الأصولية المسيحية حصان بوش الى البيت الابيض...

ديانا مقلد .... الوسط

"بالتأكيد سأقترع لبوش! إنه مؤمن صادق ويطبق تعاليم الانجيل". قالها إيدي, رجل الأعمال الأميركي من ولاية نيفادا, بثقة كاملة ومن دون تردد لدى سؤاله عن مرشحه في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.

عدد الأميركيين الذين يشاركون إيدي قناعته المطلقة بعمق إيمان الرئيس الأميركي واعتبار هذا الإيمان سبباً كافياً لإعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية ليس قليلاً. فقد أظهرت الاستطلاعات الأخيرة أن الأميركيين الذين يعتبرون أنفسهم "متدينين جداً" وأولئك الذين يقصدون الكنائس مرة واحدة في الأسبوع على الأقل يدعمون بوش بنسبة عالية (59 في المئة). أما أولئك الذين لا يعتبرون أنفسهم متدينين كثيراً ولا يقصدون الكنائس بانتظام فهم رجحوا كفة المرشح الديموقراطي جون كيري (69 في المئة).

إن التقاطع بين الإيمان والعلمانية من جهة والسياسة من جهة أخرى في الولايات المتحدة أمر يستحق المتابعة والاهتمام, خصوصاً هذه السنة. إذ يرى العديد من المعنيين بالانتخابات, أن الهوة التي تفصل بين الناخبين المؤمنين والناخبين العلمانيين أوسع من أي وقت مضى, وبالتالي فإن الإيمان أو عدمه هما السبيل الأمثل لتحديد الجمهوريين من الديموقراطيين. "أرني شخصاً حائزاً على شهادة الدكتوراه ولا يذهب إلى الكنيسة فأريك ديموقراطياً". ببساطة قالها فرانك نيوبورت من معهد غالوب للدراسات, الذي يعتبر أن الانقسام حول الولاء الديني سيكون العامل الحاسم على الأرجح في تحديد أهواء الناخبين وبالتالي توجهاتهم السياسية.

وحقيقة خلط طبقة من السياسيين الأميركيين خصوصاً المحافظين قضايا الولاء الوطني بالإيمان بالله ليس أمراً مستجداً في الولايات المتحدة. لقد ربح رونالد ريغان ومستشاروه السياسيون السباق الى البيت الأبيض من خلال إثارة قلق الديموقراطيين الجنوبيين والمحافظين المسيحيين من الثورة الجنسية وحقوق المثليين وتشريع الإجهاض. وبحسب خبراء في معهد غالوب, فإن ريغان خلق بعضاً من هذه الازدواجية بين الله والوطن. أما اليوم فيسعى مستشارو بوش إلى تعميق هذا الميل من خلال محاولة جذب البروتستانت المتدينين وتوسيع قاعدتهم التي يرتكز عليها بوش في تكريس شعبيته كمسيحي محافظ.

وفي السباق الرئاسي هذا العام يسعى السناتور الديموقراطي كيري لأن يصبح ثاني رئيس كاثوليكي يصل إلى البيت الأبيض بعد جون كينيدي, لكن دعمه لحق الإجهاض دفع ببعض رجال الدين الكاثوليك إلى الدعوة إلى حرمان كيري من حق تناول القربان في القداس في الكنيسة. في المقابل عاد الرئيس بوش لإحياء مبادرته الإيمانية والوقوف مع الكنيسة ضد الإجهاض وضد الاستنساخ البشري, لكنه خاض الحرب على العراق على رغم معارضة الفاتيكان لها.

لقد استعمل بوش لغة دينية خاصة به على نحو لم يفعله أي رئيس أميركي قبله, وهذا الأمر عالق في ذهن الأميركيين. وحديث بوش عن الدين بانفتاح ليس حكراً عليه وحده, فالرؤساء الذين سبقوه تحدثوا عن الدين وعبروا عن إيمانهم وقناعاتهم بأن أميركا يمكن أن تكون أفضل مع إيمان أقوى. مع ذلك فإنه من النادر أن حاول أحد الرؤساء أن يمزج بين الدين والسياسة بالشكل القوي والمباشر الذي يفعله بوش. وتركيز الرئيس الجمهوري على الدين لم يخلق جدلاً وطنيا فحسب, بل خلق ثقافة يمكن أن تحدث تحولاً في السياسة الاجتماعية الأميركية إذا نجح بوش في الحصول على ولاية رئاسية ثانية.

