شركات الاعلام والديمقراطية في أمريكا....

 

جمال عمر
فوجئت مراكز البحث والدراسات في العالم وفي الغرب بالسرعة التي انهارت بها الكتلة الشرقية، وحلف وارسو، والاتحاد السوفييتي في نهاية العقد التاسع من القرن الماضي، ـ ليس للانهيار ولكن للسرعة التي حدث بها ـ وتنافست مراكز البحث لتقديم نظريات، تفسر ذلك الانهيار: أسبابه ودينامكياته وتعددت واختلفت النظريات، الا أن هناك عاملا مشتركا اتفق معظمهم عليه، وهو أن انغلاق المنظومة الفكرية والسياسية لهذه النظم وعدم انفتاحها للنقد الذي، يوضح بواطن الضعف ويستشرف المستقبل فيولد التصحيح والاصلاح لهذه النظم. وفي المركز في عملية النقد ووسيلتها هو اعلام حر يراقب ويحقق ويوفر المعلومات للمجتمع، ولا يحدث هذا الا من خلال الشفافية، وكذلك عدم استقطاب الاعلام والسيطرة واحتكار النفوذ الاعلامي سواء من قبل السلطة الحاكمة أو الحزب أو الزعيم أو السلطة العسكرية. وتبارت الأصوات الغربية تتباهي بأهمية الديمقراطية والليبرالية بل والرأسمالية كمنظومة لتنظيم المجتمعات البشرية بل وبشر أحدهم بنهاية التاريخ بمعني أن هذه المنظومة الفكرية الغربية هي آخر مايمكن أن يتوصل اليه العقل البشري. ان الجمود الفكري واحتكار المعلومات ومن ضمنها التحكم في الاعلام لأي أسباب هي البذور التي تولد الانغلاق وتقتل النقد وهي بداية النهاية لأي نظام فكريا كان أو سياسيا، تلك كانت الرسالة والدرس من عملية انهيار الكتلة الشرقية، من وجهة نظر كاتب هذه السطور.
ان الولايات المتحدة من النظم السياسية التي تفاخرت علي طول تاريخها ـ الصغير نسبيا ـ بأهمية ودور حرية الاعلام الذي لاتتملكه الدولة أو تسيطر عليه الحكومة، بل عبارة عن شركات يمتلكها أفراد وأسر ومؤسسات والاعلام الأمريكي له حضور كبير ونافذ علي الصعيد الدولي وان كانت هناك محلية مفرطة في الاعلام الأمريكي الا أن العديد من الدول والمجتمعات تتأثر بماكينة الاعلام الأمريكية. والعلاقة بين حرية الاعلام والديمقراطية التي تزدهر وتثمر في ظل حكم دولة القانون وحرية الرأي المبنية علي شفافية في توفير المعلومات التي تمكن الشعب والمجتمع بكل مؤسساته من متابعة السلطة ومراقبة تصرفاتها، فلا يمكن أن تتوفر ديمقراطية بدون حرية رأي وحرية التعبير عنه والسعي للوصول الي الناس، وفي الكتاب الأخير للاعلامي الكبير (بيل موير)، والكتاب يضم كتاباته في السنوات الأخيرة يرصد العلاقة بين الديمقراطية والاعلام ويرصد التغيرات علي الساحة الاعلامية الأمريكية في النصف قرن الماضي.
شهدت ساحة الاعلام الأمريكي التي كانت تقوم علي التعدد والتنوع في مصادر المعلومات وخصوصا في تتبع تصرفات السلطة بكل عناصرها تنفيذية وتشــــريعية وقضــــائية، فهذا النوع من توزيع واستقلال السلطات وفي نفس الوقت تعدد وتنوع ملكية وسائل الاعلام وانتشارها منذ اصدار أول صحيفة أمريكية 1690 في بوسطن تحتوي علي ثلاث صفحات خدمات ومدي التعدد الذي شهدته عملية انتشار الصحف خلال فترة حرب الاستقلال ومدي الحرية التي تمتعت بها هذه الصحف المحدودة (ص 132)، حتي في فترات الحرب الأهلية والحرب العالمية الأولي والثانية كيف كانت حرية الصحافه ووســـــائل الاعلام عاملا مهما في ترشيد وتدعيم الديمقراطية الأمريكية.
الا أنه في النصف قرن الأخير شهدت وسائل الاعلام طفرة كبيرة في تكنولوجيا الاتصال وسرعة هذا الاتصال. الا أن التغيير الذي حدث في محتوي الرسالة الاعلامية، بالانتقال من متابعة أخبار السلطة والحكومة الي التركيز علي المستهلك وعقلية الاستهلاك والاحتفاء بنجوم المجتمع ومشاهيره (ص 93) ولكن هذا حدث ليس لتغيرات في المجتمع الأمريكي وتغيرات ثقافية ولكن لأن ست شركات ضخمة تتحكم في ماذا تقرأ أمريكا من كتب ومجلات وجرائد وماتشاهده من أفلام (ص 92) بما يعكسه ذلك من مركزيه للاعلام الأمريكي حيث تتحكم حفنة من الأشخاص فيما تقرأه وتسمعه وتشاهده أمريكا، يوجههم السعي الي تحقيق أرباح حاملي أسهم الشركة، هل هناك فرق كبير بين هذه المجموعة وتلك المجموعة التي كانت تتحكم باسم الحزب الشيوعي الحاكم توجهها الأيديولوجيا الحاكمة، أو وزارة للاعلام يوجهها قائد عسكري باسم الحكومة والزعيم الركن.

