بوش أفسد علاقات بريطانيا بالعالم 

فوز الثنائي كيري ـ إدواردز ضرورة لترميم العلاقات عبر الأطلسي....

بقلم :روبن كوك

 

ثمة سمة جديدة استحدثتها إدارة بوش وتتمثل في أن أوجه النقص الفكري لدى الرئيس تفسح المجال لظهور أول نائب رئيس قوي فعلياً في التاريخ على حسب ما تسعفني الذاكرة. إن بشبكة المحافظين الجدد التي تهندس السياسات في أميركا يقف على رأسها نائب الرئيس ديك تشيني، الذي قام بنفسه بانتقاء كل أفراد تلك الشبكة.

 

وكل المغامرات الخارجية التي قامت بها تلك الإدارة انطلقت من محور تشيني ـ رامسفيلد. وعندما تمت إقالة بول أونيل من منصبه كوزير للخزانة لم يكن الرئيس الأميركي هو الذي أبلغه بقرار الإقالة، وإنما كان ديك تشيني هو الذي طلبه هاتفياً وأبلغه بأن عليه جمع حقائبه ليرحل. وإدارة الكونغرس هي عمل مكلف به بصورة كلية ديك تشيني، وذلك على الرغم من أنه ربما تحول من موقع المستفيد إلى موقع المسئول عندما فقد أعصابه مؤخراً، داخل ردهات الكونغرس بعد أن طُلب منه التقدم بمزيد من التفصيلات حول العقد العراقي مع شركة هاليبرتون التي تولى رئاستها من قبل.

 

كل تلك المعطيات تجعل من اختيار جون كيري لنائبه اثناء حملة الفوز بالرئاسة أمراً مضاعف الأهمية فقد بدأت وسائل الإعلام الأميركية بالفعل في الكتابة عن المناظرات التلفزيونية المنتظرة بين ديك تشيني وجون ادواردز بشكل ينم عن أن الاهتمام بتلك اللقاءات يفوق الاهتمام بالمناظرات المقبلة بين كيري وبوش.

 

قد يكون الثنائي كيري ـ ادواردز من ساسة واشنطن البيض، غير أن هناك توازناً ما بينهم فيما يتعلق بالرئيس ونائبه. فجون كيري يملك الخبرة الكافية في التعامل مع سياسات الدولة على المستويين المحلي والدولي وكذلك السمعة التي تجعل بقية قادة العالم يحترمونه ويتعاملون معه بحرية، في حين ان جودار ادواردز يملك قوة الجذب.

 

ويقوم كيري بمخاطبة الناخبين ذوي الاتجاهات الوسطية المتأخرة بين الحزبين بعناية فائقة. وسيعمل ادواردز على تأجيج مشاعر الناخبين الديمقراطيين بتصويره، على النمط الإسرائيلي، لدولتين أميركيتين، إحداهما تنال كل المميزات في حين تبقى الأخرى بلا سلطات.

 

إنهما يكوّنان ثنائياً يمكن أن ينجح بشكل جيد. ولا شك أن الجو العام السائد في أروقة الديمقراطيين إيجابي. لقد أمضيت فترة، مؤخراً، في هولندا مع كل من مادلين أولبرايت وعدد آخر من الديمقراطيين، الذين استمروا لفترة طويلة في الحكم.

 

وعند زيارتي لهم في الولايات المتحدة الصيف الماضي، كان الأمر بمثابة إرسال شخص خلف خطوط العدو لإحضار رسائل تشجيع لمقاومة فقدت الروح المعنوية. والآن، وبعد تلك الزيارة بعام، هناك شعور حقيقي بأن مناقشة العلاقات مع حكومة ديمقراطية لم يعد قضية نظرية وإنما هو بمثابة تخطيط سليم يتماشى مع المنطق.

 

إن إدارة بوش سوف تترك العلاقات بين طرفي الأطلسي في حالة سيئة تحتاج فيها إلى إصلاح، فالعراق أثار أزمة في حلف الناتو وصفها أحد المسئولين في الحلف بأنها «تجربة أشبه بالموت».