قبل الاربعين

حين يصبح شخص ما رئيساً للولايات المتحدة فمن الغالب أن يتم تصنيف حياته السابقة على انها مسار طبيعي لوصوله إلى هذا المنصب. كان جورج بوش الإبن الأكبر لرئيس الجمهورية, غنياً, حسن المظهر وحائزاً على شهادات من أهم جامعتين في العالم. مع ذلك فحين بلغ بوش الأربعين من عمره, لم يكن بالنسبة إلى كثيرين حوله سوى شخص فاشل. ففي حينها لم يكن قد حقق شيئاً يذكر مقارنة بإنجازات والده حين كان في عمره. لقد عاش بوش الإبن حياة بلا هدف وفشل تقريباً في معظم المشاريع التي خاضها وكان مدمناً على الكحول. لكن بعد اثني عشر عاماً بات بوش المرشح الجمهوري الأول لمنصب رئيس الولايات المتحدة!

ويصف المقربون من بوش رحلته الإيمانية بأنها رحلة عاصفة تراوحت بين النشوء على تقاليد بروتستانتية راسخة وبين تقلبات ونكسات شهدتها بداياته. ويستذكر هؤلاء المقربون رحلة لبوش على شاطئ بحر ماين مع المبشر المعروف بيلي غراهام والذي لقب بأنه "بابا البروتستانت" في أميركا. فقد سأل غراهام بوش إن كان قريباً من الله, وبحسب الروايات المتداولة فإن بوش لم يكن مدركاً لحاجاته الروحية, لكن الوقت الذي أمضاه مع غراهام ولاحقاً الدروس الانجيلية التي انتظم في تلقيها جعلته يدرك ما يعتبره طريقه ويتخلص من إدمانه على الكحول. نجح بوش في أن يعيد تركيز حياته في رؤية متجانسة بشكل يتماثل مع عقلية المحافظين الانجيليين في بلاده, وكان لزوجته لورا دور في دعم ذلك المسار.

وحين قرر حاكم ولاية تكساس بوش الإبن الترشح للانتخابات الرئاسية وصف قراره بالترشح بأنه "استدعاء", ومن الواضح أنه قصد أن الله استدعاه أو أوحى إليه لأن يكون رئيساً. وعبارة الاستدعاء هذه لقيت صدى واسعاً لدى الانجيليين. واستمر مساره هذا, فقد نصحه مساعده الاستراتيجي كارل روف أن يتحدث عن إيمانه ببساطة. ففيما كان المرشحون الآخرون يناقشون أموراً جدلية في حملاتهم الانتخابية, ركز بوش في حملته على خصاله كمسيحي يسكن المسيح قلبه. وفعلاً حين سأل صحافي بوش خلال حملته الانتخابية من هو فيلسوفه المفضل, أجاب بوش: "المسيح. لأنه غيّر قلبي".

نجح بوش الابن, ودعا في اليوم الأول من رئاسته إلى تكريس هذا اليوم للصلاة. وتمكن الأميركيون من التعرف على التحولات في حياة رئيسـهم, من الضياع وإدمان الكحول إلى الإيمان, ولم تشهد أي إدارة أميركية سابقة لقاءات للصلاة بالشكل الذي يحدث في الإدارة الحالية, كما لم يكن القادة الروحيون موضع ترحيب كما هم اليوم. فبوش حاول استخدام الإيمان والمؤسسات الدينية لحل مشاكل الامة بطريقة جديدة على الوعي الأميركي, إذ لديه قناعة راسخة بتكامل الإيمان مع السياسات العامة.

في اليوم الذي أعقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) أعلن الرئيس موقفه وحافظ عليه, "سيكون هذا صراعاً بارزاً بين الخير والشر لكن الخير سيبقى وينتصر". ولاحقاً عرَّف بوش أعدائه بـ"محور الشر", وهو تعبير يزخر بالمعاني الأخلاقية الدينية. وفي ظل البراءة المطلقة التي آمن بها بوش, أطلق "الرئيس المؤمن" تفسيراً واحداً لحقد الإرهابيين على أمته: "هناك أناس يكرهون الحرية, وبكلمة أخرى هم شريرون إلى درجة أنهم يمقتون الخير لأنه خير".

في السنة التي أعقبت هجمات سبتمبر أكد بوش أن "التاريخ نادى أميركا وحلفاءها للتـحرك", ولاحقاً عام 2003 أعلن "إن نداءنا كـأمـة مـباركة هو أن نجعل العالم أفضل". وخـلال تحـضـيرات الحرب على العراق أعلن بـوش "هـذه الأمـة وأصدقاؤها هم كل ما يقف بين عـالم مسـالم وعالم فوضوي. مرة أخرى لقد دعينا للدفاع عن أمن شعبنا وآمال الانسانية".