السمك الكبير يأكل الصغير ويبلعهما القرش معا

عمليات الاندماج بين الشركات الاعلامية الكبري بدءا من شركتي أمريكا أون لين وشركة تايم ورنر تبعه بعــــد أشـــهر قليلة اندماج س ب اس بميزانية 37 ملـــيار دولار أمريكي الاندماج الذي تفوق علي شــــركة ديـزني التي اندمجت مع محطة ا ب سي
A B C بميزانية 18 مليار دولار وكذلك بين شركة جنرال موتورز وشركة ان ب سي N B C الاعلامية والتي استطاعت أن تتحكم في 72 محطة تلفزيون تملكها شركة باكسن للاتصالات أيضا مما يمكن الشركة الجديدة من الوصول 76% من أمريكا فهكذا يبلع السمك الكبير السمك الصغير فيبلعهما الحوت (ص 92) هذه الشركات هدفها الربح وليس الصحافة فمن المربح التغطية الاعلامية للمشاهير والموضة وجرائم القتل وأحيانا الكوارث الطبيعية وانفجارات الطائرات، هذا مربح وليس التحقيق الاعلامي فيمن يلوث البيئة أو من يسرق المال العام أو متابعة مستوي التعليم. الهدف الذي لاتتحرج هذه الشركات من اعلانه هو تنشيط السوق من خلال طرق جديدة لبيع منتجات أكثر لأفراد أكثر من خلال ساعات أكثر وعلي المدي الطويل ليس عملية التسويق علي المتلقي، وهذا سوف يلغي المسافات الفاصلة بين الأراء والرؤي وبين التسويق (ص 142).
في دراسة تمت بواسطة جمعية المحافظة علي الكفاءة في الاعلام الأمريكي تتبعت التغطيات الصحافية علي الصفحات الأولي لكل من النيويورك تايمز ولوس أنجلوس تايمز وكذلك التغطيات الاخبارية الليلية في محطات ا ب سي، سي بي أس، ان بي سي بين 1977 و1997 فوجدت أن عدد التغطيات الاعلامية حول الحكومة انخفضت من واحدة كل ثلاث الي واحدة كل خمس تغطيات صحافية وان التغطية لحياة المشاهير ارتفعت من واحدة كل خمسين الي واحدة كل أربع عشرة (ص 93). مما يعكسه ذلك من تحويل التركيز الاعلامي من مراقبة وتتبع السلطة المتحكمة في حياة وأحوال الناس، ذلك التتبع والتركيز اللذان يوفران الضوء الهادي للمجتمع في تصحيح الأخطاء وصيانة المجتمع من دكتاتورية السلطة وانفرادها بفضاء العمل السياسي في المجتمع. مثال لذلك اجتمعت اللجنة الفيدرالية للاتصالات التي تتخصص في مراجعة القواعد المنظمة لعملية امتلاك الوسائل الاعلامية، لتستمع الي الأراء المختلفة في نيويورك، فلم تعلن أي محطة تلفزيونية عن حضور اللجنة الي نشاطها في المدينة لأن هذه الشركات تسعي الي تخفيف هذه القواعد.
هذه المركزية الجديدة خطيرة لأنها توفر سيطرة من يتحكمون في هذه الشركات بالسيطرة علي كل نشاط المجتمع وليس هناك كابح للسلطه ذاتها، فمثلا جريدة النيويورك تايمز نشرت يوم الأحد 11 ابريل تحقيق الكتب الجديدة التي ظهرت في الفترة الأخيرة تنتقد ادارة جورج بوش، في محطة سي بي اس التلفزيونية برنامج اخباري نصف اسبوعي اسمه ستون دقيقة هذا البرنامج عرض حوارا مع وزير الخزانة الأمريكية السابق المستقيل من ادارة بوش الابن يعرض فيها محتويات كتابة الجديد حول ادارة بوش ولقي الكتاب صدي كبيرا وانتقد بشكل حاد ادارة بوش، وبعد ذلك في نفس البرنامج اعلان عن كتاب آخر لمنسق مكافحة الارهاب في الادارة الأمريكية ريتشارد كلارك الذي استقال من الادارة الأمريكية اعلن عن الكتاب في نفس الأسبوع الذي سيمثل فيه ريتشارد كلارك أمام اللجنة المسؤولة عن التحقيق فيما حدث يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 م وانتقد ريتشارد كلارك ادارة بوش انتقادا كبيرا، كذلك نفس البرنامج عرض للقاء مع الصحافي بوب ودورد يعرض فيه كتابه خطة الهجوم الذي حكي فيه سعي ادارة بوش للتخطيط والتنفيذ لعملية الهجوم علي العراق وصور بوش متدينا منغلقا لايسمع الي أحد بل صوت الرب، كل هذا قد يكون مجرد تعاون وذكاء في تسويق كتب جديدة، ولكن حين نعرف أن الشركة التي تملك محطة التلفزيون التي تنتج البرنامج هي نفسها الشركة المالكة لشركة طبع وتوزيع الكتاب وهي نفس الشركة التي تملك شركة انتاج فيلم سينمائي حول قصة أحد هذه الكتب، بل وتملك محطات الاذاعة التي تسوق الكتاب وكذلك الجريدة التي يتم فيها تقييم الكتاب ونقده.

