من الممكن الآن إهماله أو تجاهله. نعم, كان لا بد لرجل مثل ونستون تشرشل, عندما كان وزيراً للدفاع في الحكومة البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى, ان ينصت جيداً الى مطالب ارباب الصناعة ومنتجي الاسلحة البريطانيين قبل ان يتخذ قراراته السياسية والحربية, ولكن لا بد من ان نتوقع, مع زيادة قوة الشركات المنتجة للسلع والخدمات والاسلحة أضعافاً مضاعفة خلال المئة عام الاخيرة, ان تكون قرارات رونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي في مطلع القرن الواحد والعشرين, اكثر خضوعاً بكثير لاصحاب هذه الشركات وأقل استقلالاً عنها. ان جزءاً من هذا الخضوع وفقدان الاستقلال هو ما يسمى أحياناً بالفساد, عندما يصبح السياسي تحت رحمة شركة كبيرة كان يعمل بها قبل اعتلائه لمنصبه او يطمح للعمل بها بعد خروجه منه. فزيادة حالات الفساد التي من هذا النوع يسهل اذاً تفسيرها بتغير ميزان القوة بين اصحاب القوة الاقتصادية وبين متخذي القرارات السياسية, من دون ان نحتاج الى الخوض بعيداً في تفسير المستوى الاخلاقي ومستوى النزاهة الشخصية. ويسهل ايضاً تفسير زيادة مظاهر الفساد في نظم الحكم السائدة في بلاد العالم الثالث, من دون الخوض في ما طرأ على النفوس والقلوب وعلى المستوى الأخلاقي في هذه البلاد. اذ يكفي جداً ان نلاحظ تغلغل نفوذ هذه الشركات العملاقة نفسها على متخذي القرارات في العالم الثالث, الى حد تدخلها باختيار هؤلاء الاشخاص بالاسم.

***

في الوقت نفسه, ونتيجة للتطورات التكنولوجية والاقتصادية نفسها, زاد التداخل بين اصحاب القوة الاقتصادية في مجال الانتاج وأصحاب القوة والنفوذ في مجال الاعلام. فأرباب الشركات العملاقة يحتاجون الى السيطرة على وسائل الاعلام, اكثر منهم في اي وقت مضى, بسبب ابتعاد السوق, اكثر من اي وقت مضى, عن نظام المنافسة الحرة, وسيادة مختلف أنواع المنافسة الاحتكارية التي تحتاج في شدة الى حملات التسويق وترويج السلع, مع زيادة قدرتهم المالية, في الوقت نفسه, على ممارسة هذه السيطرة.

وفي الجانب الاخر, زاد في شدة اعتماد وسائل الاعلام على مصادر التمويل الآتي من هذه الشركات, لم يكن غريباً اذاً ان تنمو الاحتكارات في ميدان الاعلام فتمتلك شركة واحدة, او حتى شخص واحد, صحفاً اساسية عدة وتسيطر في الوقت نفسه على قنوات تلفزيونية عدة. فاذا بقراء الصحف ومشاهدي التلفزيون يقرأون ويسمعون في الحقيقة رأياً واحداً يتكرر بصور مختلفة في الصحف او البرامج التي تبدو مختلفة, واذا بالشركات او الاشخاص المسيطرين على وسائل الاعلام يتمتعون ايضاً بأكبر سلطة في اختيار المرشحين للمناصب السياسية وترفيعهم الى أعلى المناصب او الخسف بهم باستخدام مختلف انواع التشهير وإثارة الفضائح.