لا يبدو بوش متردداً في مقاربة الله بمشروعه الخاص, وصوره وهو يصلي خاشعاً منتشرة وشائعة بشكل لم يعهده رئيس قبله. في مؤتمر صحافي له بث مباشرة على الهواء في أوقات الذروة وقبل دقائق من توجيهه المهلة النهائية للرئيس العراقي صدام حسين لتسليم أسلحة الدمار الشامل, طلب بوش من مستشاريه أن يتركوه وحيداً لعشر دقائق. كانت رمزية هذا الطلب واضحة فقد أراد الرئيس أن يتواصل مع ربه قبيل اتخاذه موقفاً حاسماً في تاريخ بلاده.

المبادرة الإيمانية

مع استطلاعات رأي تظهر تراجع المؤيدين لسياسته في الاقتصاد وفي العراق إلى حدود باتـت دون الـ50 فـي المـئـة, لجـأ الرئيس بوش إلى تقنيات انتخابية كانت ساهمت في اكتــسابه أصوات الناخبـين في الــعام 2000, ففي محاولة منه لدفع مبـادرته الإيمانية التي أطلقها في بداية ولايتـه جدد بـوش الشهر الماضي دعوته إلى أن مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة لا يجب أن يمنع الجمعيات الدينــية من التنافس للحصول على أموال الدولة لمساعدة المحتاجين. وكرر مواقفه في سلسلة لقاءات في عـدد من الولايـــات الأميركية بهدف إحياء الاهتمام بمبادرته الإيمانية العالقة في أروقة الكونغرس الذي خذله ولم يوافق على عدد من بنود هذه المبادرة. لكن بوش وضع المشرعين جانباً وأصدر سلسلة قرارات تنفيذية بإعطاء الجمعيات الدينية أرضية مساوية لباقي المؤسســات الاجتماعية وبالتالي إمكانية التنافس للحصول على عقــود ومنح مالية فيديرالية. وبحسب البيت الأبيض, فإن الهدف من المبادرة الإيمانية هو إزالة الحواجز البيروقراطية أمام الجمــعيات والمؤسسات الدينية ومساعدة هذه المنظمات التي تخدم الشــباب والمجتمع. وقد وقَّع بوش قرارات بإنشاء مكاتب مخصصة لمساعدة الجمعيات الدينية في عشر وكالات فيدرالية. وفي مؤتمر صحافي في البيت الأبيض قال بوش: "أنا أقول لأميركا نحن لا نحتاج لأن نميز ضد الجمعيات الدينية. نحن نحتاج لأن نرحب بهم كي يصبح مجتمعنا أكثر توحداً وأكثر ترحيباً وأكثر أملاً لكل مواطن".

خلال زيارة له إلى ولايـة سينــسيناتي الشـهر الماضي أنحى بوش جانباً قضايا جدلية يروج لها مثل حظر زواج المثليين جنسياً وركز على أهمية الزواج كمؤسسة وهو أمر اعتبر بمثابة رسالة تلقى صدى إيجابياً لدى المحافظين, وهو بالضبط ما يحتاجه بوش في يوم الانتخابات. فمنطقة سينسناتي هي معقل للجمهوريين وقضية الزواج تلقى شعبية لدى المجموعات المحلية. ففي اقتراح بوش يمكن للمؤسسات الدينية أن تتنافس على الأموال الفـيديرالية لتـقدم خدمات تثقيفية للمجتمع حول الزواج, أي تثقيف الخاطبين والمرتبطين بكيفية الاستماع إلى الطرف الآخر وحل المشاكل وتبادل الاحترام. ويرى الموالون للخطوة أن المبادرة هذه ستكون عاملاً مساعداً في حل المشاكل المرتبطة بتربية الأطفال في المناطق الفقيرة أو لدى أم أو أب وحيد. لكن المعارضين يرون أن لا شأن للحكومة في الزواج الذي يجب أن يكون شأناً خاصاً, فمثل هذه المبادرات, حسب رأيهم, تمارس ضغطاً على النساء اللواتي يتعرضن لسوء المعاملة بأن عليهن البحث عن زوج عوضاً عن التطلع إلى الاكتفاء الذاتي والاستقلالية.

إعادة تركيز بوش على المبادرة الإيمانية والاهتمام بالزواج وإعادة تأهيل السجناء ومدمني الكحول والمخدرات, قدمت للرئيس فرصة في تحويل الأنظار في حملته الانتخابية عن الاقتصاد والأمن القومي والسياسة الخارجية وتسليطها على الأجندة المحافظة والمتعاطفة في قضايا مثل تسهيل تقديم الأموال الفيديرالية للخدمات الاجتماعية وللجمعيات الدينية. ففي العام 2003 وحده تبرع الأميركيون بحوالي 245 بليون دولار للجمعيات الخيرية, أي ما يمثل 2.2 في المئة من الدخل الوطني. وأبرز الجمعيات المستفيدة من هذه التبرعات هي جمعيات دينية وصلت حصتها من هذه الأموال إلى نسبة 35 في المئة تليها الجمعيات التربوية والصحية والثقافية.