دور مايكل مور وجيهان نجيم ومل غبسون

من هنا نفهم رد الفعل للفيلم الوثائقي حول ادارة الرئيس بوش، للفنان مايكل مور حيث أنه قام في الفيلم بالدور الذي كان يجب أن تقوم به المحطات التلفزيونية من تغطية اعلامية لتوعية واعلام المواطن الأمريكي بما يحدث في العالم وفي أمريكا وعلي ناصية الحي الذي يعيش فيه، حيث قام مور بعملية بحث في معلومات موجودة بالفعل وليست أسرارا عسكرية ولكنه جمع الأجزاء في عمل فني كسر به وتعدي ايراد الأفلام الدرامية التي أنفق عليها الملايين، ليصبح فيلم مور علامة بارزة علي دور الفرد وقدرته وكذلك يظهر الاستجابة الجماهيرية فليست القضية كما تدعي الشركات الاعلامية أن ما تنتجه هو ما يريده الجمهور.
كذلك الدور الذي قامت به جيهان نجيم أمريكية من أصل عربي بعمل فيلم وثائقي بعنوان غرفة المراقبة عن تغطية قناة الجزيرة لعملية اجتياح العراق، بأسلوب فني جميل وعرض الفيلم في مهرجان نيويورك لأول مرة 2004 واختارته دار عرض واحدة في مدينة نيويورك. حقق عرض هذا الفيلم أعلي ايراد حققته هذه الدار من فيلم وثائقي في طول تاريخها والتف الطابور حول دار السينما لمشاهدة الفيلم. مما شجع 800 دار عرض سينمائية لعرض الفيلم في الولايات المتحدة.
كذلك فيلم ميل غبسون ألام المسيح وان اختلفت مع وجهة نظره ولكن عدم استطاعته أن يجد شركة من شركات السينما في هوليود لانتاج الفيلم فأنتجه من ماله الخاص وحقق الفيلم ايرادا لم يكن ليتخيل.
ان مركــــزية الاعلام الامريكي وسيطرة حفنة من الشركات والافراد يقتل التــــنوع والتعدد، يسهل سيطرة الشركات علي الحياة السياسية فلا يمكن لبرنامج في محــــطة تلفزيونية التحقيق في نشاط هذه الشركة التي يشمــــل نشاطها كل ماتتخيل من مجالات وهذا مايقــــتل الديمقراطية مما يجعل المجتمع سهل الاقناع من قبل السلطة، وهذا ماحدث مع الشـــعب الأمريكي وعملية اجتياح العراق لأنه لم يكن هناك اعلام يطرح الأسئلة التي يجب أن تسأل، وهذا ما نشاهده من مراجعة صحف مرموقة تغطيتها للادارة الأمريكية ومنطقها، وهذا السوس ينخر في بنية المجتمع الأمريكي.

ہ كاتب من فلسطين يقيم في امريكا