 

ويعكف المسئولون الأميركيون على الإعراب عن شكواهم من القول إن قمة اسطنبول الأخيرة شهدت محاولة من جانبهم لجسر الهوة عن طريق ما تقدموا به من مبادرات مشتركة والتلويح بمنح سلطات للأمم المتحدة، ولكن مساعيهم قوبلت بالرفض. إن واقع الأمر يشير إلى أن تحول بوش الى التعددية في اتخاذ القرارات هو أمر شديد الصلة بحملته الانتخابية لدرجة يصعب الاقتناع معها بما يقوله.

 

إن فوز الثنائي كيري ـ إدواردز بالانتخابات يعد شرطاً ضرورياً لترميم الشراكة بين طرفي الأطلسي، إلا أنه لا ينبغي لنا خداع أنفسنا بالقول إن هذا سيكون شرطاً كافياً لاصلاح تلك الشراكة. إن أوروبا في حاجة لأن ترى أن توجه الولايات المتحدة سوف ينتقل بشكل متزايد الى الباسيفيك وليس الى الأطلسي.

 

باختصار إذا كانت أوروبا تريد أن تُبقي العلاقة الاطلسية مهمة للولايات المتحدة، فإننا في حاجة لأن نعمل لتحقيق هذا الأمر وهنا نواجه ما هو بمثابة لغز من مسار تناول البريطانيين للقضية. فهؤلاء الذين يصفون أنفسهم بالأطلنطيين، لاسيما هؤلاء في الحزب المحافظ، يحبون ان يبرهنوا على التزامهم نحو الولايات المتحدة عن طريق اظهار نوع من عدم الالتزام نحو الاتحاد الاوروبي.

 

بيد أن واشنطن ليست لها مصلحة في وجود أوروبا مشرذمة تتكون من دول متفتتة تتنافس كل دولة منها في الحصول على رضى القوة العظمى. ويأسف المحللون العسكريون في أميركا لحقيقة أن كلاً من الدول الأوروبية الكبرى تناضل من أجل المحافظة على توافر قدرات عسكرية في جميع المجالات سواء البحر أو الجو أو الارض، بدلاً من أن تحاول كل دولة التخصص والقيام بأدوار مكملة لبعضها البعض. ولقد ضاق واضعو السياسات الخارجية في أميركا ذرعاً بعدم التكامل والتنافر وعدم التنسيق في السياسة الاوروبية الخارجية.

 

إن مكان وضع أساس لعلاقة أطلسية جديدة تقوم على قدر أكبر من المساواة من هذا المكان هو قارتنا، وسوف يتأتى هذا عن طريق اعطاء أميركا شريكاً أكثر قوة لا تستطيع مقاومته وقارة أوروبية أكثر اتحاداً لا تستطيع تفتيتها. نعم سيكون صعباً ان يتم جمع المصالح الخارجية المتنوعة لهذا العدد الكبير من الدول المختلفة في استراتيجية مشتركة واحدة.

 

ويجدر هنا أن نتذكر وصف كريس باتن لتحدي توحيد دول أعضاء تحت سياسة خارجية مشتركة بأنه أمر يشبه محاولة قيادة مجموعة من القطط. غير انه على الرغم من ذلك فاننا قد تعلمنا أن نحقق نوعاً من الوحدة في السياسات التجارية، ورأينا حجم الثقل الاضافي الذي اكتسبناه اثناء المفاوضات التجارية.

 

يمكن للدول الاعضاء ان تبدأ عن طريق طرق الباب الصعب الخاص بالنظر في الاستراتيجيات المتوافق عليها في السلوك الخاص بتلك الدول في مجال العلاقات الخارجية، على سبيل المثال، ليس هناك معنى أن يقوم وزراء الخارجية الأوروبيين بتوقيع بيان مشترك يدين تزوير الانتخابات في ايران ثم يقومون بعد ذلك بارسال سفرائهم لحضور الافتتاح الرسمي لبرلمان غير ديمقراطي لا يمثل الشعب. فهذا السلوك لا يقنع الايرانيين بأن ادانتنا للانتخابات كانت صادقة ولا يعطي الانطباع للأميركيين بأن أوروبا سوف تكون حازمة في أي وقت من الأوقات تجاه ايران.