بوش وفي خطاب ألقاه في البيت الأبيض حول مبادرته الإيمانية قال: "هناك المزيد من الأموال المتوافرة للبرامج الدينية. والفكرة هي أن (المبادرة) تعلمكم كيفية الوصول إلى ذلك المال وكيف تتأكدون من أن مسار الحصول على المنحة هو مسار مفهوم وتتأكدون من أن الناس في مجتمعاتكم لا يخافون أن تحول البيروقراطية دون مهمتكم".

لكن واقع دعم بوش للمبادرة الإيمانية يلاقي معارضة قوية, خصوصاً في صفوف الديموقراطيين والعلمانيين, الذين أطلقوا مخاوف في بداية إطلاق بوش لمبادرته من أن الحكومة ستصبح ممولة للدين وأن دعم الجمعيات الدينية قد يدفع لأن تحدث تعيينات أو إقالات بناء على قناعات دينية. وقد تقدمت مؤسسة The Freedom from Religion Foundation في شهر حزيران (يونيو) الماضي بدعوى فيديرالية ضد بوش في مدينة ويسكنسن في ولاية ماديسن. فبحسب هذه المؤسسة فإن إدارة بوش وبشكل غير شرعي تفضل المجموعات الدينية للحصول على أموال فيديرالية من خلال المبادرة الإيمانية. وبحسب القضية فإن أموال الضرائب التي يدفعها الأميركيون تستخدم لمساعدة مجموعات دينية تتقدم بطلبات للحصول على عقود ومنح فيدرالية لتقديم مجموعة من الخدمات وهو أمر يستدعي تفضيل الجمعيات الدينية على الجمعيات العلمانية الأمر الذي يخرق البند الأول من الدستور. وتطالب الدعوى بوقف استعمال أموال دافعي الضرائب على المبادرة الإيمانية وبسن قانون جديد يضمن حقيقة أن المخصصات المستقبلية لا تمول خدمات اجتماعية تتضمن الدين كعنصر متمم لهذه الخدمات. وتقول آني لوري غايلور من المؤسسة صاحبة الدعوى ضد بوش, "إنهم لا يساوون بين المتنافسين, إنهم يفعلون العكس فهم يداهنون ويتملقون الجمعيات الدينية ليأتوا لهم ويقولوا لهم كيف يملأون طلبات الحصول على المنح ويعطونهم الأموال. إننا نعتقد بأن الأمر هو ترويج للدين". لكن البيت الأبيض يقول إن المبادرة الإيمانية لا تمول الدين لكنها تجعل مسار تقدم الجمعيات الدينية للحصول على أموال فيديرالية أمراً أكثر سهولة. مدير مكتب البيت الأبيض لشؤون المبادرة الإيمانية جيم توي يقول: "إن الأمر لا يتعلق بتمويل الدين ولكن بتمويل النتائج وردع من يحول دون الفقراء, وهذه البرامج والمسار الذي يخوضه الرئيس في جهود مبادرته الإيمانية هي لنشر التعاطف في بلدنا والتأكد من أن البرامج الفعالة يتم تمويلها".

لا شك في أن مبادرة بوش تلقى شعبية لدى الناخبين المحافظين في السنة الانتخابية. فقد عاد بوش ليكرر رواية قصص عن أناس تغيرت حياتهم بسبب الجمعيات الدينية مؤكداً أن على الحكومة أن تشكرهم على إنجازاتهم معتبراً أن جهود هذه الجمعيات "ستغير أمتنا نحو الأفضل". وفي موقعه على الانترنت يصف البيت الأبيض المبادرة الإيمانية للرئيس بوش بأنها بداية ومقاربة جديدة لدور الحكومة في مساعدة المحتاجين. وفي هذا الموقع يوضح بوش وجهة نظره بأن الحكومة يمكنها أن تقود جيشاً لكن لا يمكنها أن تضع الأمل في القلوب, وأن على الحكومة مسؤولية تلبية حاجات الفقراء لكنها لا تحتكر التعاطف. وفيما لا يبدو أن معركة بوش لكسب الصوت المسيحي ستلاقي أصداء في نيويورك وسان فرانسيسكو ومعاقل أخرى لليبراليين لكن يبدو أنه وفي كثير من الولايات ستستمر التراتيل والابتهالات لله وللوطن والعظات التي تركز على الصواب والخطأ في إيجاد آذان صاغية!