***

في ظل كل هذه التطورات كيف نعلق أهمية كبيرة على ما اذا كانت الانتخابات التي تجرى كل بضع سنوات, مزيفة ام غير مزيفة؟ اذا كانت الاحزاب متشابهة الى درجة ان تكون برامجها كلها واحدة, وفي حال اختلافها يزول الاختلاف لدى وصول اي منها الى الحكم؟ واذا كانت الصحف كلها, او أهمها, ووسائل الاعلام المهمة كلها تقول الكلام نفسه ولو بطرق مختلفة؟ ماذا يهم في ما اذا كانت بطاقات الانتخابات صحيحة أم مزوّرة, والأصوات يجرى عدها بدقة او جزافاً؟

لم تعد نظافة الانتخابات او عدم نظافتها امراً مهماً في الحقيقة, أو على الاقل لم تعد لها ما كان لها من اهمية منذ خمسين عاماً. وهناك من الدلائل ما يشير على اي حال, الى ان اعداداً (ونسباً) متزايدة من الناس اصبحت تدرك هذا ولو بدرجات متفاوتة من الوضوح. فنسبة المشاركين في العمليات الانتخابية, حتى في اكثر الدول عراقة في الديموقراطية, تميل الى الانخفاض بانتظام, وبدأت اعداد متزايدة من الناس تبحث لها عن بديل عن الاهتمام بالسياسة, في مجالات اخرى يمكن للفرد فيها ان يلعب دوراً اكثر استقلالاً, كالألعاب الرياضية وتشجيع فريق ضد فريق, والاختيار بين مختلف السلع والخدمات المعروضة للترفيه عن النفس. وقد انعكس هذا التحرك في اهتمامات الناس في الانخفاض الملحوظ في نسبة ما تنشره الصحف ووسائل الاعلام من اخبار وتعليقات سياسية بالمقارنة بما تنشره من اخبار وتعليقات تدور حول الألعاب الرياضية او استهلاك السلع والخدمات. وهو تطور ترحب به على اي حال هذه الصحف ووسائل الاعلام ترحيباً كبيراً, لما يعنيه هذا من ترك الامور السياسية لأصحاب الشأن.

قد يقال: ألا تلاحظ ان هناك تطورات اخرى تشير الى اتجاه معاكس؟ فالمعارضون أصبحت أمامهم الان نتيجة ايضاً لتطورات تكنولوجية واقتصادية, وسائل حديثة للاحتجاج والتعبير عن معارضتهم, وللاتصال الاوسع بالناس وترتيب التظاهرات واللقاءات والمؤتمرات, من طريق الانترنت مثلاً, الذي اصبح طريقة سهلة ورخيصة في متناول اعداد متزايدة من الناس, مما بدأ يظهر تأثيره مثلاً في نمو الحركات المناهضة للعولمة, او الرافضة للاحتلال الاميركي - البريطاني للعراق, او التي تشكك في حقيقة المزاعم الرسمية وما تقوله الصحف السيارة الخاضعة لنفوذ الشركات الكبرى؟ أليس في هذا كله ما يشير الى نمو الديموقراطية وزيادة ثقل الناس العاديين, بصرف النظر عن اللون او الجنس او القوة الاقتصادية, في صنع القرارات السياسية؟

من الخطأ بالطبع الامعان في التشاؤم. وقد تعوّدنا على اي حال من تاريخ التطور التكنولوجي والاقتصادي, ان اي تقدم تكنولوجي او اقتصادي يأتي بالشيء ونقضيه, وان يسهم في القهر والتحرير من القهر في الوقت نفسه: الآلة البخارية حررت وقهرت, وكذلك السيارة الخاصة وكذلك التلفزيون, كل منها كان اداة للتحرر وللقهر في الوقت نفسه. ولكن الاعتراف بهذا لا يبرر على الاطلاق كل هذا الزهو والتباهي بما يسمى بازدهار الديموقراطية. ان هذا النمو لوسائل جديدة للاحتجاج والتواصل بين المعارضين لا يشكل اكثر من أمل نرجو ان تزداد قوته في المستقبل, ولا يجب ان يحجب عن أنظارنا ذلك النمو المذهل في القوى التي تعمل في اتجاه مضاد, اي في اتجاه كبت الاصوات المحتجة والتفريق بين المعارضين وتحويل انظارهم بعيداً من القضايا المصيرية ونحو الانشغال بوسائل الترفيه والتسلية.

* كاتب مصري.