 

وفي الوقت نفسه ينبغي للديمقراطيين الاميركيين أن يفكروا قليلاً في كيفية استغلال موجة الراحة وحسن النية التي ستتمخض عند فوز الثنائي كيري ـ ادواردز، أو كي نكون أكثر دقة، عند هزيمة الثنائي بوش ـ تشيني.

 

ولحسن الحظ فإن الافراط الذي حدث في جميع المجالات اثناء ادارة بوش سيجعل من السهل على الادارة القادمة ان تحدث تغييرا كبيرا في الاتجاه مقابل ثمن بسيط.

 

وسيكون عظيما اذا بدأت ادارة كيري من حيث انتهى بيل كلينتون فيما يتعلق بمفاوضات كيوتو، ولكن اذا عمل الرئيس الجديد على قبول الاجماع العلمي بشأن ظاهرة الاحتباس الحراري وحسب، فإن هذا سيمثل استكمالاً لما قام به جورج بوش الذي لايزال ينكر وجود اي تهديد تمثله تلك الظاهرة، وبشكل مشابه، فإن المعارضة في الكونغرس قد تجعل من المستحيل امام اي رئيس ان يوافق على الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية.

 

ولكن سيظل الامر تحت سلطة كيري كي ينهي ذلك التخريب الذي قامت به ادارة بوش لمجهودات الاخرين الرامية لانشاء المحكمة وتنشيطها، وسيكون امرا مرحبا به اذا قامت ادارة كيري بزيادة مساعدات التنمية التي تقدمها اميركا، الا ان الغاء الحظر الذي فرضه بوش على اي مشروعات تدعم التخطيط العائلي هو امر سيكسب كيري ثقة وتأييداً كبيرين وسيبرهن على ان اميركا آخذة في التراجع عن محاولات فرض القيم الاخلاقية الجنوبية على بقية شعوب الارض وفي الوقت نفسه لن يكلفه مزيدا من الدولارات.

 

ليست هناك دولة في حاجة الى ركيزة جديدة في البيت الابيض اكثر من بريطانيا، التي تدفع ثمنا غاليا في مختلف انحاء العالم بسبب ارتباطها الشديد بسياسات جورج بوش، غير ان توني بلير لايظهر سواء بلغة الفم او الجسد انه رجل يدرك هذه الحقيقة الواضحة، وقد ادعى احد كتاب الاعمدة الاميركيين، مؤخرا ان جميع اعضاء الحكومة البريطانية يريدون هزيمة بوش الا عضو واحد، هذا العضو هو رئيس الوزراء.

 

واذا كان هذا صحيحا، سيكون الامر بمثابة احتلال. ان اعادة انتخاب بوش سيزيد من صعوبة استعادة كل تلك الاصوات التي عارضت حرب العراق حيث يشعر هؤلاء بالقلق من امكانية استجابة توني بلير لتشيني ورامسفيلد اذا حاولا في فترة الرئاسة الثانية ان يجدا بلدا اخر يحررانه، في حين ان هزيمة بوش، او كما تقول ملصقات الديمقراطيين اعادة هزيمة بوش، سوف تسمح لهولاء بأن يصوتوا لصالح حكومة يشكلها بلير من دون ان يكونوا بالفعل يصوتون لصالح دعم سياسة بوش الخارجية.

 

وقد يقربنا اختيار جون ادواردز خطوة اخرى من امكانية حدوث تغيير في النظام الحاكم في واشنطن، وفي هذه الحالة فإن التطورات الاخيرة التي حدثت في الحزب الديمقراطي قد تثبت انها اكثر فعالية في تمكين توني بلير من وضع خط تحت العراق وذلك بشكل اكبر مما يمكن ان يحدثه تقرير باتلر.

 

ترجمة: حاتم حسين